EN
0
اليوم : السبت ١٢ ذو الحجة ١٤٤٧هـ المصادف ۳۰ آيار۲۰۲٦م

أقوال عامة
أقوال عامة
ما اصيب أمير المؤمنين بمصيبة إلا صلى في ذلك اليوم ألف ركعة...
تاريخ النشر : 2026-05-30
قيل لأمير المؤمنين عليه ‌السلام : ما شأنك جاورت المقبرة؟ فقال : إني أجدهم جيران صدق ، يكفون السيئة ويذكرون الآخرة وقال زين العابدين عليه ‌السلام : ما اصيب أمير المؤمنين عليه ‌السلام بمصيبة إلا صلى في ذلك اليوم ألف ركعة ، وتصدق على ستين مسكينا ، وصام ثلاثة أيام.
أقول : قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : روى قيس بن الربيع عن يحيى بن هانئ المرادي ، عن رجل من قومه يقال له : زياد بن فلان : قال : كنا في بيت مع علي عليه ‌السلام ونحن وشيعته وخواصه ، فالتفت [ إلينا ] فلم ينكر منا أحدا ، فقال : إن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون أيديكم ويسلمون أعينكم ، فقال رجل منا : وأنت حي يا أمير المؤمنين؟ فقال : أعاذني الله من ذلك فالتفت فإذا واحد يبكي ، فقال له : يا ابن الحمقاء أتريد باللذات في الدنيا الدرجات في الآخرة؟ إنما وعد الله الصابرين.
وروى زرارة بن أعين ، عن أبيه ، عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما ‌السلام قال : كان علي عليه ‌السلام إذا صلى الفجر لم يزل معقبا إلى أن تطلع الشمس ، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس ، فيعلمهم الفقه والقرآن ، وكان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك ، فقام يوما فمر برجل ، فرماه بكلمة هجر ـ قال : ولم يسمه محمد بن علي عليهما ‌السلام ـ فرجع عوده على بدئه حتى صعد المنبر ، وأمر فنودي : الصلاة جامعة ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إنه ليس شيء أحب إلى الله ولا أعم نفعا من حلم إمام وفقهه ، ولا شيء أبغض إلى الله ولا أعم ضررا من جهل إمام وخرقه ، ألا وإنه من لم يكن له من نفسه واعظ لم يكن له من الله حافظ ، ألا وإنه من أنصف من نفسه لم يزده الله إلا عزاء ، ألا وإن الذل في طاعة الله أقرب إلى الله من التعزز في معصيته ، ثم قال : أين المتكلم آنفا؟ فلم يستطع الانكار ، فقال : ها أنا ذا يا أمير المؤمنين ، فقال : أما إني لو أشاء لقلت ، فقال : أو تعفو وتصفح فأنت أهل لذلك ، فقال : عفوت وصفحت ، فقيل لمحمد بن علي : ما أراد أن يقول؟ قال : أراد أن ينسبه.
وروى زرارة أيضا قال : قيل لجعفر بن محمد عليهما ‌السلام : إن قوما ههنا ينتقصون عليا ، قال : بم ينتقصونه لا أبا لهم وهل فيه موضع نقيصة؟ والله ما عرض لعلي عليه ‌السلام أمران قط كلاهما لله طاعة إلا عمل بأشدهما وأشقهما عليه ، ولقد كان يعمل العمل كأنه قائم بين الجنة والنار ينظر إلى ثواب هؤلاء فيعمل له ، وينظر إلى عقاب هؤلاء فيعمل له ، وإن كان ليقوم إلى الصلاة فإذا قال « وجهت وجهي » تغير لونه حتى يعرف ذلك في لونه ، ولقد أعتق ألف عبد من كديده كلهم يعرق فيه جبينه ويحفى فيه كفه ، وقد بشر بعين نبعت في ماله مثل عنق الجزور فقال : بشر الوارث ، ثم جعلها صدقة على الفقراء والمساكين وابن السبيل إلى أن يرث الله الارض ومن عليها ليصرف الله النار عن وجهه.
