المرجع الالكتروني للمعلوماتية
المرجع الألكتروني للمعلوماتية

القرآن الكريم وعلومه
عدد المواضيع في هذا القسم 12145 موضوعاً
تأملات قرآنية
علوم القرآن
الإعجاز القرآني
قصص قرآنية
العقائد في القرآن
التفسير الجامع

Untitled Document
أبحث عن شيء أخر



تفسير الاية (26-29) من سورة الرعد  
  
189   08:00 مساءً   التاريخ: 18 / 7 / 2020
المؤلف : المرجع الإلكتروني للمعلوماتية
الكتاب أو المصدر : تفاسير الشيعة
الجزء والصفحة : ......
القسم : القرآن الكريم وعلومه / التفسير الجامع / حرف الراء / سورة الرعد /


أقرأ أيضاً
التاريخ: 18 / 7 / 2020 199
التاريخ: 14 / 7 / 2020 198
التاريخ: 14 / 7 / 2020 164
التاريخ: 18 / 7 / 2020 147

 

قال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } [الرعد: 26 - 29]

تفسير مجمع البيان
- ذكر الطبرسي في تفسير هذه  الآيات (1) :

{ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} أي: يوسع الرزق على من يشاء من عباده بحسب ما يعلم من المصلحة ويضيقه على آخرين إذا كانت المصلحة في التضييق { وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: فرحوا بما أوتوا من حطام الدنيا فرح البطر ونسوا فناءه وبقاء أمر الآخرة وتقديره وفرح الذين بسط لهم في الرزق في الحياة الدنيا { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ } أي: ليست هذه الحياة الدنيا بالإضافة إلى الحياة الآخرة إلا قليل ذاهب لأن هذه فانية وتلك دائمة باقية عن مجاهد وقيل إنه مذكور على وجه التعجب أي عجبا لهم أن فرحوا بالدنيا الفانية وتركوا النعيم الدائم والدنيا في جنب الآخرة متاع لا خطر له ولا بقاء له مثل القدح والقصعة والقدر يتمتع به زمانا ثم ينكسر عن ابن عباس.

{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } أي: هلا أنزل على محمد معجزة من ربه يقترحها ويجوز أنهم لم يتفكروا في الآيات المنزلة فاعتقدوا أنه لم ينزل عليه آية ولم يعتدوا بتلك الآيات فقالوا هذا القول جهلا منهم بها { قل } يا محمد { إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ } عن طريق الجنة بسوء أفعاله وعظم معاصيه وقد مضى القول في وجوه الإضلال والهدى فلا معنى لإعادته { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } أي: رجع إليه بالطاعة { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } معناه الذين اعترفوا بتوحيد الله على جميع صفاته ونبوة نبيه وقبول ما جاء به من عند الله وتسكن قلوبهم بذكر الله وتأنس إليه والذكر حصول المعنى للنفس وقد يسمى العلم ذكرا والقول الذي فيه المعنى الحاضر للنفس أيضا يسمى ذكرا وقد وصف الله المؤمن هاهنا بأنه يطمئن قلبه إلى ذكر الله ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه لأن المراد بالأول أنه يذكر ثوابه وإنعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن إليه وبالثاني أنه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه.

 { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } وهذا حث للعباد على تسكين القلب إلى ما وعد الله به من النعيم والثواب والطمأنينة إليه فإن وعده سبحانه صادق ولا شيء تطمئن النفس إليه أبلغ من الوعد الصادق وهواعتراض وقع بين الكلامين إذا كان قوله { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } في موضع رفع بالابتداء ويكون قوله { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بدلا منه وقوله { طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } جملة في موضع الرفع بأنه خبر المبتدأ وإذا كان الذين آمنوا الأول في موضع نصب على ما تقدم ذكره فيكون { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } مبتدأ مستأنفا وطوبى لهم خبره ومعناه أن الذين يؤمنون بالله ويعلمون ما يجب عليهم من الطاعات .

{ طوبى لهم } وفيه أقوال  أحدها : أن معناه: فرح لهم وقرة عين عن ابن عباس والثاني : غبطة لهم عن الضحاك  والثالث: خير لهم وكرامة عن إبراهيم النخعي  والرابع : الجنة لهم عن مجاهد  والخامس: معناه العيش المطيب لهم عن الزجاج والحال المستطابة لهم عن ابن الأنباري لأنه فعلى من الطيب وقيل أطيب الأشياء لهم وهوالجنة عن الجبائي والسادس : هنيئا بطيب العيش لهم  السابع : حسني لهم عن قتادة  الثامن : نعم ما لهم عن عكرمة  التاسع : طوبى لهم دوام الخير لهم .

