روينا من عدة
طرق ورأينا من طرقهم وتصانيفهم في مواضع عن محمد بن أحمد ، عن أحمد بن الحسين ، عن
الحسن بن دينار ، عن عبد الله بن موسى ، عن أبيه ، عن جده جعفر بن محمد الصادق ،
عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه عليهم السلام ، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال
: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله يوما ونحن في مسجده فقال : من ههنا؟
فقلت : أنا يا رسول الله وسلمان الفارسي ، فقال : يا سلمان اذهب فادع لي مولاك علي
بن أبي طالب ، قال جابر : فذهب سلمان يبتدر به ، حتى أخرج عليا من منزله ، فلما
دنا من رسول الله صلى الله عليه وآله قام فخلا به وأطال مناجاته ، ورسول الله
يقطر عرقا كهيئة اللؤلؤ ويتهلل حسنا ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله من مناجاته
وجلس ، فقال له : أسمعت يا علي ووعيت؟ قال : نعم يا رسول الله ، قال جابر : ثم
التفت إلي وقال : يا جابر ادع لي أبا بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف الزهري ، قال
جابر : فذهبت مسرعا فدعوتهم ، فلما حضروا قال : يا سلمان اذهب إلى منزل أمك أم
سلمة فأتني ببساط الشعر الخيبري ، قال جابر : فذهب سلمان فلم يلبث أن جاء بالبساط
، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله سلمان فبسطه ، ثم قال : لابي بكر وعمر
وعبد الرحمن : اجلسوا على البساط ، فجلسوا كما أمرهم ، ثم خلا رسول الله سلمان ،
فلما جاءه أسر إليه شيئا ، ثم قال له : اجلس في الزاوية الرابعة ، فجلس سلمان ، ثم
أمر عليا عليه السلام أن يجلس في وسطه ، ثم قال له : قل ما أمرتك فوالذي بعثني
بالحق نبيا لو شئت قلت على الجبل لسار ، فحرك علي عليه السلام شفتيه قال جابر :
فاختلج البساط فمر بهم.
قال جابر :
فسألت سلمان فقلت : أين مر بكم البساط؟ قال : والله ما شعرنا بشيء حتى انقض بنا
البساط في ذروة جبل شاهق ، وصرنا إلى باب كهف ، قال سلمان : فقمت وقلت لابي بكر :
يا أبا بكر أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله أن نصرخ في هذا الكهف بالفتية
الذين ذكرهم الله في محكم كتابه ، فقام أبو بكر فصرخ بهم بأعلى صوته فلم يجبه أحد
، ثم قلت لعمر : قم فاصرخ في هذا الكهف كما صرخ أبو بكر ، فصرخ عمر فلم يجبه أحد ،
ثم قلت لعبد الرحمن : قم فاصرخ فيه كما صرخ أبو بكر وعمر ، فقام وصرخ فلم يجبه أحد
، ثم قمت أنا وصرخت بهم بأعلى صوتي فلم يجبني أحد ، ثم قلت لعلي بن أبي طالب عليه السلام
: قم يا أبا الحسن واصرخ في هذا الكهف فإنه أمرني رسول الله أن آمرك كما أمرتهم ، فقام
علي عليه السلام فصاح بهم بصوت خفي ، فانفتح باب الكهف ، ونظرنا إلى داخله يتوقد
نورا ويأتلق إشراقا ، وسمعنا ضجة ووجبة شديدة ، فملئنا رعبا وولى القوم هاربين ،
فناداهم : مهلا يا قوم وارجعوا ، فرجعوا وقالوا : ما هذا يا سلمان؟ قلت : هذا
الكهف الذي وصفه الله عزوجل في كتابه ، والذين نراهم هم الفتية الذين ذكرهم عزوجل
هم الفتية المؤمنون ، وعلي عليه السلام واقف يكلمهم ، فعادوا إلى موضعهم ، قال
سلمان : وأعاد علي عليهم السلام فقالوا كلهم : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ،
وعلى محمد رسول الله صلى الله عليه وآله خاتم النبوة منا السلام ، أبلغه منا
السلام وقل له : قد شهدوا لك بالنبوة التي أمرنا قبل وقت مبعثك بأعوام كثيرة ، ولك
يا علي بالوصية ، فأعاد علي عليه السلام سلامه عليهم فقالوا كلهم : وعليك وعلى
محمد منا السلام ، نشهد بأنك مولانا ومولى كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله.
قال سلمان :
فلما سمع القوم أخذوا بالبكاء وفزعوا واعتذروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام ،
وقاموا كلهم إليه يقبلون رأسه ويقولون : قد علمنا ما أراد رسول الله ومدوا أيديهم
وبايعوه بإمرة المؤمنين ، وشهدوا له بالولاية بعد محمد صلى الله عليه وآله ، ثم
جلس كل واحد مكانه من البساط وجلس علي عليه السلام في وسطه ، ثم حرك شفتيه فاختلج
البساط فلم ندر كيف مر بنا في البر أم في البحر حتى انقض بنا على باب مسجد رسول
الله صلى الله عليه وآله ، قال : فخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله
فقال : كيف رأيتم أبا بكر؟ قالوا : نشهد يا رسول الله كما شهد أهل الكهف ونؤمن كما
آمنوا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : الله أكبر لا تقولوا : « سكرت
أبصارنا بل نحن قوم مسحورون » ولا تقولوا
يوم القيامة : « إنا كنا عن هذا غافلين » والله لئن فعلتم لتهتدون « وما على
الرسول إلا البلاغ المبين » وإن لم تفعلوا تختلفوا ، ومن وفى وفى الله له ، ومن يكتم
ما سمعه فعلى عقبيه ينقلب ولن يضر الله شيئا ، أفبعد الحجة والمعرفة والبينة خلف؟!
والذي بعثني بالحق نبيا لقد أمرت أن آمركم ببيعته وطاعته فبايعوه و أطيعوه بعدي ،
ثم تلا هذه الآية « يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر
منكم » يعني علي بن أبي طالب ، قالوا : يا رسول الله قد بايعناه وشهد علينا أهل
الكهف ، فقال النبي صلى الله عليه وآله : إن صدقتم فقد اسقيتم ماء غدقا وأكلتم
من فوقكم ومن تحت أرجلكم ، أو يلبسكم شيعا وتسلكون طريق بني إسرائيل ، فمن تمسك بولاية
علي لقيني يوم القيامة وأنا عنه راض.
قال سلمان :
والقوم ينظر بعضهم إلى بعض ، فأنزل الله هذه الآية في ذلك اليوم « ألم يعلموا أن
الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب » قال سلمان فاصفرت وجوههم ينظر كل
واحد إلى صاحبه ، فأنزل الله هذه الآية « يعلم خائنة الاعين وما تخفي الصدور *
والله يقضي بالحق » فكان ذهابهم إلى الكهف ومجيئهم من زوال الشمس إلى وقت العصر.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 39 / صفحة [ 150 ]
تاريخ النشر : 2026-03-28