وقال في موضع آخر : روى علي بن محمد بن أبي سيف المدائني عن فضيل بن الجعد قال : آكد الاسباب كان في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين عليه ‌السلام أمر المال فإنه لم يكن يفضل شريفا على مشروف ولا عربيا على عجمي ، ولا يصانع الرؤساء وأمراء القبائل كما يصنع الملوك ، ولا يستميل أحدا إلى نفسه ، وكان معاوية بخلاف ذلك ، فترك الناس عليا والتحقوا بمعاوية ، فشكا علي عليه ‌السلام إلى الاشتر تخاذل أصحابه وفرار بعضهم إلى معاوية ، فقال الاشتر : يا أمير المؤمنين إنا قاتلنا أهل البصرة بأهل الكوفة وأهل الشام بأهل البصرة وأهل الكوفة ورأي الناس واحد وقد اختلفوا بعد وتعادوا ، وضعفت النية وقل العدد ، أنت تأخذهم بالعدل وتعمل فيهم بالحق ، وتنصف الوضيع من الشريف ، فليس للشريف عندك فضل منزلة ، فضجت طائفة ممن معك من الحق إذ عموا به ، واغتموا من العدل إذ صاروا فيه ، ورأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء والشرف ، فتاقت أنفس الناس إلى الدنيا ، وقل من ليس للدنيا بصاحب ، وأكثرهم يجتوي الحق ويشتري الباطل ، ويؤثر الدنيا ، فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تمل إليك أعناق الرجال ، وتصفوا نصيحتهم ، ويستخلص ودهم ، صنع الله لك يا أمير المؤمنين وكبت أعداءك وفض جمعهم وأوهن كيدهم وشتت أمورهم « إنه بما يعملون خبير » فقال علي عليه ‌السلام : أما ما ذكرت من عملنا وسيرتنا بالعدل فإن الله عزوجل يقول : « من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد » وأنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف ، وأما ما ذكرت من أن الحق ثقيل عليهم ففارقونا بذلك فقد علم الله أنهم لم يفارقونا من جور ، ولا لجأوا إذ فارقونا إلى عدل ، ولم يلتمسوا إلا دنيا زائلة عنهم كان قد فارقوها ، وليسألن يوم القيامة : للدنيا أرادوا أم لله عملوا ، وأما ما ذكرت من بذل الاموال واصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نوفي أحدا من الفيء أكثر من حقه ، وقد قال الله سبحانه وقوله الحق : « كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين » وقد بعث الله محمدا صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وحده وكثره بعد القلة وأعز فئته بعد الذلة ، وإن يرد الله أن يولينا هذا الامر يذلل لنا صعبه ، ويسهل لنا حزنه ، وأنا قابل من رأيك ما كان لله عزوجل رضى وأنت من آمن الناس عندي وأنصحهم لي وأوثقهم في نفسي إن شاء الله.
وذكر الشعبي قال : دخلت الرحبة بالكوفة وأنا غلام في غلمان ، فإذا أنا بعلي عليه ‌السلام قائما على صرتين من ذهب وفضة ، ومعه مخفقة وهو يطرد الناس بمخفقته ، ثم يرجع إلى المال فيقسمه بين الناس ، حتى لم يبق منه شيء ، ثم انصرف ولم يحمل إلى بيته قليلا ولا كثيرا ، فرجعت إلى أبي فقلت : لقد رأيت اليوم خير الناس أو أحمق الناس ، قال : من هو يا بني؟ قلت : علي بن أبي الطالب أمير المؤمنين رأيته يصنع كذا فقصصت عليه ، فبكى وقال : يا بني بل رأيت خير الناس.
وروى محمد بن فضيل ، عن هارون بن عنترة ، عن زاذان قال : انطلقت مع قنبر غلام علي عليه ‌السلام إليه ، فإذا هو يقول : قم يا أمير المؤمنين فقد خبأت لك خبيئا ، قال : وما هو ويحك؟ قال : قم معي ، فقام فانطلق به إلى بيته فإذا بغرارة مملوءة من جامات ذهبا وفضة ، فقال : يا أمير المؤمنين رأيتك لا تترك شيئا إلا قسمته فادخرت لك هذا من بيت المال! فقال علي عليه ‌السلام : ويحك يا قنبر لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة ، ثم سل سيفه وضربها ضربات كثيرة ، فانتثرت من بين إناء مقطوع نصفه وآخر ثلثه ونحو ذلك ، ثم دعا بالناس فقال : اقسموه بالحصص ، ثم قام إلى بيت المال فقسم ما وجد فيه ، ثم رأى في البيت أبزار سمل فقال : وليقسموا هذا ، فقالوا : لا حاجة لنافيه ـ وقد كان عليه ‌السلام يأخذ من كل عامل مما يعمل ـ فضحك وقال : لتأخذن شره مع خيره.
وروى عبد الرحمن بن عجلان قال : كان علي عليه ‌السلام يقسم بين الناس الابزار والخرق والكمون وكذا وكذا.
وروى مجمع التيمي قال : كان علي عليه ‌السلام يكنس بيت المال كل جمعة ويصلي فيه ركعتين ويقول : تشهدان يوم القيامة.