العاشر : أن طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) وفي دار كل مؤمن منها غصن عن عبيد بن عمير ووهب وأبي هريرة وشهر بن حوشب ورواه عن أبي سعيد الخدري مرفوعا وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال لوأن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منها ولوأن غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتى يبيض هرما ألا في هذا فارغبوا إن المؤمن نفسه منه في شغل والناس منه في راحة إذا جن عليه الليل فرش وجهه وسجد لله يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته ألا فكهذا فكونوا وروى علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي عبيدة الحذاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يكثر تقبيل فاطمة (عليهاالسلام) فأنكرت عليه بعض نسائه ذلك فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم): إنه لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة وأدناني جبرائيل (عليه السلام) من شجرة طوبى وناولني منها تفاحة فأكلتها فحول الله ذلك في ظهري ماء فهبطت إلى الأرض وواقعت خديجة فحملت بفاطمة فكلما اشتقت إلى الجنة قبلتها وما قبلتها إلا وجدت رائحة شجرة طوبى فهي حوراء إنسية وروى الثعلبي بإسناده عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: طوبى شجرة أصلها في دار علي (عليه السلام) في الجنة وفي دار كل مؤمن منها غصن ورواه أبو بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) وروى الحاكم أبوالقاسم الحسكاني بإسناده عن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عن طوبى قال: شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة ثم سئل عنها مرة أخرى فقال في دار علي (عليه السلام) فقيل في ذلك فقال إن داري ودار علي في الجنة بمكان واحد { وحسن مآب } أي: ولهم حسن مآب أي: مرجع .

_________________

1- تفسير مجمع البيان،الطبرسي،ج6،ص36-38.

تفسير الكاشف
- ذكر محمد جواد مغنية في تفسير هذه  الآيات (1) :

الإنسان والرزق :

عند تفسير الآية 100 من سورة المائدة ج 3 ص 131 تكلمنا مفصلا عن الرزق وأسبابه بعنوان : هل الرزق صدفة أوقدر ؟ . وذكرنا هذه الآية : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ } فيما ذكرنا من الآيات ، وأيضا تعرضنا لهذا الموضوع عند تفسير الآية 66 من سورة المائدة ج 3 ص 94 ، والآن نعود إليه بأسلوب آخر بالنظر لأهميته .

للإنسان صفات كثيرة ، منها ذاتية تلازمه ولا تنفك عنه بحال ، مثل أن يكون طويلا أوقصيرا ، وابن غني أوفقير ، ومنها غير ذاتية مثل أن يكون فلاحا أوتاجرا أوموظفا أوطبيبا ونحوذلك .

وللغنى أسباب ، منها النسب أي الغنى عن طريق الميراث وهومشروع في الدين ، وان لم يدخل تحت قدرة الإنسان ، ومنها الاحتكار والاستغلال كالربا والغش والسلب والنهب ، والتجارة بالمحرمات ، وهذا حرام ، ما في ذلك ريب ، ومنها كد اليمين وعرق الجبين ، كالزراعة والصناعة وما إليهما ، وهذا خير الأسباب وأفضلها عقلا وشرعا .

وللفقر أسباب أيضا : منها الإهمال والكسل ، وتقع التبعة فيه على الكسول المهمل ، ومنها فساد الأوضاع التي تجعل القيادة والزعامة للخونة والأقوياء ، وتبعد الشرفاء والضعفاء . وهذا السبب يحكم العقل والشرع بتحريمه وعدم شرعيته .

وبكلمة ان كلا من الفقر والغنى له أسبابه المحسوسة المشاهدة بالعيان .

وبهذا يتبين معنا ان الفقر والغنى من صنع الأرض ، لا من صنع السماء في الأعم الأغلب . . حيث يشذ بعض الموارد عن الأسباب المألوفة ، فيسميها البعض بتوفيق من اللَّه ، والبعض الآخر بالصدفة أوالحظ . . ولكن لا أحد يستطيع القول : ان القضاء والقدر يعاكس بعض الناس في كل شيء ، ويحول أبدا ودائما بينهم وبين ثمرة جهدهم وأعمالهم ، وانه يحالف آخرين ويناصرهم في كل شيء ، ويحقق لهم أكثر مما يأملون ، وفوق ما كانوا يتصورون من غير سعي وجد . . لا أحد يستطيع أن يثبت ذلك ، والا بطلت المقاييس ، وتخلفت المسببات عن أسبابها ، وكان العمل والتحفظ والإتقان ألفاظا بلا معنى .

