أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
روى أبو هلال
العسكري في كتاب الاوائل قال : أول من قال : « جعلت فداك » علي عليه السلام ، لما
دعا عمرو بن عبد ود إلى البراز يوم الخندق ولم يجبه أحد قال علي عليه السلام :
جعلت فداك يا رسول الله أتأذن لي؟ قال : إنه عمرو بن عبد ود قال : وأنا علي بن أبي
طالب ، فخرج إليه فقتله ، واخذ الناس منه. ومن غير كتاب الاوائل أن النبي صلى الله
عليه وآله لما أذن لعلي عليه السلام في لقاء عمرو بن عبد ود وخرج إليه قال النبي
صلى الله عليه وآله : برز الايمان كله إلى الكفر كله.
ومن كتاب صدر
الائمة عندهم موفق بن أحمد المكي أخطب خوارزم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وآله
قال : لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم
القيامة.
أقول : روى ابن شيرويه
في الفردوس عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وآله مثله ، وفيه : من
عمل أمتي. وروى صاحب كتاب الاربعين عن الاربعين عن إسحاق ابن بشير القرشي عن وهب
بن الحكم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله مثله.
وقال العلامة في
شرحه على التجريد : قال حذيفة : لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم المسلمون كافة
ماخلا عليا ، فإنه برز إليه ، فقتله الله على يديه ، والذي نفس حذيفة بيده لعمله
في ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمد إلى يوم القيامة ، وكان الفتح في ذلك
اليوم على يد علي عليه السلام وقال النبي صلى الله عليه وآله : « لضربة علي
خير من عبادة الثقلين » وذكره القوشجي أيضا في شرحه من غير تفاوت.
وروى الشيخ أمين
الدين الطبرسي في مجمع البيان عند سياق هذه القصة برواية محمد بن إسحاق فجز علي
عليه السلام رأسه وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله ووجهه يتهلل ، قال
حذيفة فقال النبي صلى الله عليه وآله : ابشر يا علي فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة
محمد صلى الله عليه وآله لرجح عملك بعملهم ، وذلك أنه لم يبق بيت من بيوت
المشركين إلا وقد دخله وهن بقتل عمرو ، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله
عز بقتل عمرو.
وروى السيد أبو محمد
الحسيني عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن سفيان الثوري عن زبيد الشامي عن
مرة عن عبد الله بن مسعود قال : وكان يقرأ « وكفى الله المؤمنين القتال » بعلي.
أقول : وقال
السيد بن طاوس في كتاب سعد السعود : قول النبي صلى الله عليه وآله : « لضربة
علي لعمرو بن عبد ود أفضل من عمل أمتي إلى يوم القيامة » رواه موفق ابن أحمد المكي
أخطب خطباء خوارزم في كتاب المناقب وأبو هلال العسكري في كتاب الاوائل.
وقال ابن أبي
الحديد : في شرح نهج البلاغة : فأما الجراحة التي جرحها يوم الخندق إلى عمرو بن
عبد ود فإنها أجل من أن يقال جليلة ، وأعظم من أن يقال
عظيمة وماهي إلا
كما قال شيخنا أبو الهذيل وقد سأله سائل : أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو
بكر؟ فقال : يا ابن أخي والله لمبارزة علي عمروا يوم الخندق يعدل أعمال المهاجرين
والانصار وطاعاتهم كلها ، وتربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده.
وقد روي عن
حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا بل ما هو أبلغ منه : روى قيس بن الربيع عن أبي هارون
العبدي عن ربيعة بن مالك السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت : يا أبا عبد
الله إن الناس ليتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم أهل البصيرة : إنكم
لتفرطون في تقريظ هذا الرجل ، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس؟ فقال : يا ربيعة
وما الذي تسألني عن علي عليه السلام وما الذي أحدثك به عنه؟ والذي نفس حذيفة بيده
لو وضع جميع أعمال أمة محمد في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم
الناس هذا ووضع عمل واحد من أعمال علي في الكفة الاخرى لرجح على أعمالهم كلها ،
فقال ربيعة : هذا المدح الذي لا يقام له ولا يعقد ولا يحمل ، إني لأظنه إسرافا يا
أبا عبد الله! فقال حذيفة : يا لكع وكيف لا يحمل؟ الجزع ، ودعا إلى المبارزة
فأحجموا عنه ، حتى برز إليه علي عليه السلام فقتله ، والذي نفس حذيفة بيده لعمله
ذلك اليوم أعظم أجرا من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة.
وجاء في الحديث
المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك اليوم حين برز إليه : برز
الايمان كله إلى الشرك كله. وقال أبو بكر بن عياش : لقد ضرب علي بن أبي طالب عليه السلام
ضربة ما كان أشأم منها يعني ضربة ابن ملجم لعنه الله. وفي الحديث المرفوع أن رسول
الله صلى الله عليه وآله لما بارز علي عمروا مازال رافعا يديه مقمحا رأسه قبل السماء
داعيا ربه قائلا : اللهم إنك أخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد فاحفظ علي
اليوم عليا « رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين ».
وقال جابر بن
عبد الله الانصاري : والله ما شبهت يوم الاحزاب قتل علي عمروا وتخاذل المشركين
بعده إلا بما قصه تعالى قصة داود وجالوت في قوله : « فهزموهم بإذن الله وقتل داود
جالوت » وروى عمر بن عزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن أن عليا عليه السلام لما قتل
عمروا جز رأسه وحمله فالقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله فقام أبو بكر
وعمر فقبلا رأسه ووجه رسول الله صلى الله عليه وآله يهلل فقال : هذا النصر أو قال
: هذا أول النصر وفي الحديث المرفوع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يوم
قتل عمرو : ذهب ريحهم ولا يغزوننا بعد اليوم ونحن نغزوهم إن شاء الله.