روى بكر بن عيسى ، عن عاصم بن كليب الحربي ، عن أبيه قال : شهدت عليا عليه ‌السلام وقد جاءه مال من الجبل ، فقام وقمنا معه ، وجاء الناس يزدحمون ، فأخذ حبالا فوصلها بيده وعقد بعضها إلى بعض ، ثم أدارها حول المال وقال : لا احل لاحد أن يجاوز هذا الحبل ، قال : فقعد الناس كلهم من وراء الحبل ، ودخل هو فقال : أين رؤوس الاسباع؟ وكانت الكوفة يومئذ أسباعا ، فجعلوا يحملون هذا الجوالق إلى هذا وهذا إلى هذا حتى استوت القمسة سبعة أجزاء ، ووجد مع المتاع رغيف فقال : اكسروه سبع كسر وضعوا على كل جزء كسرة ، ثم قال :
هذا جناي وخياره فيه
   إذ كل جان يده إلى فيه
ثم أفرغ عليها ودفعها إلى رؤوس الاسباع ، فجعل كل واحد منهم يدعو قومه فيحملون الجوالق.
وروى مجمع عن أبي رجاء قال : أخرج علي عليه ‌السلام سيفا إلى السوق ، فقال : من يشتري مني هذا؟ فوالذي نفس علي بيده لو كان عندي ثمن إزار ما بعته ، فقلت له : أنا أبيعك إزارا وأنسئك ثمنه إلى عطائك ، فدفعت إليه إزارا إلى عطائه ، فلما قبض عطاءه دفع إلي ثمن الازار.
وروى هارون بن سعد قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي عليه ‌السلام : يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فوالله مالي نفقة إلا أن أبيع دابتي ، فقال : لا والله ما أجد لك شيئا إلا أن تأمر عمك أن يسرق فيعطيك.
وروى بكر بن عيسى قال : كان علي عليه ‌السلام يقول : يا أهل الكوفة إذا أنا خرجت من عندكم بغير راحلتي ورحلي وغلامي فلان فأنا خائن ، وكانت نفقته تأتيه من غلته بالمدينة بينبع ، وكان يطعم الناس الخبز واللحم ويأكل هو الثريد بالزيت.
وروى أبو إسحاق الهمداني أن امرأتين أتتا عليا عليه ‌السلام إحداهما من العرب والاخرى من الموالي فسألتاه ، فدفع إليها دراهم وطعاما بالسوء ، فقالت إحداهما : إني امرأة من العرب وهذه من العجم ، فقال : إني والله لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلا على بني إسحاق.
وروى معاوية بن عمار عن جعفر بن محمد عليهما ‌السلام قال : ما اعتلج على علي عليه ‌السلام أمران في ذات الله تعالى إلا أخذ بأشدهما ، ولقد علمتم أنه كان يأكل يا أهل الكوفة عندكم من ماله بالمدينة ، وأن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب ويختم عليه مخافة أن يزاد عليه من غيره ، ومن كان أزهد في الدنيا من علي عليه ‌السلام؟.
وروى النضر بن المنصور عن عقبة بن علقمة قال : دخلت على علي عليه ‌السلام فإذا بين يديه لبن حامض آذاني حموضته ، وكسر يابسة ، فقلت : يا أمير المؤمنين أتأكل مثل هذا؟ فقال لي : يا أبا الجنوب كان رسول الله يأكل أيبس من هذا ويلبس أخشن من هذا ـ وأشار إلى ثيابه ـ فإن أنا لم آخذ به خفت أن لا ألحق به.
وروى عمران بن غفلة قال : دخلت على علي عليه ‌السلام بالكوفة ، فإذا بين يديه قعب لبن أجد ريحه من شدة حموضته ، وفي يده رغيف يرى قشار الشعير على وجهه ، وهو يكسره ويستعين أحيانا بركبتيه ، وإذا جاريته فضة قائمة على رأسه فقلت : يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ؟ ألا نخلتم دقيقه؟ فقالت : إنا نكره أن تؤجر ونأثم نحن : قد أخذ علينا أن لا ننخل له دقيقا فأصلحناه قال : وعلي عليه ‌السلام لا يسمع ما تقول ، فالتفت إليها فقال : ما تقول؟ قالت : سله : فقال لي : ما قلت لها؟ [ قال ] فقلت : إني قلت لها : لو نخلتم دقيقه ، فبكى ثم قال : بأبي وامي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبزبر حتى فارق الدنيا ، ولم ينخل دقيقه ـ قال : يعني رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله.
وروى يوسف بن يعقوب عن صالح بياع الاكسية أن جدته لقيت عليا عليه ‌السلام بالكوفة ومعه تمر يحمله ، فسلمت عليه وقالت له : أعطني يا أمير المؤمنين أحمل عنك إلى بيتك ، فقال : أبو العيال أحق بحمله ، قالت : ثم قال لي : ألا تأكلين منه؟
فقلت : لا اريده ، قالت : فانطلق به إلى منزله ثم رجع مرتديا بتلك الشملة وفيها قشور التمر ، فصلى بالناس فيها الجمعة.
وروى محمد بن فضيل بن غزوان قال : قيل لعلي عليه ‌السلام : كم تتصدق؟ كم تخرج مالك؟ ألا تمسك؟ قال : إني والله لو أعلم أن الله تعالى قبل مني وفرضا واحدا لأمسكت ، ولكني والله لا أدري أقبل سبحانه مني شيئا أم لا.
