أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/وصايا ومواعظ/الإمام علي (عليه السلام)
من خطبة له عليه
السلام خطبها بصفين : أما بعد فقد جعل الله سبحانه لي عليكم حقا بولاية أمركم ،
ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم ، فالحق أوسع الاشياء في التواصف وأضيقها في
التناصف ، لا يجري لاحد إلا جرى عليه ، ولا يجري عليه إلا جرى له ، ولو كان لاحد
أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ،
ولعدله في كل ماجرت عليه صروف قضائه ، ولكنه جعل حقه على العباد أن يطيعوه ، وجعل
جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد أهله ، ثم جعل
سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافى في وجوهها
ويوجب بعضها بعضا ، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض.
وأعظم اما افترض
[ الله ] سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية ، وحق الرعية على الوالي ،
فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل ، فجعلها نظاما لألفتهم وعزا لدينهم ، فليست
تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية فاذا أدت
الرعية إلى الوالي حقه وأدى الوالي إليها حقها عز الحق بينهم ، وقامت مناهج الدين
، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أدلالها السنن ، فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء
الدولة ، ويئست مطامع الاعداء ، وإذا غلبت الرعية واليها أو أجحف الوالي برعيته
اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الادغال في الدين ، وتركت محاج
السنن ، فعمل بالهوى وعطلت الاحكام ، وكثرت علل النفوس ، فلا يستوحش لعظيم حق عطل
، ولا لعظيم باطل فعل ، فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار ، وتعظم تبعات الله
سبحانه عند العباد ، فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه ، فليس أحد وإن
اشتد على رضا الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله سبحانه أهله من
الطاعة له ، ولكن من واجب حقوق الله سبحانه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم ،
والتعاون على إقامة الحق بينهم ، وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين
فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه ، ولا امرؤ وإن صغرته النفوس
واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه.
فأجابه رجل من
أصحاب بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه و طاعته له فقال عليه السلام :
إن من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده ـ لعظم
ذلك ـ كل ما سواه ، وإن أحق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله سبحانه عليه ولطف
إحسانه إليه ، فإنه لم تعظم نعمة الله على أحد إلا ازداد حق الله عليه عظما ، وإن
من أسخف حالات الولاة عند صالحي الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع أمرهم على الكبر
، وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم أني أحب
الاطراء واستماع الثناء ، ولست بحمد الله كذلك ، ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته
انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء ، وربما استحلى
الناس الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله سبحانه
وإليكم من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها ، وفرائض لابد من إمضائها ، فلا
تكلموني بما تكلم به الجبابرة ، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ،
ولا تخالطوني بالمصانعة ، ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ، ولا التماس إعظام
لنفسي ، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما
أثقل عليه ، فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق أن
اخطئ ، ولا آمن ذاك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما
أنا وأنتم عبيد مملو كون لرب لا رب غيره يملك منا مالا نملك من أنفسنا ، وأخرجنا
مما كنا فيه إلى ما صلحنا عليه ، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى ، وأعطانا البصيرة
بعد العمى.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 162 ]
تاريخ النشر : 2026-05-31