أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
بالإسناد إلى
عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، عن وكيع ، عن ابن ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : كان أبي يسمر مع علي عليه السلام وكان علي عليه السلام
يلبس ثياب الصيف في الشتاء وثياب الشتاء في الصيف ، فقيل له : لو سألته عن هذا
فسأله عن هذا فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إلي وأنا أرمد يوم
خيبر فقلت : يا رسول الله إني أرمد ، فتفل في عيني وقال : « اللهم اذهب عنه الحر
والقر » فما وجدت حرا ولا بردا ، قال : وقال : لأبعثن رجلا يحبه الله ورسوله ويحب
الله ورسوله ليس بفرار ، قال فتشوف لها الناس فبعث عليا عليه السلام.
أقول : روى ابن
بطريق ما مر من الاخبار من مسند أحمد بن حنبل باثني عشر طريقا آخر عن أبي سعيد
الخدري وسعيد بن المسيب وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد وأبي ليلى وسعد بن أبي وقاص
، ومن صحيح مسلم بستة طرق عن سلمة بن الاكوع وسهل بن سعد ، ومن صحيح مسلم بستة طرق
عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي هريرة وسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع ، ومن مناقب ابن
المغازلي باثني عشر طريقا عن سلمة وأبي موسى الاشعري وعمران بن حصين وأبي هريرة
وأبي سعيد الخدري وسعد وبريدة وعامر بن سعد ، ومن الجمع بين الصحاح الستة مما رواه
من صحيح الترمذي بسندين عن سلمة وسعد ، ومن تفسير الثعلبي مثل ما مر ، وساق الحديث
إلى أن قال : ثم أعطاه الراية فنهض بالراية وعليه حلة أرجوانية حمراء قد أخرج
كميها ، فأتى مدينة خيبر ، فخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر مصفر وحجر قد ثقبه مثل
البيضة ووضعه على رأسه ، وهو يرتجز ويقول :
قد علمت خيبر
أني مرحب
شاك السلاح بطل
مجرب
أطعن أحيانا
وحينا أضرب
إذ الحروب أقبلت
تلهب
كان حماي كالحمى
لا تقرب
فبرز إليه علي
صلوات الله عليه فقال :
أنا الذي سمتني
أمي حيدرة
كليث غابات شديد
القسورة
أكيلكم بالسيف
كيل السندرة فاختلفا ضربتين فبدره علي عليه السلام بضربة فقد الحجر والمغفر وفلق
رأسه حتى أخذ السيف في الاضراس ، وأخذ المدينة وكان الفتح على يديه ، ثم قال ابن
بطريق : قال أبو محمد عبد الله بن مسلم : سألت بعض آل أبي طالب عن قوله : « أنا
الذي سمتني أمي حيدرة » فذكر أن أم علي عليه السلام كانت فاطمه بنت أسد ولدت عليا
عليه السلام وأبو طالب غائب ، فسمته أسدا باسم أبيها : فلما قدم أبوطالب كره هذا
الاسم الذي سمته به أمه وسماه عليا ، فلما رجز علي عليه السلام يوم خيبر ذكر
الاسم الذي سمته أمه فقال ، « حيدرة » اسم من أسماء الاسد ، والسندرة شجرة يعمل
منها القسي وفي الحديث يحتمل أن يكون مكيالا يتخذ من هذه الشجرة ، ويحتمل أن يكون
السندرة أيضا امرأة تكيل كيلا وافيا.
أقول : قد مضت
الاخبار المعتبرة في ذلك في أنواع ما ظهر من إعجازه صلوات الله عليه في تلك
الغزوة في باب قصة خيبر ، وإنما أوردنا ههنا قليلا من الاخبار من طرق المخالفين
الزاما عليهم.
