لم يكن الليل يومئذٍ ليلًا…
بل كان سترًا من حيرةٍ مدلهمة، تتعثر فيه الأرواح كالغرباء في دروبٍ لا تفضي.
في أقاصي اليمن، حيث كانت القصور تزهر على ضفاف السلطان، جلس أثيب اليماني وحده، كأن الملك من حوله صدىً أجوف، وكأن النعم التي تفيأتها يداه لم تكن سوى غبارٍ يلوح ثم يذوب.
كان قلبه على اتساعه أضيق من أن يحتمل ثقل همٍّ واحد، يتكاثر في صدره كليلٍ بلا فجر.
قال في سره:
كيف يُهزم رجلٌ وهو يملك ما يملك؟ وكيف يضيق الصدر وفيه من الدنيا ما فيه؟
لكن الجواب لم يكن في خزائن الذهب، ولا في حواشي الجند، بل كان يتوارى… في مكانٍ لم يبلغه بعد.
وفي تلك الليلة…
حين هدأت الأصوات إلا من أنين قلبه،
رأى كأن نداءً يشق الظلمة شقًا:
"قم… إلى باب من إن طُرق فُتح، وإن سُئل أُجيب، وإن دُعي أجاب… إلى أمير المؤمنين."
انتفض كأن الحلم يقظة، وكأن الصوت قدرٌ لا يُرد.
وكانت المدينة في صباحها تشبه قلبًا نقيًا،
وحين بلغ باب الإمام، كان يحمل في صدره من الاضطراب ما لو وُزِّع على الجبال لاهتزت.
دخل…
فإذا بالمجلس نورٌ لا يُرى، ولكن يُحس،
وإذا بأمير المؤمنين (عليه السلام) جالسٌ كأنه ميزان السموات، تسكن عنده الفوضى، وتخضع لديه العواصف.
تقدم أثيب، وهيبة اللقاء تذيب في لسانه فصاحته، لكنه قال:
"يا أمير المؤمنين… لقد عجمتني الدهور، وأرهقني عدوٌّ لا يُقهر، وغلبني بكثرة جنده… فهل من نجاة؟"
نظر إليه الإمام نظرةً لم تكن نظرًا… بل كشفًا.
كأنه رأى قلبه قبل أن يسمع قوله،
وكأنه قرأ حزنه قبل أن يفصح عنه.
ثم قال بصوتٍ لو أُنزل على الصخر لرق:
"يا هذا… إن النصر ليس في كثرة العدد، ولا في حدة السيف… إنما هو في صدق القصد، وصفاء السر."
وأملى عليه دعاءً…
لم يكن كلماتٍ تُكتب، بل أبوابًا تُفتح،
حروفه تلمع كنجومٍ في ليل الضراعة،
ومعانيه تتنزل كالغيث على أرضٍ عطشى.
ثم قال:
"احفظه… ولا تدعه، فإن فيه سرًا لو صدقت فيه، لسارت الجبال بأمرك، ومشيت على البحر بلا قدم."
خرج أثيب…
لكنه لم يكن الذي دخل.
عاد إلى اليمن…
لكن الطريق لم يكن طريقًا، بل تطهيرًا.
كان يقرأ الدعاء، لا بلسانه فحسب، بل بقلبٍ بدأ يتخفف من أثقاله،
وكان كل يومٍ يمر، يسقط من داخله صنمًا:
صنم الغرور،
وصنم الاتكال على الأسباب،
وصنم الخوف من غير الله.
ثم مضت السنون…
وأثيب لم يعد ذاك الأمير الذي كان،
بل صار قلبًا يمشي على الأرض، ووجهًا يتهجى معنى الخشوع.
ولما حضرته الوفاة، أوصى:
"أن يدفن في أرض الغري… حيث تخفف عن المؤمنين الأعباء."
كانت وصيةً تشبهه…
مشبعةٌ بسرٍّ عظيم.
وفي يومٍ كانت الشمس فيه تميل كأنها تودع،
دخلت جنازته إلى أرض النجف، محمولةً على ظهر بعير،
كأنها رحلة روحٍ عرفت أخيرًا أين تستقر.
وكان الإمام علي (عليه السلام) ينتظر…
لا انتظار الجسد، بل استقبال الوفاء.
فلما سُئل ولداه عن سر قدومهم من تلك البلاد البعيدة، قالا:
"أوصانا أبونا أن يُدفن هنا… حيث يُدفن رجلٌ لو شفع لأهل الموقف لشُفِّع."
فابتسم الإمام…
ابتسامة العارفين، وقال:
"أنا — والله — ذلك الرجل."
وهكذا…
لم يكن صافي الصفا اسم مكان،
بل صار مقامًا…
مقام قلبٍ تصفى من كل شيء، حتى لم يبقَ فيه إلا الله.
فمن أراد النجاة…
فليبحث عنها لا في كثرة ما يملك،
بل في صدق ما يكون.







صادق مهدي حسن
منذ ساعتين
لبيك يا حسين
جاهزية الاستعداد لشهر رمضان
السجن والسجين والسجان
EN