وروى عنبسة العابد عن عبد الله بن الحسن بن الحسين قال : أعتق علي عليه ‌السلام في حياة رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ألف مملوك مما مجلت يداه وعرق جبينه ولقد ولى الخلافة وأتته الاموال ، فما كان حلواه إلا التمر ولا ثيابه إلا الكرابيس.
وروى العوام بن حوشب عن أبي صادق قال : تزوج علي عليه ‌السلام ليلى بنت مسعود النهشلية ، فضربت له في داره حجلة ، فجاء فهتكها وقال : حسب أهل علي ما هم فيه.
وروى حاتم بن إسماعيل المدائني عن جعفر بن محمد عليهم ‌السلام قال : ابتاع علي عليه ‌السلام في خلافته قميصا سملا بأربعة دراهم ، ثم دعا الخياط فمد كم القميص وأمره بقطع ما جاوز الاصابع.
وقال في موضع آخر من شرح نهج البلاغة : وأما فضائله فإنها قد بلغت من العظم والانتشار مبلغا يسمج معه التعرض لذكرها والتصدي لتفصيلها ، فصارت كما قال أبو العيناء لعبد الله بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد : رأيتني فيما أتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر ، فأيقنت أني حيث انتهى بي القول منسوب إلى العجز مقصر عن الغاية ، فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ، ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك.
وما أقول في رجل أقر له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جهل مناقبه ولا كتمان فضائله فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الارض وغربها ، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعائب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر وتوعدوا ما دحيه بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكرا ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعة وسموا ، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه ، وكلما كتم تضع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة أخرى ، وما أقول في رجل تعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلي حلبتها ، كل من برع فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى وعلى مثاله احتذي.
وقد عرفت أن أشرف العلوم هو العلم الالهي ، لان شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم ، ومن كلامه عليه ‌السلام اقتبس وعنه نقل ، وإليه انتهى ومنه ابتدئ ، فإن المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه ، لان كبيرهم واصل ابن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه عليه ‌السلام ، وأما الاشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشير الاشعري ، وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبوعلي أحد مشائخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بالأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم ، وهو علي بن أبي طالب عليه ‌السلام ، وأما الامامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر.
ومن العلوم علم الفقه وهو أصله وأساسه ، وكل فقيه في الاسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن ، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد عليهما ‌السلام وجعفر قرأ على أبيه ، وينتهي الامر إلى علي عليه ‌السلام وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي ، قرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب عليه ‌السلام ، وإن شئت رددت إلى فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك فهؤلاء الفقهاء الاربعة. وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر.
وأيضا فان فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذا عن علي عليه ‌السلام ، أما ابن عباس فظاهر ، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله : غير مرة « لولا علي لهلك عمر » وقوله : « لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو حسن » وقوله : « لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضر » فقد عرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه ، وقد روت العامة والخاصة قوله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله : « أقضاكم علي » والقضاء هو الفقه ، فهو إذن أفقهم!
وروى الكل أيضا أنه قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضيا : « اللهم اهد قلبه وثبت لسانه » قال : فما شككت بعدها في قضاء بين اثنين. وهو عليه ‌السلام الذي أفتى في المرأة التي وضعت لستة أشهر ، وهو الذي أفتى به في الحامل الزانية ، وهو الذي قال في المنبرية : صار ثمنها تسعا ، وهذه المسألة لو أفكر الفرضي فيها فكرا طويلا لاستحسن منه بعد طول النظر هذا الجواب ، فما ظنك بمن قاله بديهة واقتضبه ارتجالا.
ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أخذ ومنه فرع ، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ، لان أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته وانقطاعه إليه ، وإنه تلميذه وخريجه وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك؟ فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون وعنده يقفون ، وقد صرح بذلك الشبلي والجنيد والسري وأبو يزيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي ، ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه ‌السلام.
ومن العلوم علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبى الاسود الدؤلي جوامعه واصوله ، من جملتها : الكلمة ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف ، ومن جملتها تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة وتقسيم وجوه الاعراب إلى الرفع والنصب والجر والجزم ، وهذا يكاد يحلق بالمعجزات لان القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ولا تنهض بهذا الاستنباط.
وإن رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها ، أما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكر من كان قبله ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يضرب بها الامثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فر قط ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحدا إلا قتله ، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاولى إلى الثانية ، وفي الحديث : كانت ضرباته وترا ، ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما قال له عمرو : لقد أنصفك ، فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم أتأمرني بمبارزة أبي حسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق؟ أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه عليه ‌السلام قتلهم أظهر وأكثر ، قالت أخت عمرو بن عبد ود ترثيه.
