كتب التفسير/التفسير المنسوب للامام العسكري (عليه السلام)/الامامة
إن رسول الله
صلى الله عليه وآله لما نص على علي عليه السلام بالفضيلة والامامة وسكن إلى
ذلك قلوب المؤمنين وعاند فيه أصناف الجاحدين من المعاندين وشك في ذلك ضعفاء من
الشاكين وغاض في صدور المنافقين العداوة والبغضاء والحسد والشحناء حتى قال قائل من
المنافقين : لقد أسرف محمد صلى الله عليه وآله في مدح نفسه ثم أسرف في مدح أخيه
علي عليه السلام وما ذلك من عند رب العالمين ولكنه في ذلك من المقبولين يريد أن
يثبت لنفسه الرئاسة علينا ولعلي بعد موته قال الله تعالى : يا محمد قل لهم : وأي شيء
أنكرتم من ذلك؟ هو عظيم كريم حكيم، ارتضى عبادا من عباده واختصهم بكرامات لما علم
من حسن طاعتهم وانقيادهم لأمره، ففوض إليهم امور عباده وجعل عليهم سياسة خلقه
بالتدبير الحكيم الذي وفقهم له، أولا ترون ملوك الأرض إذا ارتضى أحدهم خدمة بعض
عبيده ووثق بحسن إطاعته فيما يندبه له من أمور ممالكه جعل ما وراء بابه إليه،
واعتمد في سياسة جيوشه ورعاياه عليه، كذلك محمد في التدبير الذي رفعه له ربه، وعلي
من بعده الذي جعله وصيه وخليفته في أهله وقاضي دينه ومنجز عداته والمؤازر لأوليائه
والمناصب لأعدائه، فلم يقنعوا بذلك ولم يسلموا وقالوا : ليس الذي يسنده إلى ابن
أبي طالب بأمر صغير، إنما هو دماء الخلق ونساؤهم وأولادهم وأموالهم وحقوقهم
وأنسابهم ودنياهم وآخرتهم، فليأتنا بآية يليق بجلالة هذه الولاية، فقال رسول الله
صلى الله عليه وآله : أما كفاكم نور علي المشرق في الظلمات الذي رأيتموه ليلة
خروجه من عند رسول الله إلى منزله؟ أما كفاكم أن عليا جاز والحيطان بين يديه،
ففتحت له وطرقت ثم عادت والتأمت؟ أما كفاكم يوم غدير خم أن عليا لما أقامه رسول
الله رأيتم أبواب السماء مفتحة والملائكة منها مطلعين تناديكم هذا ولي الله
فاتبعوه وإلا حل بكم عذاب الله فاحذروه؟ أما كفاكم رؤيتكم علي بن أبي طالب وهو
يمشي والجبال يسير بين يديه لئلا يحتاج إلى الانحراف عنها فلما جاز رجعت الجبال
إلى أماكنها؟ ثم قال : اللهم زدهم آيات فإنها عليك سهلات يسيرات لتزيد حجتك عليهم
تأكيدا، قال : فرجع القوم إلى بيوتهم فأرادوا دخولها فاعتقلتهم الارض ومنعتهم
ونادتهم : حرام عليكم دخولها حتى تؤمنوا بولاية علي عليه السلام قالوا : آمنا
ودخلوا، ثم ذهبوا ينزعون ثيابهم ليلبسوا غيرها فثقلت عليهم ولم يقلوها ونادتهم :
حرام عليكم سهولة نزعها حتى تقروا بولاية علي عليه السلام فأقروا ونزعوها، ثم
ذهبوا ليلبسوا ثياب الليل فثقلت عليهم ونادتهم : حرام عليكم لبسنا حتى تعترفوا
بولاية علي عليه السلام فاعترفوا، فذهبوا يأكلون فثقلت عليهم اللقم وما لم يثقل
منها استحجر في أفواههم، ونادتهم : حرام عليكم أكلنا حتى تعترفوا بولاية علي عليه السلام
فاعترفوا، ثم ذهبوا يبولون ويتغوطون فتعذر عليهم ونادتهم بطونهم ومذاكيرهم : حرام
عليكم السلامة منا حتى تعترفوا بولاية علي بن أبي ـطالب عليه السلام فاعترفوا، ثم
ضجر بعضهم وقال : « اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء
أو ائتنا بعذاب أليم » قال الله تعالى : « وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم » فإن
عذاب الاصطلام العام إذا نزل نزل بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله من بين
أظهرهم، ثم قال الله عز وجل : « وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون » يظهرون التوبة
والانابة، فإن من حكمه في الدنيا أن يأمرك بقبول الظاهر وترك التفتيش عن الباطن،
لان الدنيا دار إمهال وإنظار والآخرة دار الجزاء بلا بعد، قال : « وما كان الله
معذبهم » وفيهم من يستغفر لان هؤلاء لو لا أن فيهم من علم الله أنه سيؤمن أو أنه
سيخرج من نسله ذرية طيبة يجود ربك على هؤلاء بالإيمان وثوابه ولا يقتطعهم باخترام
آبائهم الكفار ولولا ذلك لأهلكهم، فذلك قول رسول الله : كذلك اقترح الناصبون آيات
في علي عليه السلام حتى اقترحوا ما لا يجوز في حكمته، جهلا بأحكام الله واقتراحا للأباطيل
على الله.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 42 / صفحة [ 43 ]
تاريخ النشر : 2026-06-16