وتسأل : ان قولك هذا لا يتفق مع ظاهر الآية ، وهي قوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ } ؟ .

الجواب : ان الناس في حياتهم وواقعهم فريقان : فريق موسع عليهم في الرزق ، وفريق مضيق عليهم فيه ، وكل من الغنى والفقر يتولد من أسبابه الخاصة التي أشرنا إليها ، وقوله تعالى : { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ } هووصف لواقع الناس ، وحكاية لحالهم التي هم عليها ، فكأنه يقول : الناس فريقان :

غني وفقير . . وأضاف سبحانه الفقر والغنى إليه لتنبيه الأذهان انه تعالى هوخالق الكون الذي فيه شقاء وهناء ، وبؤس ونعيم . . وإذا سأل سائل : ولما ذا لم يخلق كونا لا شقاء فيه ولا بؤس أحلناه على ما كتبنا بعنوان : { ليس بالإمكان أبدع مما كان } عند تفسير الآية 78 من النساء ج 2 ص 384 .

{ وفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا ومَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ } . تقدم نظيره مرات ، منها في الآية 185 من سورة آل عمران ج 2 ص 224 ، ونعطف على ما ذكرنا هناك ان فريقا من الناس يفرحون بالمال لأنه يستر عيوبهم وقبائحهم ، وكثير منهم لا يرون الفضيلة والخير الا في المال والثراء ، والمعروف عن الأمريكيين انهم لا ينظرون إلى شيء الا من خلال الدولار ، وبه وحده يقيسون عظمة الرجال ، حتى العلماء والعباقرة قيمتهم ما في جيوبهم ، لا ما في رؤوسهم .

{ ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } . مر نظيره في الآية 118 من سورة البقرة ج 1 ص 189 ، والآية 37 من سورة الأنعام ج 3 ص 184 ، والآية 20 من سورة يونس وبالحرف الواحد من السورة التي نحن فيها الآية 7 .

{ قُلْ إِنَّ اللَّهً يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ } . أنظر { الإضلال من اللَّه سلبي لا ايجابي } ج 2 ص 399 عند تفسير الآية 88 من سورة النساء ، و{ الهدى والضلال } ج 1 ص 70 عند تفسير الآية 26 من سورة البقرة .

{ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } .

لما ذكر سبحانه أهل المال ، وفرحهم الناشئ عن اطمئنانهم إلى عيشهم وحياتهم ذكر المؤمنين ، وانهم هم الذين يطمئنون بذكر اللَّه . . والاطمئنان معنى زائد على أصل الايمان ، وهوثبات الايمان واستقراره ، أوهوأعلى درجاته ومراتبه ، فقد جاء في الآية 260 من سورة البقرة : { قالَ أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } . وفي الآية 106 من سورة النحل : { وقلبه مطمئن بالايمان } . أي ثابت ومستقر .

أما الذكر فليس المراد به مجرد الكلام الملفوظ المسموع ، وانما المراد به الذكر الذي يزيد الذاكر يقينا باللَّه ، وثقة بوعده ووعيده ، فإذا لم يتحقق هذا الأثر .

فلا يعد التلفظ بالتقديس والتسبيح ذكرا حقيقيا . . والذكر الذي يزيد الذاكر يقينا وثقة هوالمراد من قوله تعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ - 152 البقرة } .

{ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ } . المراد بطوبى الجنة ، والمآب المرجع والمنقلب ، والآية بمعنى قوله تعالى : { وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ - 25 البقرة } .

_______________________

1- التفسير الكاشف، محمد جواد مغنية،ج4، صفحه 401-403.

تفسير الميزان
- ذكر الطباطبائي في تفسير هذه الآيات (1) :

قوله تعالى:{ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} إلى آخر الآية بيان أن ما أوتي الفريقان من العاقبة المحمودة والجنة الخالدة ومن اللعنة وسوء الدار هو من الرزق الذي يرزقه الله من يشاء وكيف يشاء من غير حجر عليه أوإلزام.

وقد بين أن فعله تعالى يستمر على وفق ما جعله من نظام الحق والباطل فالاعتقاد الحق والعمل به ينتهي إلى الارتزاق بالجنة والسلام والباطل من الاعتقاد والعمل به ينتهي إلى اللعنة وسوء الدار ونكد العيش.