لو كان قاتل عمرو غير قاتله
    بكيته أبدا ما دمت في الابد
لكن قاتله من لا نظير له
    وكان يدعى أبوه بيضة البلد
وانتبه معاوية يوما فرأى عبد الله بن زبير جالسا تحت رجليه على سريره ، فقال له عبد الله يداعبه : يا أمير المؤمنين لو شئت أن أفتك بك لفعلت ، فقال : لقد شجعت بعدنا يا أبا بكر قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب عليه ‌السلام قال : لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها ، وجملة الامر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه ينادي في مشارق الارض ومغاربها.
وأما القوة والايد فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبة في المعارف : ما صارع أحدا قط إلا صرعه ، وهو الذي قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيما جدا ، فألقاه إلى الارض ، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته بعد عجز الجيش كله عنها ، فأنبط الماء من تحتها.
وأما السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة ، كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده ، و فيه انزل « ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا » وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم ، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية ، فانزل فيه « الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية » وروي عنه أنه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده ، ويتصدق بالأجرة ويشد على بطنه حجرا ، وقال الشعبي وقد ذكره عليه ‌السلام : كان أسخى الناس ، كان على الخلق الذي يحب الله السخاء والجود؟ ما قال « لا » لسائل قط ، وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال : جئتك من عند أبخل الناس : ويحك كيف تقول إنه أبخل الناس ولو ملك بيتا من تبر وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه؟ وهو الذي كان يكنس بيوت الاموال ويصلي فيها ، وهو الذي قال : يا صفراء ويا بيضاء غري غيري ، وهو الذي لم يخلف ميراثا وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام.
وأما الحلم والصفح فكان أحلم الناس من ذنب وأصفحهم عن مسيء ، وقد ظهرت صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم ، وكان أعدى الناس له وأشدهم بغضا ، فصفح عنه ، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الاشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال : قد أتاكم الوغب اللئيم علي بن أبي طالب وكان علي عليه ‌السلام يقول : مازال الزبير رجلا منا أهل البيت ، حتى شب عبد الله فظفر به يوم الجمل ، فأخذه أسيرا ، فصفح عنه وقال : اذهب فلا أرينك ، لم يزده على ذلك.
وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة وكان له عدوا فأعرض عنه ولم يقل له شيئا.
وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره ، فلما ظفر بها أكرمها وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس ، عممهن بالعمائم وقلدهن بالسيوف ، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به وتأنفت ، وقالت : هتك سري برجاله وجنده الذين وكلهم بي ، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلن لها : إنما نحن نسوة. وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف ، وشتموه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع مول ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأثر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيز إلى عسكر الامام فهو آمن ، ولم يأخذ أثقالهم ولا سبى ذراريهم ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو ، وتقبل سنة رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله يوم فتح مكة ، فإنه عفا والاحقاد لم تبرد والاساءة لم تنس ، ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء وأحاطوا بشريعة الفرات وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشا سألهم علي عليه ‌السلام وأصحابه أن يسوغوا لهم شرب الماء ، فقالوا : لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمئا كما مات ابن عفان ، فلما رأى عليه ‌السلام أنه الموت لا محالة تقدم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أرا لهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والايدي ، وملكوا عليهم الماء ، وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضا بالأيدي ، فلا حاجة لك إلى الحرب ، فقال : لا والله لا اكافيهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حد السيف ما يغني عن ذلك ، فهذه إن نسبتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالا وحسنا ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله عليه ‌السلام.
أما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، وهل الجهاد لاحد من الناس إلا له؟ وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وأشدها نكاية في المشركين بدر الكبرى ، قتل فيها سبعون من المشركين ، قتل علي عليه ‌السلام نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر ، وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الاشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك ، ودع من قتله في غيرها كأحد والخندق وغيرهما ، وهذا الفصل لا معنى للأطناب فيه لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما.
أما الفصاحة فهو عليه ‌السلام إمام الفصحاء وسيد البلغاء ، وعن كلامه قيل : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، ومنه تعلم الناس الخطابة والكتابة ، وقال عبد الحميد بن يحيى ، حفظت سبعين خطبة من خطب الاصلع ففاضت ثم فاضت.
وقال نباتة : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الانفاق إلا سعة وكثرة، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب عليه ‌السلام. ولما قال محفن بن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيى الناس قال له : ويحك كيف يكون أعيى الناس فوالله ما سن الفصاحة لقريش غيره؟ ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يجارى في الفصاحة ولا يبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه.