وينبغي أن يذكر
ملخص هذه القصة من مغازي الواقدي وابن إسحاق ، قالا : خرج عمرو بن عبد ود يوم
الخندق وقد كان شهد بدرا فارتث جريحا ، ولم يشهد أحدا ، فحضر الخندق شاهرا نفسه
معلما مدلا بشجاعته وبأسه ، وخرج معه ضرار بن الخطاب الفهري وعكرمة بن أبي جهل
وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميون ، فطافوا بخيولهم على
الخندق إصعادا وانحدارا يطلبون موضعا ضيقا يعبرونه ، حتى وقفوا على أضيق موضع فيه
فأكرهوا خيلهم على العبور فعبرت ، وصاروا مع المسلمين على أرض واحدة ورسول الله
عليه السلام جالس وأصحابه قيام على رأسه ، فتقدم عمرو بن عبد ود فدعا إلى البراز
مرارا ، فلم يقم إليه أحد ، فلما أكثر قام علي عليه السلام فقال : أنا أبارزه يا
رسول الله ، فأمر بالجلوس وأعاد عمرو النداء والناس سكوت على رؤوسهم الطير ، فقال
عمرو : أيها الناس إنكم تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ، أفما يحب
أحدكم أن يقدم على الجنة أو يقدم عدوا له إلى النار؟ فلم يقم إليه أحد ، فقام علي
عليه السلام دفعة ثانية وقال : أنا له يا رسول الله ، فأمره بالجلوس ، فجال عمرو
بفرسه مقبلا ومدبرا إذ جاءت عظماء الاحزاب فوقفت من وراء الخندق ومدت أعناقها تنظر
، فلما رأى عمرو أن أحدا لا يجيبه قال :
ولقد بححت من
النداء بجمعهم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن
الشجاع موقف القرن المناجز
إني كذلك لم أزل
متسرعا قبل الهزاهز
إن الشجاعة في
الفتى والجود من خير الغرائز
فقام علي عليه السلام فقال : يا رسول الله ائذن
لي في مبارزته ، فقال : ادن ، فدنا فقلده سيفه وعممه بعمامته وقال : امض لشأنك ،
فلما انصرف قال : اللهم أعنه عليه فلما قرب منه قال له مجيبا إياه من شعره :
لا تعجلن فقد
أتاك مجيب صوتك غير عاجز
ذو نية وبصيرة
يرجو بذاك نجاة فائز
إني لآمل أن
أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربة فوهاء
يبقى ذكرها عند الهزاهز
فقال عمرو : من
أنت؟ وكان عمرو شيخا كبيرا قد جاوز الثمانين وكان نديم أبي طالب في الجاهلية
فانتسب علي عليه السلام له وقال : أنا ابن أبي طالب ، فقال : أجل ، لقد كان أبوك
نديما لي وصديقا ، فارجع فإني لا أحب أن أقتلك كان شيخنا أبو الخير مصدق بن شبيب
النحوي يقول : إذا مررنا في القراءة عليه بهذا الموضع : والله ما أمره بالرجوع
إبقاءا عليه بل خوفا منه! فقد عرف قتلاه ببدر وأحد وعلم أنه إن ناهضه قتله ، (
فاستحيا )؟ أن يظهر الفشل فاظهر الابقاء والارعاء وإنه لكاذب فيها قالوا : فقال له
علي عليه السلام : لكني أحب أن أقتلك : فقال : يا ابن أخي إني لأكره أن أقتل
الرجل الكريم مثلك فارجع ورائك خيرا لك ، فقال علي عليه السلام : إن قريشا يتحدث
عنك أنك قلت : لا يدعوني أحد إلى ثلاث الا أجيب ولو إلى واحدة منها ، قال : أجل ،
قال : فإني أدعوك إلى الاسلام ، قال : دع هذه ، قال : فإني أدعوك إلى أن ترجع بمن
يتبعك من قريش إلى مكة ، قال : إذا تتحدث نساء قريش عني أن غلاما خدعني! قال :
فإني أدعوك إلى البراز راجلا ، فحمي عمرو وقال : ماكنت أظن أحدا من العرب يرومها
مني ، ثم نزل فعقر فرسه وقيل. ضرب وجهه ففر وتجاولا ، فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون
إلى أن سمع الناس التكبير عاليا من تحت الغبرة ، فعلموا أن عليا قتله وانجلت
الغبرة عنهما وعلي راكب صدره يجز رأسه ، وفر أصحابه ليعبروا الخندق فظفرت بهم
خيلهم إلا نوفل بن عبد الله ، فإنه قصر فرسه فوقع في الخندق ، فرماه المسلمون
بالحجارة ، فقال : يا معشر الناس أكرموا من هذه ، فنزل إليه علي عليه السلام
فقتله ، وأدرك الزبير هبيرة بن أبي وهب فضربه فقطع قربوسه وسقطت درع كان حملها من
ورائه ، فأخذه الزبير ، وألقى عكرمة رمحه ، وناوش عمر بن الخطاب ضرار بن عمرو :
فحمل عليه ضرار حتى إذا وجد عمر مس الرمح رفعه عنه وقال : إنها لنعمة مشكورة
فاحفظها يا ابن الخطاب ، إني كنت آليت أن لا يمتلئ يداي من قتل قرشي فأقتله ،
فانصرف ضرار راجعا إلى أصحابه ، وقد كان جرى له معه مثل هذه في يوم احد ، وقد
ذكرناها ، ذكر القصتين معا محمد بن عمرو الواقدي في كتاب المغازي.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 39 / صفحة [ 1 ]
تاريخ النشر : 2026-03-18