وقوله:{ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ } يريد به - على ما يفيده السياق - أن الرزق هو رزق الأخرى لكنهم لميلهم إلى ظاهر الحياة الدنيا وزينتها ركنوا إليها وفرحوا بها، وقد أخطئوا فإنها حياة غير مقصودة بنفسها ولا خالدة في بقائها بل مقصودة لغيرها الذي هو الحياة الآخرة فهي بالنسبة إلى الآخرة متاع يتمتع به في غيره ولغيره غير مطلوب لنفسه فالحياة الدنيا بالقياس إلى الحياة الآخرة إنما تكون من الحق إذا أخذت مقدمة لها يكتسب بها رزقها وأما إذا أخذت مطلوبة بالاستقلال فليست إلا من الباطل الذي يذهب جفاء ولا ينتفع به في شيء، قال تعالى:{ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}: العنكبوت: 64.

عود ثان إلى قول الكفار:{لولا أنزل عليه آية من ربه} نراها فنهتدي بها ونعدل بذلك عن الشرك إلى الإيمان ويجيب تعالى عنه بأن الهدى والضلال ليس شيء منهما إلى ما ينزل من آية بل إن ذلك إليه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء وقد جرت السنة الإلهية على هداية من أناب إليه وكان له قلب يطمئن إلى ذكره وأولئك لهم حسن المآب وعقبى الدار.

وإضلال من كفر بآياته الواضحة وأولئك لهم عذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من دون الله من واق.

وأن الله أنزل عليهم آية معجزة مثل القرآن لوأمكنت هداية أحد من غير مشية الله لكانت به لكن الأمر إلى الله  وهو سبحانه لا يريد هداية من كتب عليهم الضلال من أهل الكفر والمكر ومن يضلل الله فما له من هاد.

قوله تعالى:{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} عود إلى قول الكفار{لولا أنزل عليه آية من ربه} وإنما أرادوا به أنه لوأنزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية من ربه لاهتدوا به واستجابوا له وهم لا يعدون القرآن النازل إليه آية.

والدليل على إرادتهم هذا المعنى قوله بعده:{قل إن الله يضل من يشاء} إلخ وقوله بعد:{ولو أن قرآنا سيرت به الجبال - إلى قوله - بل لله الأمر جميعا} وقوله بعد:{وصدوا عن السبيل} إلى آخر الآية.

فأجاب تعالى عن قولهم بقوله آمرا نبيه أن يلقيه إليهم:{ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} فأفاد أن الأمر ليس إلى الآية حتى يهتدوا بنزولها ويضلوا بعدم نزولها بل أمر الإضلال والهداية إلى الله سبحانه يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

ولما لم يؤمن أن يتوهموا منه أن الأمر يدور مدار مشية جزافية غير منتظمة أشار إلى دفعه بتبديل قولنا: ويهدي إليه من يشاء من قوله:{ويهدي إليه من أناب} فبين أن الأمر إلى مشية الله تعالى جارية على سنة دائمة ونظام متقن مستمر وذلك أنه تعالى يشاء هداية من أناب ورجع إليه ويضل من أعرض ولم ينب فمن تلبس بصفة الإنابة والرجوع إلى الحق ولم يتقيد بأغلال الأهواء هداه الله بهذه الدعوة الحقة ومن كان دون ذلك ضل عن الطريق وإن كان مستقيما ولم تنفعه الآيات وإن كانت معجزة وما تغن الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون.

ومن هنا يظهر أن قوله:{إن الله يضل} إلخ، على تقدير: أن الله يضل بمشيته من لم ينب إليه ويهدي إليه بمشيته من أناب إليه.

ويظهر أيضا أن الضمير{إليه} في{يهدي إليه} راجع إليه تعالى وأن ما ذكره بعضهم أنه راجع إلى القرآن.

وآخرون أنه راجع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غير وجيه.

قوله تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } الاطمئنان السكون والاستقرار والاطمئنان إلى الشيء السكون إليه.

وظاهر السياق أن صدر الآية بيان لقوله في ذيل الآية السابقة:{من أناب} فالإيمان واطمئنان القلب بذكر الله هو الإنابة، وذلك من العبد تهيؤ واستعداد يستعقب عطية الهداية الإلهية كما أن الفسق والزيغ في باب الضلال تهيؤ واستعداد يستعقب الإضلال من الله كما قال:{وما يضل به إلا الفاسقين}: البقرة: 26 وقال:{ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }: الصف: 5.

