أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
روي أن مروان بن
الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة : أما بعد فان عمرو بن عثمان ذكر أن
رجالا من أهل العراق ، ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي ، وذكر أنه لا
يأمن وثوبه ، وقد بحثت عن ذلك فبلغني أنه لا يريد الخلاف يومه هذا ، ولست آمن أن
يكون هذا أيضا لما بعده فاكتب إلي برأيك في هذا والسلام.
فكتب إليه
معاوية : أما بعد فقد بلغني وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين فإياك أن تعرض للحسين
في شيء ، واترك حسينا ما تركك ، فانا لا نريد أن نعرض له في شيء ما وفى بيعتنا ،
ولم ينازعنا سلطاننا ، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته والسلام.
وكتب معاوية إلى
الحسين بن علي عليهما السلام : أما بعد فقد انتهت إلي امور عنك إن كانت حقا فقد
أظنك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء
، فان كان الذي بلغني باطلا فانك أنت أعزل الناس لذلك ، وعظ نفسك فاذكر ، وبعهد
الله أوف فانك متى ما تنكرني انكرك ، ومتى ما تكدني أكدك ، فاتق شق عصا هذه الامة
وأن يردهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفت الناس وبلوتهم ، فانظر لنفسك ولدينك
ولامة محمد ، ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون.
فلما وصل الكتاب
إلى الحسين صلوات الله عليه كتب إليه : أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أنه قد بلغك
عني امور أنت لي عنها راغب ، وأنا بغيرها عندك جدير فان الحسنات لا يهدي لها ، ولا
يسدد إليها إلا الله.
وأما ما ذكرت
أنه انتهى إليك عني ، فانه إنما رقاه إليك الملاقون المشاؤون بالنميم ، وما اريد
لك حربا ولا عليك خلافا ، وأيم الله إني لخائف لله في ترك ذلك وما أظن الله راضيا
بترك ذلك ، ولا عاذرا بدون الاعذار فيه إليك ، وفي أولئك القاسطين الملحدين حزب
الظلمة ، وأولياء الشياطين.
ألست القاتل
حجرا أخا كندة والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ، ولا
يخافون في الله لومة لائم ، ثم قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الايمان
المغلظة ، والمواثيق المؤكدة ، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، ولا بإحنة تجدها
في نفسك.
أولست قاتل عمرو
بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله العبد الصالح الذي أبلته العبادة ،
فنحل جسمه ، وصفرت لونه ، بعد ما أمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو
أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ، ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافا بذلك
العهد.
أولست المدعي
زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف ، فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول
الله صلى الله عليه وآله « الولد للفراش وللعاهر الحجر » فتركت سنة رسول الله
تعمدا وتبعت هواك بغير هدى من الله ، ثم سلطته على العراقين : يقطع أيدي المسلمين
وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الامة ، وليسوا
منك.
أولست صاحب
الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية أنهم كانوا على دين علي صلوات الله عليه فكتبت
إليه أن : اقتل كل من كان على دين علي فقتلهم ومثل بهم بأمرك ، ودين علي عليه السلام
والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، به جلست مجلسك الذي جلست ، ولولا ذلك لكان
شرفك وشرف أبيك الرحلتين.
وقلت فيما قلت :
« انظر لنفسك ولدينك ولامة محمد ، واتق شق عصا هذه الامة وأن تردهم إلى فتنة »
وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الامة من ولايتك عليها ، ولا أعلم نظرا لنفسي
ولديني ولامة محمد (صلى الله عليه وآله) علينا أفضل من أن اجاهدك فان فعلت فانه
قربة إلى الله ، وإن تركته فاني أستغفر الله لذنبي ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت «
إنى إن أنكرتك تنكرني وإن أكدك تكدني » فكدني ما بدا لك ، فاني أرجو أن لا يضرني
كيدك في ، وأن لا يكون على أحد أضر منه على نفسك ، لأنك قد ركبت جهلك ، وتحرصت على
نقض عهدك ، ولعمري ما وفيت بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم
بعد الصلح والايمان والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقتلوا
ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقنا ، فقتلتهم مخافة أمر لعلك لو
لم تقتلهم مت قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يدركوا.
فأبشر يا معاوية
بالقصاص ، واستيقن بالحساب ، واعلم أن لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة
إلا أحصاها ، وليس الله بناس لأخذك بالظنة ، وقتلك أولياءه على التهم ، ونفيك
أولياءه من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلام حدث : يشرب الخمر
، ويلعب بالكلاب لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك وبترت دينك وغششت رعيتك وأخزيت أمانتك
وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقي لأجلهم والسلام.
فلما قرأ معاوية
الكتاب قال : لقد كان في نفسه ضب ما أشعر به فقال يزيد : يا أمير المؤمنين أجبه
جوابا يصغر إليه نفسه وتذكر فيه أباه بشر فعله ، قال : ودخل عبد الله بن عمرو بن
العاص فقال له معاوية : أما رأيت ما كتب به الحسين؟ قال : وما هو؟ قال : فأقرأه
الكتاب ، فقال : وما يمنعك أن تجيبه بما يصغر إليه نفسه ، وإنما قال ذلك في هوى
معاوية ، فقال يزيد : كيف رأيت يا أمير المؤمنين رأيي؟ فضحك معاوية فقال : أما
يزيد فقد أشار علي بمثل رأيك ، قال عبد الله : فقد أصاب يزيد فقال معاوية : أخطأتما
أرأيتما لو أني ذهبت لعيب علي محقا ما عسيت أن أقول فيه ، ومثلي لا يحسن أن يعيب
بالباطل ، وما لا يعرف ، ومتى ما عبت رجلا بما لا يعرفه الناس لم يحفل بصاحبه ،
ولا يراه الناس شيئا وكذبوه ، وما عسيت أن أعيب حسينا ووالله ما أرى للعيب فيه
موضعا وقد رأيت أن أكتب إليه أتوعده أتهدده ، ثم رأيت ان لا أفعل ولا أمحكه.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 220 ]
تاريخ النشر : 2026-08-11