الحق القانوني للدولة المشعشعية في الذاكرة التاريخية :
لماذا غابت الدولة المشعشعية عن المناهج والكتب؟
تمثل الذاكرة التاريخية أحد المكونات الأساسية لهوية الشعوب والأمم، إذ لا يقتصر دورها على حفظ الأحداث الماضية، بل يمتد إلى تشكيل الوعي الجمعي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل. ومن هنا برز مفهوم "الحق في الذاكرة التاريخية" الذي يدعو إلى حفظ التراث التاريخي لمختلف الجماعات والكيانات السياسية دون إقصاء أو تهميش. وفي هذا السياق يثار تساؤل مهم: لماذا غابت الدولة المشعشعية، التي لعبت دورًا سياسيًا مؤثرًا في وسط وجنوب العراق والأحواز والخليج العربي لعدة قرون، عن كثير من المناهج الدراسية والكتب التاريخية؟
من المعلوم ان الدولة المشعشعية تأسست في القرن الخامس عشر الميلادي واستطاعت أن تفرض حضورها الديني والسياسي في منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية كبيرة. ورغم ذلك، فإن حضورها في الدراسات التاريخية العامة بقي محدودًا مقارنة بالدول الكبرى التي عاصرتها. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، في مقدمتها هيمنة السرديات التاريخية التي ركزت على الصراع بين الإمبراطوريات الكبرى، مثل الدولة العثمانية والدولة الصفوية، مما جعل الكيانات الإقليمية الأخرى أقل ظهورًا في المصادر التاريخية المتداولة.
ومن الناحية القانونية والمعرفية، فإن غياب الحديث عن بعض التجارب السياسية والتاريخية يثير إشكالية تتعلق بعدالة التمثيل التاريخي. فالتاريخ ليس مجرد تسجيل للأحداث، بل هو عملية اختيار وانتقاء لما يُروى وما يُهمل. وعندما تكون المصادر المتاحة عن دولة معينة قليلة أو مكتوبة من قبل خصومها السياسيين، فإن الصورة التي تصل إلى الأجيال اللاحقة قد تكون ناقصة أو غير متوازنة.
كما أسهم الفقدان المتعمد لعدد كبير من الوثائق والمخطوطات المتعلقة بالدولة المشعشعية في إضعاف الدراسات الأكاديمية المتخصصة بشأنها. وأدى هذا النقص في المصادر إلى اعتماد الباحثين على روايات خارجية قد لا تعكس جميع جوانب التجربة المشعشعية الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
ولا توجد أدلة علمية قاطعة تثبت وجود سياسة منظمة استهدفت محو تاريخ الدولة المشعشعية، غير انه اتساع رقعت خصومها من المبرطورية العثمانية والصفويه... وتداخل العوامل السياسية والمذهبية والأكاديمية أسهم في تقليص حضورها في الذاكرة العامة. ولذلك فإن إعادة دراسة هذه الدولة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها محاولة لإحياء الماضي فحسب، بل باعتبارها جزءًا من الجهد العلمي الرامي إلى تحقيق التوازن والإنصاف في كتابة التاريخ.
اذا إن الحق في الذاكرة التاريخية يقتضي إتاحة الفرصة لدراسة جميع التجارب السياسية التي أسهمت في تشكيل تاريخ المنطقة، ومن بينها الدولة المشعشعية، بعيدًا عن التحيزات المسبقة أو الروايات الأحادية. فالتاريخ الأكثر عدالة هو التاريخ الذي يمنح جميع الأطراف حقها في الحضور والتوثيق والفهم الموضوعي.







محمد عبد السلام
منذ ساعتين
عناوين أم عنوانات؟
مذكرات مواطن !!
أنا عراقي أين أقرأ ؟
EN