وليس الإيمان بالله تعالى مثلا مجرد إدراك أنه حق فإن مجرد الإدراك ربما يجامع الاستكبار والجحود كما قال تعالى:{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ }: النمل: 14 مع أن الإيمان لا يجامع الجحود فليس الإيمان بشيء مجرد إدراك أنه حق مثلا بل مطاوعة وقبول خاص من النفس بالنسبة إلى ما أدركته يوجب تسليمها له ولما يقتضيه من الآثار وآيته مطاوعة سائر القوى والجوارح وقبولها له كما طاوعته النفس وقبلته فترى المعتاد ببعض الأعمال المذمومة ربما يدرك وجه القبح أوالمساءة فيه غير أنه لا يكف عنه لأن نفسه لا تؤمن به ولا تستسلم له وربما طاوعته وسلمت له بعد ما أدركته وكفت عنه عند ذلك بلا مهل وهوالإيمان.

وهذا هوالذي يظهر من قوله تعالى:{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}: الأنعام: 125 فالهداية من الله سبحانه تستدعي من قلب العبد أوصدره وبالأخرة من نفسه أمرا نسبته إليها نسبة القبول والمطاوعة إلى الأمر المقبول المطاوع، وقد عبر عنه في آية الأنعام بشرح الصدر وتوسعته، وفي الآية المبحوث عنها بالإيمان واطمئنان القلب وهو أن يرى الإنسان نفسه في أمن من قبوله ومطاوعته ويسكن قلبه إليه ويستقر هو في قلبه من غير أن يضطرب منه أو ينقلع عنه.

ومن ذلك يظهر أن قوله:{وتطمئن قلوبهم بذكر الله} عطف تفسيري على قوله:{آمنوا} فالإيمان بالله يلازم اطمئنان القلب بذكر الله تعالى.

ولا ينافي ذلك ما في قوله تعالى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}: الأنفال: 2 فإن الوجل المذكور فيه حالة قلبية متقدمة على الاطمئنان المذكور في الآية المبحوث عنها كما يرشد إليه قوله تعالى:{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ }: الزمر: 23 وذلك أن النعمة هي النازلة من عنده سبحانه وأما النقمة أيا ما كانت فهي بالحقيقة إمساك منه عن إفاضة النعمة وإنزال الرحمة وليست فعلا ثبوتيا صادرا منه تعالى على ما يفيده قوله:،{ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ }: فاطر: 2.

وإذا كان الخوف والخشية إنما هو من شر متوقع ولا شر عنده سبحانه فحقيقة الخوف من الله هي خوف الإنسان من أعماله السيئة التي توجب إمساك الرحمة وانقطاع الخير المفاض من عنده، والنفس الإنسانية إذا قرعت بذكر الله سبحانه التفتت أولا إلى ما أحاطت به من سمات القصور والتقصير فأخذتها القشعريرة في الجلد والوجل في القلب ثم التفتت ثانيا إلى ربه الذي هوغاية طلبة فطرته فسكنت إليه واطمأنت بذكره.

وقال في مجمع البيان،: وقد وصف الله المؤمن هاهنا بأنه يطمئن قلبه إلى ذكر الله، ووصفه في موضع آخر بأنه إذا ذكر الله وجل قلبه لأن المراد بالأول أنه يذكر ثوابه وإنعامه وآلاءه التي لا تحصى وأياديه التي لا تجازى فيسكن إليه، وبالثاني أنه يذكر عقابه وانتقامه فيخافه ويوجل قلبه.انتهى.

وهذا الوجه أوفق بتفسير من فسر الذكر في الآية بالقرآن الكريم وقد سماه الله تعالى ذكرا في مواضع كثيرة من كلامه كقوله:{وهذا ذكر مبارك}: الأنبياء: 50 وقوله:{إنا نحن نزلنا الذكر}: الحجر: 9 وغير ذلك.

لكن الظاهر أن يكون المراد بالذكر أعم من الذكر اللفظي وأعني به مطلق انتقال الذهن والخطور بالبال سواء كان بمشاهدة آية أوالعثور على حجة أواستماع كلمة، ومن الشاهد عليه قوله بعده:{ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فإنه كضرب القاعدة يشمل كل ذكر سواء كان لفظيا أوغيره، وسواء كان قرآنا أوغيره.

وقوله:{ألا بذكر الله تطمئن القلوب} فيه تنبيه للناس أن يتوجهوا إليه ويريحوا قلوبهم بذكره فإنه لا هم للإنسان في حياته إلا الفوز بالسعادة والنعمة ولا خوف له إلا من أن تغتاله الشقوة والنقمة والله سبحانه هو السبب الوحيد الذي بيده زمام الخير وإليه يرجع الأمر كله، وهو القاهر فوق عباده والفعال لما يريد وهو ولي عباده المؤمنين به اللاجئين إليه فذكره للنفس الأسيرة بيد الحوادث الطالبة لركن شديد يضمن له السعادة، المتحيرة في أمرها وهي لا تعلم أين تريد ولا أنى يراد بها؟ كوصف الترياق للسليم تنبسط به روحه وتستريح معه نفسه، والركون إليه والاعتماد عليه والاتصال به كتناول ذاك السليم لذلك الترياق وهو يجد من نفسه نشاط الصحة والعافية آنا بعد آن.