وروى السيد
المرتضى في كتاب الشافي عن أبي سعيد الخدري أن النبي (ص) وآله أرسل عمر إلى خيبر
فانهزم ومن معه ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله يجبن أصحابه ويجبنونه
، فبلغ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله كل مبلغ ، فبات ليلته مهموما ،
فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية فقال : « لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله
ويحبه الله ورسوله كرارا غير فرار » فتعرض لها جميع المهاجرين والانصار ، فقال صلى
الله عليه وآله : أين علي؟ فقالوا : يا رسول الله هو أرمد ، فبعث إليه أبا ذر
وسلمان فجاءا به يقاد لا يقدر على فتح عينيه من الرمد ، فلما دنا من رسول الله صلى
الله عليه وآله تفل في عينيه وقال : « اللهم اذهب عنه الحر والبرد وانصره على
عدوه فانه عبدك يحبك ويحب رسولك غير فرار » ثم دفع إليه الراية ، واستأذنه حسان بن
ثابت أن يقول فيه شعرا فأذن فأنشأ يقول :
وكان علي أرمد
العين يبتغي
دواء فلما لم
يحس مداويا
شفاه رسول الله
منه بتفلة
فبورك مرقيا
وبورك راقيا
وقال سأعطي
الراية اليوم صارما
كميا محبا
للرسول مواليا
يحب إلهي والاله
يحبه
به يفتح الله
الحصون الاوابيا
فأصفى بها دون
البرية كلها
عليا وسماه
الوزير المواخيا
ويقال : إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يجد
بعد ذلك أذي حر وبرد.
وروى سعيد بن
جبير عن ابن عباس هذا الخبر على وجه آخر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله
أبا بكر إلى خيبر فرجع وقد انهزم وانهزم الناس معه ، ثم بعث من الغد عمر فرجع وقد
جرح في رجليه وانهزم الناس معه ، فهو يجبن أصحابه و أصحابه يجبنونه! فقال رسول
الله صلى الله عليه وآله : « لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه
الله ورسوله ، ليس بفرار ولا يرجع حتى يفتح الله عليه » وقال ابن عباس : فأصبحنا
متشوقين نرائي وجوهنا رجاء أن يكون يدعى رجل منا ، فدعا رسول الله صلى الله عليه
وآله عليا عليه السلام وهو أرمد ، فتفل في عينيه ودفع إليه الراية ففتح بابه عليه.
ثم قال السيد :
فهذه الاخبار وجميع ما روي في هذه القصة وكيفية ماجرت عليه يدل على غاية التفضيل
والتقديم ، لأنه لو لم يفد القول إلا المحبة التي هي حاصلة في الجماعة وموجودة
فيهم لما قصدوا لدفع الراية وتشوقوا إلى دعائهم إليها ، ولا غبط أمير المؤمنين بها
، ولا مدحته الشعراء ولا افتخرت له بذلك المقام ، وفي مجموع القصة وتفصيلها إذا
تأملت ما يكاد يضطر إلى غاية التفضيل ونهاية التقديم.
ثم ذكر عن بعض
الاصحاب استدلالا وثيقا على أن ما ذكره النبي صلى الله عليه وآله في شأنه بعد
فرار أبي بكر وعمر وسخطه عليهما في ذلك يدل على أنهما لم يكونا متصفين بشيء من تلك
الصفات ، وقال : إنهم لم يرجعوا في نفي الصفة عن غيره إلى مجرد إثباتها له ، وإنما
استدلوا بكيفية ما جرى في الحال على ذلك لأنه لا يجوز أن يغضب من فرار من فر
وينكره ثم يقول : إني أدفع الراية إلى من عنده كذا وكذا وذلك عند من تقدم ، ألا
ترى أن بعض الملوك لو أرسل رسولا إلى غيره ففرط في أداء رسالته وحرفها ولم يوردها على
حقها فغضب لذلك وأنكر فعله وقال : « لأرسلن رسولا حسن القيام بأداء رسالتي مضطلعا
بها لكنا نعلم أن الذي أثبته منفي عن الاول؟ وقال : كما انتفي عمن تقدم فتح الحصن
على أيديهم وعدم فرارهم كذلك يجب أن ينتفي سائر ما أثبت له ، لان الكل خرج مخرجا
واحدا أورد على طريقة واحدة انتهى.
