أما الاخبار
التي جاءت بالباهرة من قضاياه في السنن وأحكامه التي افتقر إليه في علمها كافة
المؤمنين بعد الذي أثبتناه من جملة الوارد في تقدمه في العلم وتبريزه على الجماعة
بالمعرفة والفهم وفزع علماء الصحابة إليه فيما اعضل من ذلك والتجائهم إليه فيه
وتسليمهم له القضاء به فهي أكثر من أن تحصى وأجل من أن تتعاطى ، وأنا مورد منها
جملة تدل على ما بعدها إن شاء الله ، فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار من العامة
والخاصة في قضاياه ورسول الله صلى الله عليه وآله حي ، فصوبه فيها وحكم له
بالحق فيما قضى به ، ودعا له بخير ، وأثنى عليه وأبانه بالفضل في ذلك من الكافة ،
ودل به على استحقاقه الامر من بعده ، ووجوب تقدمه على من سواه في مقام الامامة ،
كما تضمن ذلك التنزيل فيما دل على معناه ، وعرف به ما حواه من التأويل ، حيث يقول
الله عزوجل « أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف
تحكمون » وقوله : « هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا
الالباب » وقوله عزوجل في قصة آدم وقد قالت الملائكة : « أتجعل فيها من يفسد فيها
ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم
الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادق *
قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم * قال يا آدم أنبئهم
بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض
وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون » فنبه الله جل جلاله الملائكة على أن آدم أحق
بالخلافة منهم ، لأنه أعلم منهم بالأسماء وأفضلهم في علم الانباء ، وقال تقدست
أسماؤه في قصة طالوت : « وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى
يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه
عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم » فجعل
جهة حقه في التقدم عليهم ما زاده الله من البسطة في العلم والجسم ، واصطفاه إياه
على كافتهم بذلك ، وكانت هذه الآيات موافقة لدلائل العقول في أن الاعلم هو أحق
بالتقدم في محل الامامة ممن لا يساويه في العلم ، وذلك يدل على وجوب تقدم أمير
المؤمنين عليه السلام على كافة المسلمين في خلافة الرسول وإمامة الامة ، لتقدمه عليه
السلام في العلم والحكمة وقصورهم عن منزلته في ذلك.
فمما جاءت به
الرواية في قضاياه والنبي صلى الله عليه وآله حي موجود أنه لما أراد رسول الله
صلى الله عليه وآله تقليده قضاء اليمن وإنفاذه إليهم ليعلمهم الاحكام ويبين لهم
الحلال من الحرام ويحكم فيهم بأحكام القرآن قال له أمير المؤمنين عليه السلام :
تندبني يا رسول الله للقضاء وأنا شاب ولا علم لي بكل القضاء؟ فقال له : ادن مني ،
فدنا منه فضرب على صدره بيده وقال : اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ، قال أمير
المؤمنين عليه السلام : فما شككت [ قط ] في قضاء بين اثنين بعد ذلك المقام ، ولما
استقرت به الدار باليمن ونظر فيما ندبه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله من
القضاء والحكم بين المسلمين رفع إليه رجلان بينهما جارية يملكان رقها على السواء ،
قد جهلا حظر وطئها فوطآها معا في طهر واحد على ظن منهما جواز ذلك ، لقرب عهدهما بالإسلام
، وقلة معرفتهما بما تضمنته الشريعة من الاحكام ، فحملت الجارية ووضعت غلاما ،
فاختصما إليه ، فقرع على الغلام باسمهما فخرجت القرعة لاحدهما ، فألحق الغلام به وألزمه
نصف قيمة الولد أن لو كان عبدا لشريكه ، وقال : لو علمت أنكما أقدمتما على ما
فعلتما بعد الحجة عليكما بحظره ، لبالغت في عقوبتكما ، وبلغ رسول الله صلى الله
عليه وآله هذه القضية فأمضاها ، وأقر الحكم بها في الاسلام ، وقال : الحمد لله الذي
جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود عليه السلام وسبيله في القضاء ، يعني به
القضاء بالإلهام الذي في معنى الوحي ونزول النص به أن لو نزل على التصريح.