فكل قلب - على ما يفيده الجمع المحلى باللام من العموم - يطمئن بذكر الله ويسكن به ما فيه من القلق والاضطراب نعم إنما ذلك في القلب الذي يستحق أن يسمى قلبا وهو القلب الباقي على بصيرته ورشده، وأما المنحرف عن أصله الذي لا يبصر ولا يفقه فهومصروف عن الذكر محروم عن الطمأنينة والسكون قال تعالى:{ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ }: الحج: 46، وقال:{لهم قلوب لا يفقهون بها}: الأعراف: 179 وقال:{نسوا الله فنسيهم}: التوبة: 67.

وفي لفظ الآية ما يدل على الحصر حيث قدم متعلق الفعل أعني قوله:{بذكر الله} عليه فيفيد أن القلوب لا تطمئن بشيء غير ذكر الله سبحانه، وما قدمناه من الإيضاح ينور هذا الحصر إذ لا هم لقلب الإنسان وهو نفسه المدركة إلا نيل سعادته والأمن من شقائه وهو في ذلك متعلق بذيل الأسباب، وما من سبب إلا وهو غالب في جهة ومغلوب من أخرى إلا الله سبحانه فهو الغالب غير المغلوب الغني ذوالرحمة فبذكره أي به سبحانه وحده تطمئن القلوب ولا يطمئن القلب إلى شيء غيره إلا غفلة عن حقيقة حاله ولوذكر بها أخذته الرعدة والقلق.

ومما قيل في الآية الكريمة أعني قوله:{الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} إلخ إنها استئناف، وقوله:{الذين آمنوا} مبتدأ خبره قوله في الآية التالية:{طوبى لهم وحسن مآب} وقوله:{الذين آمنوا وعملوا الصالحات} بدل من المبتدإ وقوله:{ألا بذكر الله تطمئن القلوب} اعتراض بين المبتدإ وخبره، وهو تكلف بعيد من السياق.

قوله تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} طوبى على وزن فعلى بضم الفاء مؤنث أطيب فهي صفة لمحذوف وهو على ما يستفاد من السياق - الحياة أوالمعيشة وذلك أن النعمة كائنة ما كانت إنما تغتبط وتهنأ إذا طابت للإنسان ولا تطيب إلا إذا اطمأن القلب إليه وسكن ولم يضطرب ولا يوجد ذلك إلا لمن آمن بالله وعمل عملا صالحا فهو الذي يطمئن منه القلب ويطيب له العيش فإنه في أمن من الشر والخسران وسلام مما يستقبله ويدركه وقد أوى إلى ركن لا ينهدم واستقر في ولاية الله لا يوجه إليه ربه إلا ما فيه سعادته إن أعطى شيئا فهو خير له وإن منع فهو خير له.

وقد قال في وصف طيب هذه الحياة:{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }: النحل: 97 وقال في صفة من لم يرزق اطمئنان القلب بذكر الله:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى }: طه: 124، ولعل وصف الحياة أوالمعيشة في الآية التي نحن فيها بزيادة الطيب تلميحا إلى أنها نعمة لا تخلومن طيب على أي حال إلا أنها فيمن اطمأن قلبه بذكر الله أكثر طيبا لخلوصها من شوائب المنغصات.

فقوله:{طوبى لهم} في تقدير لهم حياة أو معيشة طوبى، فطوبى مبتدأ و{لهم} خبره وإنما قدم المبتدأ المنكر على الظرف لأن الكلام واقع موقع التهنئة وفي مثله يقدم ما به التهنئة استعجالا بذكر ما يسر السامع ذكره نظير قولهم في البشارة: بشرى لك.

وبالجملة في الآية تهنئة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله اطمئنانا مستمرا - بأطيب الحياة أو العيش وحسن المرجع، وبذلك يظهر اتصالها بما قبلها فإن طيب العيش من آثار اطمئنان القلب كما تقدم.

وقال في مجمع البيان،:{طوبى لهم} وفيه أقوال: أحدها: أن معناه فرح لهم وقرة عين.

