الثعلبي في
تفسير قوله تعالى : « والسابقون السابقون أولئك المقربون » عن عباد بن عبد الله
قال : سمعت عليا يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله ، وأنا الصديق الاكبر لا
يقولها بعدي إلا كذاب مفتر ، صليت قبل الناس بسبع سنين.
تتميم : أقول لا
يخفى على من شم رائحة الانسانية وترقى عن دركات البهيمية والعصبية أن سبق إسلامه
صلوات الله عليه مع ورود تلك الاخبار المتواترة من طرق الخاصة والعامة من أوضح
الواضحات ، والشاك فيه كالمنكر لاجلى البديهيات ، وأن من تمسك بأن إيمانه كان في
الطفولية ولم يكن معتبرا فقد نسب الجهل إلى سيد المرسلين ، حيث كلفه ذلك ومدحه به
في كل موطن ، وبه أظهر فضله على العالمين ، وإلى أشرف الوصيين حيث تمدح وافتخر
واحتج به في مجامع المسلمين ، وإلى الصحابة والتابعين حيث لم ينكروا عليه ذلك مع
كون أكثرهم من المنافقين والمعاندين. ثم اعلم أنا قد تركنا كثيرا من الروايات وما
يمكن ذكره من التأييدات في هذا المطلب حذرا من التكرار والاسهاب والاطالة والاطناب
، فقد روى ابن بطريق في كتاب العمدة في سبق إسلامه وصلاته من مسند أحمد بن حنبل
ثلاثة عشر حديثا ومن تفسير الثعلبي أربعة ومن مناقب ابن المغازلي سبعة ، وروى في
المستدرك أيضا أخبارا كثيرة في ذلك ، ورواه صاحب الصراط المستقيم بأسانيد من طرقهم
، والعلامة في كشف الحق وكشف اليقين وغيرهما بأسانيد من كتبهم ، وقد تركنا إيرادها
مع كثير مما أورده المفيد في الارشاد ، والنيسابوري في روضة الواعظين ، والطبرسي
في إعلام الورى ، وابن الصباغ في الفصول المهمة وغيرها من الاصول والكتب التي
عندنا ، وإنما نورد لتأييد هذا المقصد الاقصى والمطلب الاسنى مع وضوحه وظهوره كشمس
الضحى حسما لشبه المباهتين ما أورد عبد الحميد ابن أبي الحديد من مشاهير المخالفين
والشيخ المفيد من أفاخم علمائنا الامامية رضوان الله عليهم أجمعين ، فأما ابن أبي
الحديد فقد قال في شرح نهج البلاغة : اختلف في سن علي عليه السلام حين أظهر النبي
صلى الله عليه وآله الدعوة : إذ تكامل له صلى الله عليه وآله أربعون سنة ، فالأشهر
في الروايات أنه كان ابن عشر ، وكثير من أصحابنا المتكلمين يقولون : إنه كان ابن
ثلاث عشرة سنة ، ذكر ذلك شيخنا أبو القاسم البلخي وغيره من شيوخنا ، والأولون
يقولون : إنه قتل وهو ابن ثلاث وستين ، وهؤلاء يقولون : ابن ست وستين ، والروايات
في ذلك مختلفة ، ومن الناس من يزعم أن سنه كان دون العشر ، والاكثر الاظهر خلاف
ذلك ، وذكر أحمد بن يحيى البلاذري وعلي بن الحسين الاصفهاني أن قريشا أصابتها أزمة
وقحط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعمية حمزة والعباس : ألا نحمل ثقل
أبي طالب في هذا المحل فجاؤوا إليه وسألوه أن يدفع إليهم ولده ليكفوه أمرهم ، فقال
: دعوا لي عقيلا وخذوا من شئتم ، وكان شديد الحب لعقيل ، فأخذ العباس طالبا وأخذ حمزة
جعفرا وأخذ محمد صلى الله عليه وآله عليا ، وقال لهم : قد اخترت من اختاره الله
لي عليكم عليا ، قالوا : وكان علي في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله منذ كان
عمره ست سنين ، وكان ما يسدي إليه من شفقته وإحسانه وبره وحسن تربيته كالمكافاة
والمعاوضة لصنيع أبي طالب به حيث مات عبدالمطلب وجعله في حجره ، وهذا يطابق أقواله
عليه السلام : « لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الامة سبع سنين » وقوله :
« كنت أسمع الصوت وأبصر الضوء سنين سبعا » ورسول الله صلى الله عليه وآله حينئذ
صامت ما اذن له في الانذار والتبليغ ، وذلك لأنه إذا كان عمره يوم إظهار الدعوة
ثلاث عشرة سنة وتسليمه إلى رسول الله من أبيه وهو ابن ست فقد صح أنه كان يعبد الله
قل الناس بأجمعهم سبع سنين ، وابن ست تصح منه العبادة إذا كان ذا تمييز ، على أن
عبادة مثله هي التعظيم والاجلال وخشوع القلب واستخذاء الجوارح إذا شاهد شيئا من
جلال الله سبحانه وآياته الباهرة ، ومثل هذا موجود في الصبيان.