أقول : لا يخفي
متانة هذا الكلام على من راجع وجدانه وجانب تعسفه وعدو انه ، فيلزم منه عدم كون
الشخصين محببين لله ولرسوله ومن لم يحبهما فقد ابغضهما ومن ابغضهما فقد كفر ،
ويلزم منه ان لا يحبهما الله ورسوله ، ولا ريب في أن من كان مؤمنا صالحا يحبه الله
ورسوله ، بل يكفي الايمان في ذلك وقد قال تعالى : « والذين آمنوا أشد حبا لله »
وقال : « قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله » ويلزم منه أن لا يقبل الله منهما شيئا من
الطاعات لان الله تعالى يقول « إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا » « إن
الله يحب التوابين ويحب المتطهرين » فلو
كان الله تعالى قبل منهما الجهاد لكان يحبهما ، ولو كان قبل منهما توبتهما عن الشرك
لكان يحبهما ، ولو كانا متطهرين لكان يحبهما ويلزم أن لا يكونا من الصابرين ولا من
المتقين ولا من المتوكلين ولا من المحسنين ولا من المقسطين ، لان الله بين حبه لهم
في آيات كثيرة ، وإن الله إنما نسب عدم حبه إلى الخائنين والظالمين والكافرين
والفرحين والمستكبرين والمسرفين والمعتدين والمفسدين وكل كفار أثيم وكل مختال فخور
وأمثالهم كما لايخفى على من تدبر في الآيات الكريمة ، ومن كان بهذه المثابة كيف
يستحق الخلافة والامامة والتقدم على جميع الامه لاسيما خيرهم وأفضلهم علي بن أبي
طالب عليه السلام؟ وأيضا يدل على أن قوله تعالى : « يحبهم ويحبونه » نازل فيه
صلوات الله عليه لافي أبي بكر كما زعمه إمامهم الرازي في تفسيره ، إذ لا يجوز أن
ينفي الرسول عنه ما أثبته الله له.
ومما ظهر من
فضله صلوات الله عليه في ذلك اليوم ما رواه الشيخ الطبرسي في كتاب إعلام الورى من
كتاب المعرفة لابراهيم بن سعيد الثقفي ، عن الحسن بن الحسين العرني وكان صالحا عن
كادح بن جعفر البجلي وكان من الابدال عن لهيعة ، عن عبدالرحمن بن زياد ، عن مسلم
بن يسار ، عن جابر بن عبد الله الانصاري قال : لما قدم علي عليه السلام على رسول
الله صلى الله عليه وآله بفتح خيبر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله : «
لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك اليوم
قولا لا تمر بملا إلا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك يستشفون به ، ولكن حسبك
أن تكون مني وأنا منك ترثني وأرثك ، وأنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي
بعدي ، وأنك تبرئ ذمتي وتقاتل على سنتي ، وأنك في الآخرة أقرب الناس مني ، وأنك
غدا على الحوض خليفتي ، وأنك أول من يرد علي الحوض غدا ، وأنك أول من يكسى معي ،
وأنك أول من يدخل الجنة من أمتي ، وأن شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي أشفع
لهم ويكونون في الجنة جيراني ، وأن حربك حربي ، وأن سلمك سلمي ، وأن سرك سري ، وأن
علانيتك علانيتي ، وأن سريرة صدرك كسريرة صدري ، وأن ولدك ولدي ، وأنك تنجز عداتي
، وأن الحق معك وأن الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك ، وأن الايمان مخالط لحمك
ودمك كما خالط لحمي ودمي ، وأنه لا يرد على الحوض مبغض لك ولن يغيب عنه محب لك غدا
حتى يرد والحوض معك » فخر علي عليه السلام ساجدا ثم قال : الحمد لله الذي من علي بالإسلام
وعلمني القرآن وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين إحسانا منه إلي وفضلا
منه علي ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله عند ذلك : لولا أنت يا علي لم يعرف
المؤمنون بعدي.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 39 / صفحة [ 13 ]
تاريخ النشر : 2026-03-18