عن ابن عباس.  والثاني: غبطة لهم.عن الضحاك.والثالث: خير لهم وكرامة.عن إبراهيم النخعي.والرابع: الجنة لهم.عن مجاهد.والخامس: معناه العيش المطيب لهم.عن الزجاج، والحال المستطابة لهم، عن ابن الأنباري لأنه فعلى من الطيب، وقيل: أطيب الأشياء لهم وهو الجنة.عن الجبائي.والسادس: هنيئا يطيب العيش لهم.

والسابع: حسنى لهم.عن قتادة.والثامن: نعم ما لهم.عن عكرمة.التاسع: طوبى لهم دوام الخير لهم.العاشر: أن طوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفي دار كل مؤمن منها غصن عن عبيد بن عمير ووهب وأبي هريرة وشهر بن حوشب وروي عن أبي سعيد الخدري مرفوعا.انتهى موضع الحاجة.

وأكثر هذه المعاني من باب الانطباق وهي خارجة عن دلالة اللفظ.

_____________

1- تفسير الميزان، الطباطبائي،ج11،ص286-294.

تفسير الامثل
- ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذه  الآيات (1) :

قوله تعالى: { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ } وهذه إشارة لاُولئك الذين يسعون للحصول على دخل أكثر فهم يفسدون في الأرض وينقضون عهد الله ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل لكي يزيدوا من دخلهم المادّي، وهم غافلون عن هذه الحقيقة وهي أنّ الرزق ـ في زيادته ونقصه ـ بيد الله سبحانه وتعالى.

وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن تكون هذه الجملة جواباً على سؤال مقدّر، وهو: كيف أنّ الله سبحانه وتعالى يرزق كلّ هؤلاء الناس الصالح منهم والطالح من فيض كرمه.

والآية تجيب على هذا السؤال وتقول: { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ } ومع ذلك فهومتاع قليل وزائل، وما ينبغي السعي إليه هو الآخرة والسعادة الأبديّة.

وعلى أيّة حال فإنّ المشيئة الإلهيّة في مجال الرزق هي أنّ الله سبحانه وتعالى لا يبسط الرزق لأحد بدون الإستفادة من الأسباب الطبيعيّة له (أبى الله أن يجري الأُمور إلاّ بأسبابها).

ثمّ تضيف الآية { وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ }.

وقد ذكر {متاع} بصيغة النكرة لبيان تفاهة الدنيا بالمقارنة مع الآخرة.

ألا بذكر الله تطمنّ القلوب:

في سورة الرعد ـ كما أشرنا سابقاً ـ بحوث كثيرة حول التوحيد والمعاد والنبوّة، فالآية الأُولى من هذه المجموعة تبحث مرّةً أُخرى في دعوة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وتبيّن واحداً من أعذار المشركين المعاندين حيث يقول تعالى: { وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ }.

جملة {يقول} فعل مضارع للدلالة على أنّ هذا العذر كان يجري على ألسنتهم كثيراً، رغم ما يرونه من معجزات الرّسول (فعلى كلّ نبي أن يظهر المعجزة كدليل على صدقه) ومع ذلك كانوا يحتجّون عليه ولا يؤمنون بالمعاجز السابقة، ويطلبون منه معاجز جديدة تلائم أفكارهم.

وبعبارة أُخرى إنّ هؤلاء وجميع المنكرين لدعوة الحقّ كانوا دائماً يطلبون (المعاجز الإقتراحية)، ويتوقّعون من النّبي أن يجلس في زاوية الدار ويُظهر لكلّ واحد منهم المعجزة التي يقترحها، فإن لم تعجبهم لم يؤمنوا بها!.

في الوقت الذي نرى فيه أنّ الوظيفة الرئيسيّة للأنبياء هي التبليغ والإرشاد والإنذار وهداية الناس، وأمّا المعجزة فهي أمرٌ إستثنائي وتكون بأمر من الله لا من الرّسول، ولكن نحن نقرأ في كثير من الآيات القرآنية أنّ هذه المجموعة المعاندة لا تأخذ هذه الحقيقة بنظر الإعتبار، وكانت تؤذي الأنبياء دائماً بهذه الطلبات. ويجيبهم القرآن الكريم حيث يقول: { قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ }.

وهذه إشارة إلى أنّ العيب ليس من ناحية الإعجاز، لأنّ الأنبياء قد أظهروا كثيراً من المعاجز، ولكن النقص من داخل أنفسهم. وهو العناد والتعصّب والجهل والذنوب التي تصدّ عن الإيمان.