ثم رفع إليه وهو
باليمن خبر زبية حفرت للأسد فوقع فيها ، فغدا الناس ينظرون إليه ، فوقف على شفير
الزبية رجل فزلت قدمه ، فتعلق بآخر وتعلق الآخر بثالث وتعلق الثالث بالرابع ،
فوقعوا في الزبية ، فدقهم الاسد وهلكوا جميعا فقضى عليه السلام بأن الاول فريسة
الاسد وعليه ثلث الدية للثاني ، وعلى الثاني ثلثا الدية للثالث ، وعلى الثالث
الدية الكاملة للرابع ، فانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال :
لقد قضى أبو الحسن فيهم بقضاء الله عزوجل فوق عرشه.
ثم رفع إليه خبر
جارية حملت جارية على عاتقها عبثا ولعبا ، فجاءت جارية اخرى فقرصت الحاملة ، فقمصت
لقرصتها ، فوقعت الراكبة فاندقت عنقها و هلكت ، فقضى عليه السلام على القارصة
بثلث الدية ، وعلى القامصة بثلثها ، وأسقط الثلث الباقي لركوب الواقصة عبثا
القامصة ، وبلغ الخبر بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأمضاه وشهد له
بالصواب.
وقضى عليه
السلام في قوم وقع عليهم حائط فقتلهم ، وكان في جماعتهم امرأة مملوكة واخرى حرة ،
وكان للحرة ولد طفل من حر ، وللجارية المملوكة ولد طفل من مملوك ، ولم يعرف الطفل
الحر من الطفل المملوك ، فقرع بينهما وحكم بالحرية لمن خرج عليه سهم الحر منهما ،
وحكم بالرق لمن خرج عليه سهم الرق منهما ثم أعتقه وجعله مولاه ، وحكم في ميراثهما
بالحكم في الحر ومولاه ، فأمضى رسول الله صلى الله عليه وآله هذا الحكم وصوبه
حسب إمضائه ما أسلفنا ذكره ووصفناه.
وجاءت الآثار أن
رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وآله في بقرة قتلت حمارا ، فقال أحدهما :
يا رسول الله بقرة هذا الرجل قتلت حماري ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله :
اذهبا إلى أبي بكر فاسألاه عن ذلك ، فجاءا إلى أبي بكر و قصا عليه قصتهما ، قال :
كيف تركتما رسول الله صلى الله عليه وآله وجئتماني؟ قال : هو أمرنا بذلك ، فقال
: بهيمة قتلت بهيمة لا شيء على ربها ، فعادا إلى النبي صلى الله عليه وآله
فأخبراه بذلك ، فقال لهما : امضيا إلى عمر بن الخطاب فقصا عليه قصتكما وسلاه
القضاء في ذلك ، فذهبا إليه وقصا عليه قصتهما فقال لهما : كيف تركتما رسول الله
صلى الله عليه وآله وجئتماني فقالا : إنه أمرنا بذلك ، فقال : كيف لم يأمر كما
بالمصير إلى أبي بكر؟ قالا : إنا قد امرنا بذلك وصرنا إليه ، قال : فما الذي قال
لكما في هذه القضية؟ قالا له : كيت وكيت ، قال : ما أرى إلا ما رأى أبوبكر ، فصارا
إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبراه الخبر ، فقال : اذهبا إلى علي بن أبي
طالب عليه السلام ليقضي بينكما ، فذهبا إليه فقصا عليه قصتهما ، فقال : إن كانت البقرة
دخلت على الحمار في مأمنه فعلى ربها قيمة الحمار لصاحبه ، وإن كان الحمار دخل على
البقرة في مأمنها فقتلته فلا غرم على صاحبها ، فعادا إلى النبي صلى الله عليه وآله
فأخبراه بقضيته بينهما ، فقال صلى الله عليه وآله : لقد قضى علي بن أبي طالب
عليه السلام بينكما بقضاء الله تعالى ، ثم قال : الحمد لله الذي جعل فينا أهل
البيت من يقضي على سنن داود في القضاء.
وقد روى بعض
العامة أن هذه القضية كانت من أمير المؤمنين عليه السلام بين الرجلين باليمن ،
وروى بعضهم حسب ما قدمناه.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 40 / صفحة [ 246 ]
تاريخ النشر : 2026-05-11