وأما سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيا و التبسم فهو المضروب به المثل فيه ، حتى عابه بذلك أعداؤه ، وقال عمرو بن العاص لأهل الشام : إنه ذو دعابة شديدة ، وقال علي عليه ‌السلام في ذاك : عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة وأني امرؤ تلعابة اعافس وامارس ، وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر لقوله لما عزم على استخلافه : لله أبوك لولا دعابة فيك ، إلا أن عمر اقتصر عليها وعمرو زاد فيها ونسجها ، قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا ، لين جانب وشدة تواضع وسهولة قياد ، وكنا نهابه مهابة الاسير المربوط للسياف الواقف على رأسه ، وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن فلقد كان هشا بشا ذا فكاهة ، قال قيس : نعم كان رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله يمزح ويبسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء رفعه ، وتعيبه بذلك ، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، ليس كما يهابك طغام أهل الشام ، وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك.
وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد ، وبدل الابدال ، وإليه يشد الرحال ، وعنده تنفض الاحلاس ، ما شبع من طعام قط ، وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا ، قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد ، فقدم جرابا مختوما ، فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرصوصا ، فقدم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين فكيف تختمه؟
قال : خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت ، وكان ثوبه مرقوعا بجلد تارة وبليف اخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرابيس الغليظ فإذا وجد كمه طويلا قطعه بشفرة فلم يخطه ، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له ، وكان يأتدم إذا ائتدم بخل أو بملح ، فإن ترقى عن ذلك فببعض نبات الارض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الابل ، ولا يأكل اللحم إلا قليلا ويقول : لا تجعلوا قلوبكم مقابر الحيوان ، وكان مع ذلك أشد الناس قوة وأعظمهم أيدا ، لم ينقص الجوع قوته ولا يخور الاقلال منته وهو الذي طلق الدنيا وكانت الاموال تجبى إليه من جميع بلاد الاسلام إلا من الشام وكان يفرقها ويمزقها ثم يقول :
هذا جناي وخياره فيه
    إذ كل جان يده إلى فيه
وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاة وصوما ، ومنه تعلم الناس صلاة الليل وملازمة الاوراد وقيام النافلة ، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له قطع ما بين الصفين ليلة الهرير فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه تمر على صماخيه يمينا وشمالا فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ، وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله وما يتضمنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزته والاستخذاء له عرفت ما ينطوي عليه من الاخلاص ، وفهمت من أي قلب خرجت وعلى أي لسان جرت ، وقيل لعلي بن الحسين عليهما ‌السلام وكان الغاية في العبادة : أين عبادتك من عبادة جدك؟ قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله.
وأما قراءة القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو أول من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخر عن بيعة أبي بكر ، فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخر مخالفة للبيعة بل يقولون : تشاغل بجمع القرآن ، فهذا يدل على أنه أول من جمع القرآن ، لأنه لو كان مجموعا في حياة رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته ، وإذا رجعت إلى كتب القراءة وجدت أئمة القراءة كلهم يرجعون إليه ، كأبي عمرو بن أبي العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما لانهم يرجعون إلى عبد الرحمن السلمي الفارسي ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق.
وأما الرأي والتدبير فكان من أشد الناس رأيا وأصحهم تدبيرا ، وهو الذي أشار إلى عمر لما عزم على أن يتوجه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار ، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ، ولو قبلها لم يحدث عليه ما حدث ، وإنما قال أعداؤه لا رأي له لأنه كان متقيدا بالشريعة لا يرى خلافها ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه ، وقد قال عليه ‌السلام : لولا التقى لكنت أدهى العرب ، وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه ، سواء كان مطابقا للشرع أولم يكن ، ولا ريب أن من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه تكون أحواله الدنياوية إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك يكون أحواله الدنياوية إلى الانتشار أقرب.
وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة ، خشنا في ذات الله ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلا في كلام جبهه به ، وأحرق قوما بالنار ، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي ، وقطع جماعة صلب آخرين ، ومن جملة سياسته حروبه في أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان ، وفي أقل القليل منها مقنع ، فإن كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل عليه ‌السلام في هذه الحروب بيده وأعوانه ، فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم ، قد أوضحنا أنه فيها الامام المتبع فعله والرئيس المقتفي أثره ، وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملة ، وتصور ملكوك الفرنج والروم صورته في بيعها وبيوت عباداتها حاملا سيفه مشمرا لحربه ، وتصور ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها ، كان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة وكان على سيف الارسلان وابنه ملكشاه صورته ، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر ، وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكثر به ، وود كل أحد يتجمل ويتحسن بالانتساب إليه ، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها : أن لا تستحسن من نفسك من تستقبحه من غيرك ، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه ، وصنفوا في ذلك كتبا ، وجعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه وقصروه عليه ، وسموه سيد الفتيان ، وعضدوا مذاهبهم بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم احد : « لا سيف إلا ذوالفقار ولا فتى إلا علي » وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء ، وشيخ قريش ورئيس مكة ، قالوا : قل أن يسود فقير وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له ، وكانت قريش تسميه الشيخ ، وفي حديث عفيف الكندي : لما رأى النبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله يصلي في مبدء الدعوة ومعه غلام وامرأة قال : فقلت للعباس : أي شيء هذا؟ قال : هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله إلى الناس ، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام وهو ابن أخي أيضا ، وهذه الامرأة وهي زوجته قال : فقلت : فما الذي تقولونه أنتم؟ قال : ننتظر ما يفعل الشيخ ـ قال : يعني أبا طالب ـ وهو الذي كفل الرسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله صغيرا ، وحماه وحاطه كبيرا ، ومنعه من مشركي قريش ، ولقي لأجله عناء عظيما ، وقاسى بلاء شديدا ، وصبر على نصره والقيام بأمره ، وجاء في الخبر أنه لما توفي أبوطالب أوحي إليه وقيل له : اخرج منها فقد مات ناصرك ، وله مع شرف هذه الابوة أن ابن عمه محمد صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله سيد الاولين والآخرين ، وأخاه جعفر ذو الجناحين الذي قال له رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله : أشبهت خلقي وخلقي ، وزوجته سيدة نساء العالمين ، وابنيه سيدا شباب أهل الجنة ، فآباؤه آباء رسول الله وامهاته أمهات رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله وهو مسوط بلحمه ودمه ، لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن ماز عبد المطلب ، بين الاخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة ، فكان منهما سيد الناس هذا الاول وهذا الثاني وهذا المنذر وهذا الهادي.
وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى وآمن بالله وعبده ، وكل من في الارض يعبد الحجر ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحد إلى التوحيد إلا السابق إلى كل خير محمد رسول الله صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه أول الناس اتباعا الله وإيمانا به ، ولم يختلف في ذلك إلا الاقلون ، وقد قال هو عليه ‌السلام : أنا الصديق الاكبر وأنا الفاروق الاول ، أسلمت قبل إسلام الناس ، وصليت قبل صلاتهم ، ومن وقف على كتب أصحاب الاحاديث تحقق وعلمه واضحا ، وإليه ذهب الواقدي وابن جرير الطبري ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب الاستيعاب وبالله التوفيق.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 142 ]
تاريخ النشر : 2026-05-30


Untitled Document
دعاء يوم السبت
بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ، بِسْمِ اللهِ كَلِمَةُ الْمُعْتَصِمينَ وَمَقالَةُ الْمُتَحَرِّزينَ، وَاَعُوذُ بِاللهِ تَعالى مِنْ جَوْرِ الْجائِرينَ، وَكَيْدِ الْحاسِدينَ وَبَغْيِ الظّالِمينَ، وَاَحْمَدُهُ فَوْقَ حَمْدِ الْحامِدينَ. اَللّـهُمَّ اَنْتَ الْواحِدُ بِلا شَريكِ، وَالْمَلِكُ بِلا تَمْليك، لا تُضادُّ فى حُكْمِكَ وَلا تُنازَعُ فى مُلْكِكَ. أَسْأَلُكَ اَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، وَاَنْ تُوزِعَنى مِنْ شُكْرِ نُعْماكَ ما تَبْلُغُ بي غايَةَ رِضاكَ، وَاَنْ تُعينَني عَلى طاعَتِكَ وَلُزُومِ عِبادَتِكَ، وَاسْتِحْقاقِ مَثُوبَتِكَ بِلُطْفِ عِنايَتِكَ، وَتَرْحَمَني بِصَدّي عَنْ مَعاصيكَ ما اَحْيَيْتَني، وَتُوَفِّقَني لِما يَنْفَعُني ما اَبْقَيْتَني، وَاَنْ تَشْرَحَ بِكِتابِكَ صَدْري، وَتَحُطَّ بِتِلاوَتِهِ وِزْري، وَتَمْنَحَنِيَ السَّلامَةَ في ديني وَنَفْسي، وَلا تُوحِشَ بي اَهْلَ اُنْسي وَتُتِمَّ اِحْسانَكَ فيما بَقِيَ مِنْ عُمْرى كَما اَحْسَنْتَ فيما مَضى مِنْهُ، يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ.