وقال في شرح
قوله صلوات الله عليه : « إني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الايمان والهجرة » فإن
قيل : كيف قال : وسبقت إلى الايمان وقد قال من الناس : إن أبا بكر سبق؟ وقد قال
قوم : إن زيد بن حارثة سبقه؟ والجواب أن أكثر أهل الحديث وأكثر المحققين من أهل
السيرة رووا أنه عليه السلام أول من أسلم ، ونحن نذكر كلام أبي عمر يوسف بن عبد البر
في كتابه المعروف بالاستيعاب ، قال أبو عمر في ترجمة علي عليه السلام : المروي عن
سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم : أن عليا عليه
السلام أول من أسلم ، وفضله هؤلاء على غيره ، قال أبو عمر : وقال ابن إسحاق : أول
من آمن بالله وبمحمد رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب ، وهو قول
ابن شهاب ، إلا أنه قال : من الرجال بعد خديجة. وقال أبو عمر : حدثنا أحمد بن محمد
، قال : أخبرنا أحمد بن الفضل ، قال : حدثنا محمد بن جرير ، قال : أخبرنا علي بن
عبد الله الدهقان ، قال : أخبرنا محمد بن صالح ، عن السماك بن الحرب ، عن عكرمة ،
عن ابن عباس قال : لعلي عليه السلام أربع خصال ليست لاحد غيره : هو أول عربي
وعجمي صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، وهو الذي كان لواه معه في كل زحف
، وهو الذي صبر معه يوم فرعنه ، وهو الذي غسله وأدخله قبره.
قال أبو عمر :
وروي عن سلمان الفارسي أنه قال : أول هذه الامة ورودا على نبيها الحوض أولها
إسلاما علي بن أبي طالب. وقد روي هذا الحديث مرفوعا عن سلمان إلى النبي صلى الله
عليه وآله أنه قال : أول هذه الامة ورودا علي الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب
قال أبو عمر : ورفعه أولى لان مثله لا يدرك بالرأي ، قال أبو عمر : فأما إسناده
المرفوع فإن أحمد بن قاسم حدثنا ، قال : حدثنا قاسم ابن أصبغ ، قال : حدثنا الحارث
بن أبي اسامة ، قال : حدثنا يحيى بن هاشم ، قال : حدثنا سفيان الثوري ، عن سلمة بن
كهيل ، عن أبي صادق ، عن جيش بن المعتمر ، عن عليم الكندي ، عن سلمان الفارسي قال
: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أولكم ورودا علي الحوض أولكم إسلاما علي
بن أبي طالب.
قال أبو عمر :
وروى أبوداود الطيالسي قال : حدثنا ابن عوانة ، عن أبي بلخ ، عن عمرو بن ميمون ،
عن ابن عباس أنه قال : أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وآله بعد خديجة علي
بن أبي طالب.
قال أبو عمر :
وحدثنا ابن عوانة ، عن أبي بلخ ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس قال : كان علي
أول من آمن من الناس بعد خديجة. قال أبو عمر : هذا إسناد لا مطعن فيه لاحد ، لصحته
وثقة نقلته.
