كرنفالُ الحزنِ بينَ السماءِ والأرضِ (3)
بقلم: أحمد السراي
الجسدُ الذي أبكى السماءَ والأرضَ...
أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعلُ عاشوراءَ تعودُ كلَّ عامٍ فتوقظُ في القلوبِ أحزاناً كأنَّها لم تذق طعمَ السكونِ قط؟
وأيُّ جرحٍ ذاك الذي كلما مرَّتْ عليه القرونُ ازدادَ اتّساعاً، حتى غدا الزمنُ نفسُهُ عاجزاً عن تضميدِهِ؟
لعلَّ السرَّ كلّه يكمنُ هناك…
في تلك اللحظةِ التي سكتَتْ فيها ضوضاءُ السيوفِ، وخمدَ صهيلُ الخيلِ، وانقشعَ غبارُ المعركةِ عن مشهدٍ لو وزّعَ وجعُهُ على الدُّنيا لأثقلها...
هناك حيثُ كانَتْ كربلاء واقفةً على أطرافِ الفاجعةِ، وحيث كانَتِ الشمسُ تنظرُ إلى الأرضِ خجلى من متابعةِ المشهدِ، وحيث كانَ الترابُ يحتضنُ أعظمَ أمانةً عرفتها السماءُ والأرضُ…
لقد أضحى جسدُ الحسين (عليه السلام) وحيداً فوقَ الرمضاءِ، جسدُ ريحانةِ رسول الله (صلى الله عليه وآله)... الجسدُ الذي حملَهُ النبي يوماً بينَ ذراعيه، وأطالَ النظرَ إليه حتى حفظَتْ المحبةُ ملامحَهُ في قلبِ الرسالةِ...
جسدُ ذلك النورِ الذي كانَ كلما دخلَ على جدّهِ تهلّلَتْ له ملامحُ النبوّةِ، وإذا اعتلى كتفيه ازدادَ المنبرُ شرفاً، وإذا ابتسمَ أزهرَتْ في وجه الحياةِ معاني الرحمةِ…
ذلك الجسدُ نفسُهُ بات مفترشاً الرمالَ، لا ظلَّ يؤويه، ولا ذراعَ تمتدُّ إليه، ولا صدرَ يضمُّهُ كما كانَ يفعلُ جدّهُ المصطفى…
كأنَّ الدنيا بأسرها قد تراجعَتْ خطوةً إلى الوراءِ، وتركَتهُ يواجهُ وحدَهُ قسوةَ اللحظةِ...
كانَتِ الرياحُ تمرُّ على جسدِهِ الشريفِ كأنَّها تبكي، وكانَتِ الرمالُ تتشبّثُ بدمائِهِ الزكيةِ كأنَّها تأبى أن تفارقها، وكانَتِ السماءُ مُطرِقةً فوقَهُ في ذهولٍ يشبهُ الحدادَ...
أما الأرضُ… فكأنَّها لم تعد أرضاً منذُ أن استقبلَتْ ذلك الجسدَ الطاهرَ بينَ ذراعيها…
أيُّ مصابٍ هذا؟
وأيُّ قلبٍ يحتملُ أن يتخيلَ سبطَ رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيدَ شبابِ أهلِ الجنةِ، وحبيب فاطمة وعلي (عليهما السلام)، مُلقىً على الثرى وقد أثخنَتْهُ الجراحُ، وتفرّقَتْ على جسدِهِ آثارُ السيوفِ والرماحِ والنبالِ؟
وكأنَّ المأساةَ لم تكتفِ بأن تسفكَ دمَهُ، بل أرادَتْ أن تكتبَ على صفحاتِ الخلودِ آخرَ فصولِ الظلمِ بأقسى حروفِهِ، فلم يكنِ الحسين (عليه السلام) يومها رجلاً قتلَ في معركةٍ، كانَ الرسالةَ حينَ تحاصرُ، وكانَ الحقَّ حين يذبحُ، وكانَ الكرامةَ حين تُتركُ وحيدةً في مواجهةِ الطغيانِ…
لهذا لم يكنِ الجسدُ الملقى على الرمالِ جسداً فحسب، بل كانَ تاريخاً بأكملِهِ ينزفُ، وكانَ ضميرُ الإنسانيةِ يختبرُ نفسَهُ أمامَ أعظمِ امتحانٍ، وكانَتِ السماءُ تتعلّمُ كيفَ تبكي...
ومنذُ ذلك اليومِ، لم تعُدْ كربلاء بقعةً من الأرضِ، بل صارَتْ قلباً نابضاً بالحزنِ، وصارَتِ الرمالُ سجلًّا تحفظُ فيه الأجيالُ حكايةَ الدمِ الطاهرِ، وصارَتِ الرياحُ رسولاً يحملُ أنينَ الطفوفِ من قرنٍ إلى قرنٍ...
ولعلَّ أكثرَ ما يوجعُ الروحَ أنَّ الحسين (عليه السلام) لم يبق وحيداً في تلك الساعةِ فحسب، بل بقيَتْ وحدتُهُ تسافرُ عبرَ الزمنِ، حتى جاءَتْ ملايينُ القلوبِ بعدَ قرونٍ طويلةٍ لتقفَ عندَ قبرِهِ وتقولُ: لبيك يا حسين…
تأخرنا عن نصرتِكَ يوم عاشوراء، لكننا ما تأخرنا عن حبِّكَ...
وتأخرنا عن الدفاعِ عن جسدِكَ فوقَ الرمالِ، لكننا حملنا وجعَك في أرواحنا جيلاً بعدَ جيلٍ...
ولهذا كلما أقبلَ المحرمُ، لا تعودُ الذكرى وحدها، بل يعودُ ذلك المشهدُ، مشهدُ الجسدِ الذي افترشَ الثرى والتحفَ السماءَ، مشهدُ الدمِ الذي علّمَ الأحرارَ معنى الخلودِ، مشهدُ الحسين (عليه السلام) الذي أرادوا أن يبقى وحيداً في الصحراء، فجعلَهُ الله (تعالى) وطناً تسكنُهُ القلوبُ إلى آخر الزمانِ...
فما أعظمها من فاجعةٍ!
وما أعظمَهُ من جسدٍ ما زالَ -بعد ما يقاربُ أربعة عشر قرناً- يعلّمُ الدُّنيا كيف يكون الثباتُ، وكيف يكونُ الفداءُ، وكيفَ ينتصرُ الدمُ على السيفِ، والحقُّ على الباطلِ، والخلودُ على الموتِ.







محمد عبد السلام
منذ يومين
الغيرة من براءة الطفل إلى توجسات المرأة
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
عناوين أم عنوانات؟
EN