زيارات الأيام
زيارةِ النّبيِّ صلى الله عليه وآله في يَومِه وهو يوم السبت
اَشْهَدُ اَنْ لا اِلـهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ رَسُولُهُ وَاَنَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ رِسالاتِ رَبِّكَ وَنَصَحْتَ لِاُمَّتِكَ وَجاهَدْتَ فى سَبيلِ اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَاَدَّيْتَ الَّذى عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ وَاَنَّكَ قَدْ رَؤُفْتَ بِالْمُؤْمِنينَ وَغَلَظْتَ عَلَى الْكافِرينَ وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً حَتّى أتاكَ اليَقينُ فَبَلَغَ اللهُ بِكَ اشَرَفَ مَحَلِّ الْمُكَرَّمينَ اَلْحَمْدُ للهِ الَّذِي اسْتَنْقَذَنا بِكَ مِنَ الشِّرْكِ وَالضَّلالِ. اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاجْعَلْ صَلَواتِكَ وَصَلَواتِ مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبينَ وَاَنْبِيائِكَ الْمـُرْسَلينَ وَعِبادِكَ الصّالِحينَ وَاَهْلِ السَّماواتِ وَالْاَرَضينَ وَمَنْ سَبَّحَ لَكَ يا رَبَّ الْعالَمينَ مِنَ الْاَوَّلينَ وَالاخِرينَ عَلى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُوِلِكَ وَنَبِيِّكَ وَاَمينِكَ وَنَجِيبِكَ وَحَبيبِكَ وَصَفِيِّكَ وَ صَفْوَتِكَ وَخاصَّتِكَ وَخالِصَتِكَ وَخِيَرَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ وَاَعْطِهِ الْفَضْلَ وَالْفَضيلَةَ وَالْوَسيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفيعَةَ وَابْعَثْهُ مَقاماً مَحَمْوُداً يَغْبِطُهُ بِهِ الْاَوَّلُونَ وَالاخِرُونَ. اَللّـهُمَّ اِنَّكَ قُلْتَ وَلَوْ اَنَّهُمْ اِذْ ظَلَمُوا اَنْفُسَهُمْ جاؤوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحيماً اِلـهى فَقَدْ اَتَيْتُ نَبِيَّكَ مُسْتَغْفِراً تائِباً مِنْ ذُنُوبى فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ وَ اْغِفْرها لي، يا سَيِّدَنا اَتَوَجَّهُ بِكَ وَبِاَهْلِ بَيْتِكَ اِلَى اللهِ تَعالى رَبِّكَ وَرَبّى لِيَغْفِرَ لى. ثمّ قل ثلاثاً: اِنّا للهِ وَاِنّا اِلَيْهِ راجِعُونَ ثمّ قل: اُصِبْنا بِكَ يا حَبيبَ قُلُوبِنا فَما اَعْظَمَ الْمُصيبَةَ بِكَ حَيْثُ انْقَطَعَ عَنّا الْوَحْيُ وَحَيْثُ فَقَدْناكَ فَاِنّا للهِ وَاِنّا اِلَيْهِ راجِعُونَ يا سَيِّدَنا يا رَسُولَ اللهِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ بَيْتِكَ الطّاهِرينَ هذا يَوْمُ السَّبْتِ وَهُوَ يَوْمُكَ وَاَنَا فيهِ ضَيْفُكَ وَجارُكَ فَاَضِفْنى وَاجِرْنى فَاِنَّكَ كَريمٌ تُحِبُّ الضِّيافَةَ وَمَأْمُورٌ بِالْاِجارَةِ فَاَضِفْني وَأحْسِنْ ضِيافَتى وَاَجِرْنا وَاَحْسِنْ اِجارَتَنا بِمَنْزِلَةِ اللهِ عِنْدَكَ وَعِنْدَ آلِ بَيْتِكَ وَبِمَنْزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ وَبِما اسْتَوْدَعَكُمْ مِنْ عِلْمِهِ فَاِنَّهُ اَكْرَمُ الْاَكْرَمينَ. كيف يُصلّى على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : يقول مؤلّف كتاب مفاتيح الجنان عبّاس القُمّي عُفى عَنْه: انّي كلّما زرته (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الزّيارة بَدَأت بزيارته عَلى نحو ما علّمه الامام الرّضا (عليه السلام) البزنطي ثمّ قرأت هذِهِ الزّيارة، فَقَدْ رُوي بسند صحيح إنّ ابن أبي بصير سأل الرّضا (عليه السلام) كيف يُصلّى على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ويسلّم عليه بَعد الصلاة فأجابَ (عليه السلام) بقوله: اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ وَرَحْمةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ بْنَ عَبْدِ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا خِيَرَةَ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبيبَ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا صِفْوَهَ اللهِ اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَمينَ اللهِ اَشْهَدُ اَنَّكَ رَسُولُ اللهِ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وَاَشْهَدُ اَنَّكَ قَدْ نَصَحْتَ لِاُمَّتِكَ وَجاهَدْتَ فى سَبيلِ رَبِّكِ وَعَبَدْتَهُ حَتّى أتاكَ الْيَقينُ فَجَزاكَ اللهُ يا رَسُولَ اللهِ اَفْضَلَ ما جَزى نَبِيّاً عَنْ اُمَّتِهِ اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مَحَمِّد وآلِ مُحَمِّد اَفْضَلَ ما صَلَّيْتَ عَلى اِبْرهِيمَ وَآلِ إبراهيمَ اِنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.