ولأجل ذلك يجب أن ترجعوا إلى الله وتنيبوا إليه وترفعوا عن عيونكم وأفكاركم ستار الجهل والغرور كي يتّضح لكم نور الحقّ المبين.

تُشير الآية الثانية بشكل رائع إلى تفسير {من أناب} حيث يقول تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ }. ثمّ يذكر القاعدة العامّة والأصل الثابت حيث يقول تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب}.

وتبحث الآية الأخيرة مصير الذين آمنوا حيث تقول: { الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ}.

كثير من المفسّرين قالوا: إنّ كلمة {طوبى} مؤنّث {أطيب}، وبما أنّ المتعلّق محذوف فإنّ للكلمة مفهوماً واسعاً وغير محدود، ونتيجة طوبى لهم هو أن تكون لهم أفضل الأشياء: أفضل الحياة والمعيشة، وأفضل النعم والراحة، وأفضل الألطاف الإلهيّة، وكلّ ذلك نتيجة الإيمان والعمل الصالح لاُولئك الراسخين في عقيدتهم والمخلصين في عملهم.

وما ذكره جمع من المفسّرين في معنى هذه الكلمة وأوصلها صاحب مجمع البيان إلى عشرة معاني، فانّها في الحقيقة تصبّ كلّها في هذا المعنى الواسع والشامل الذي ذكرناه.

ونقرأ في روايات متعدّدة أنّ {طوبى} شجرة أصلها في بيت النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوالإمام علي (عليه السلام) في الجنّة، وتنتشر أغصانها على رؤوس جميع المؤمنين وعلى دورهم، ولعلّ هذا تجسيماً لقيادتهم وإمامتهم والصلات القويّة التي تربط بين هولاء القادة وأصحابهم، وتكون ثمرتها كلّ هذه النعم المختلفة.

(وإذا ما رأينا أنّ طوبى جاءت مؤنثّة لأطيب الذي هو مذكّر، فإنّ ذلك بسبب أنّها صفة للحياة والمعيشة أوالنعمة وكلّ هذه مؤنثة).

_____________________

1- تفسير الامثل ،ناصر مكارم الشيرازي ،ج6،ص440-445.




وهو تفسير الآيات القرآنية على أساس الترتيب الزماني للآيات ، واعتبار الهجرة حدّاً زمنيّاً فاصلاً بين مرحلتين ، فكلُّ آيةٍ نزلت قبل الهجرة تُعتبر مكّيّة ، وكلّ آيةٍ نزلت بعد الهجرة فهي مدنيّة وإن كان مكان نزولها (مكّة) ، كالآيات التي نزلت على النبي حين كان في مكّة وقت الفتح ، فالمقياس هو الناحية الزمنيّة لا المكانيّة .

- المحكم هو الآيات التي معناها المقصود واضح لا يشتبه بالمعنى غير المقصود ، فيجب الايمان بمثل هذه الآيات والعمل بها.
- المتشابه هو الآيات التي لا تقصد ظواهرها ، ومعناها الحقيقي الذي يعبر عنه بـ«التأويل» لا يعلمه الا الله تعالى فيجب الايمان بمثل هذه الآيات ولكن لا يعمل بها.

النسخ في اللغة والقاموس هو بمعنى الإزالة والتغيير والتبديل والتحوير وابطال الشي‏ء ورفعه واقامة شي‏ء مقام شي‏ء، فيقال نسخت الشمس الظل : أي ازالته.
وتعريفه هو رفع حكم شرعي سابق بنص شرعي لا حق مع التراخي والزمان بينهما ، أي يكون بين الناسخ والمنسوخ زمن يكون المنسوخ ثابتا وملزما بحيث لو لم يكن النص الناسخ لاستمر العمل بالسابق وكان حكمه قائما .
وباختصار النسخ هو رفع الحكم الشرعي بخطاب قطعي للدلالة ومتأخر عنه أو هو بيان انتهاء امده والنسخ «جائز عقلا وواقع سمعا في شرائع ينسخ اللاحق منها السابق وفي شريعة واحدة» .



وفد الأمانة العامة للعتبة العلوية المقدسة يزور مرقد العلوية شريفة (ع)
وحدة التعليم القرآني في العتبة العلوية تجري اختباراتٍ دورية لطلبتها من حفاظ القرآن الكريم
قسم الشؤون الدينية في العتبة العلوية المقدسة يطلق اختباراً الكترونياً أسبوعياً
وفد رسمي من العتبة العلوية يبحث سبل التعاون المشترك مع الأمانة العامة للمزارات الشيعية