حين تضيق النفوس بما في صدور غيرها، تنسج الأيدي الخفية خيوطًا من المكر، ظنًّا منها أنها تُحكم القبض على مصائر الآخرين. كان (سالم) يُجيد ارتداء قناع الود، لكن قلبه كان يضمر حسدًا مريرًا لرفيقه (ناصر)، الذي اعتاد أن يسبق الجميع بصفاء سريرته واجتهاده الصادق.
لم يكن سالم يطيق رؤية ناصر محاطًا بمحبة الناس، ولا سماع كلمات الثناء التي تنهال عليه كغيثٍ رقيق. وفي مساءٍ متثاقل، جلس سالم وحده، يحدّث نفسه بصوتٍ خافت: "لا بد أن يتعثر هذا الرجل، لا بد أن يسقط ولو مرة واحدة." ومن تلك اللحظة، وُلدت الفكرة السوداء.
بدأ سالم يُحيك خطته بإتقان؛ نشر همساتٍ خبيثة هنا وهناك، وأشاع أن ناصرًا يخفي أسرارًا لا تليق بسمعته. ومع كل كلمةٍ يطلقها، كان يشعر بنشوةٍ زائفة، كمن يقترب من انتصارٍ موهوم. ولم يكتفِ بذلك، بل دبّر موقفًا يُحرج فيه ناصر أمام الناس، فأرسل رسالةً مزوّرة باسمه، تحمل كلماتٍ جارحةً لأحد وجهاء الحيّ.
جاء اليوم المنتظر، واجتمع الناس، وتطايرت الأحاديث كشررٍ في ريحٍ عاتية. وقف ناصر مذهولًا، لا يدري كيف يُدافع عن نفسه، وقد أُحيط بشكوكٍ لم يزرعها. لكن ملامحه بقيت هادئة، كأن في أعماقه يقينًا لا تهزه العواصف.
في خضمّ هذا الاضطراب، تقدّم رجلٌ مسنّ، كان قد رأى ما لم يره الآخرون. أخرج من جيبه رسالةً أخرى، تشبه تلك التي نُسبت إلى ناصر، لكنها تحمل خطّ سالم نفسه، وقد كُتبت قبل أيام حين كان يُجرب حبكتها. انكشف الأمر كفجرٍ يبدد ظلامًا كثيفًا، وسقط القناع عن وجه سالم.
تراجعت الهمسات، وتبدّلت النظرات، وأدرك سالم، في لحظةٍ قاسية، أنه لم يحفر حفرةً لغيره فحسب، بل حفرها بعمقٍ لنفسه. حاول أن يتكلم، أن يعتذر، لكن الكلمات خانته، كما خان هو الصدق من قبل.
أما ناصر، فقد اكتفى بنظرةٍ هادئة، لا تحمل شماتة، بل شيئًا من الحزن على صديقٍ أضاع نفسه في دروب الظلام.
غادر سالم المكان مثقلًا بخيبته، تتبعه ظلال فعلته، كأنها حفرةٌ لا قرار لها، يسقط فيها كلما حاول النهوض. وفي صمت الطريق، أدرك أخيرًا أن الشرّ، مهما تنكّر، لا بد أن يعود إلى صاحبه، وأن من يُسقِط غيره، إنما يُمهّد لسقوطه هو.
الحكمة: «من حفرَ حفرةً لأخيه وقعَ فيها».
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)