وقد عورض ما
ذكرنا في هذا الباب بما روي في أبي بكر عن ابن عباس ، والصحيح في أمر أبي بكر أنه
أول من أظهر إسلامه ، كذا قال مجاهد وغيره ، قالوا ومنعه قومه ، قال أبو عمر :
اتفق ابن شهاب وعبد الله بن محمد بن عقيل وقتادة وابن إسحاق على أن أول من آمن من
الرجال علي ، وعلى أن خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقه فيما جاء به ، ثم علي
بعدها ، وروى علي بن نافع مثل ذلك.
قال أبو عمر :
وحدثنا عبدالوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال : حدثنا
عبدالسلام بن صالح ، قال : حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي ، قال : حدثنا عمر
[ و ] مولى عفرة ، قال : سئل محمد بن كعب القرظي عن أول من أسلم علي أم أبو بكر؟ فقال
: سبحان الله! علي أولهما إسلاما ، وإنما شبه على الناس لان عليا أخفى إسلامه من أبي
طالب ، وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه. قال أبو عمر : ولا شك عندنا أن عليا أولهما إسلاما
، ذكر عبد الرزاق في جامعه عن معمر عن قتادة عن الحسين وغيره قالوا : أول من أسلم
بعد خديجة علي بن أبي طالب عليه السلام. وروى معمر عن عثمان الجزري عن مقسم عن
ابن عباس قال : أول من أسلم علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال أبو عمر : وروى
ابن فضيل عن حبة العرني قال : سمعت عليا يقول : لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من
هذه الامة خمس سنين.
قال أبو عمر :
وروي عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال : سمعت عليا عليه السلام يقول :
أنا أول من صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله. قال أبو عمر : وقد روى سالم
بن أبي الجعد قال : قلت لابن الحنفية : أبو بكر كان أولهما إسلاما؟ قال : لا. قال
أبو عمر : وروى الملائي عن أنس بن مالك قال : بعث النبي صلى الله عليه وآله يوم
الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء ، قال أبو عمر : وقال زيد بن أرقم : أول من آمن
بالله بعد رسول الله صلى الله عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام قال :
وقد روي حديث زيد بن أرقم من وجوه ذكرها النسائي وأسلم ابن موسى وعبيرهما ، منها
ما حدثنا به عبدالوارث ، قال : حدثنا قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال :
حدثنا علي بن الجعد ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني عمرو بن مرة ، قال : سمعت
أبا حمزة الانصاري ، قال. سمعت زيد بن أرقم يقول : أول من صلى مع رسول الله صلى الله
عليه وآله علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال أبو عمر :
وحدثنا أبي ، قال : حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، قال : حدثنا ابن إسحاق ، قال
: حدثنا يحيى بن الاشعث ، عن إسماعيل بن إياس ، عن عفيف ، عن أبيه ، عن جده قال :
قدمت الحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لابتاع منه بعض التجارة ، وكان امرءا تاجرا
، فو الله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خبأ قريب منه ، فنظر إلى الشمس ، فلما
رآها قد مالت قام يصلي ، ثم خرجت امرأة من ذلك الخبأ الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت
خلفه تصلي ، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخبأ فقام معه ، فقلت للعباس : من
هذا؟ قال : محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب ابن أخي ، قلت : من هذا المرأة؟ قال :
امرأته خديجة بنت خويلد ، قلت : من الفتى؟ قال : علي بن أبي طالب ابن عمه ، قلت : ما
هذا الذي يصنع؟ قال : يصلي ويزعم أنه نبي ، ولم يتبعه إلا امرأته وابن عمه هذا ،
ويزعم أنه سيفتح على امته كنوز كسرى وقيصر ، قال : فكان عفيف الكندي يقول وقل أسلم
وحسن إسلامه : لو كان الله رزقني الاسلام يومئذ فكنت أكون ثانيا مع علي عليه
السلام قال أبو عمر : وقد ذكرنا هذا الحديث من طرق في باب عفيف الكندي من هذا
الكتاب قال أبو عمر : ولقد قال علي : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله كذا
وكذا لا يصلي معه غيري إلا خديجة.
فهذه الاخبار
والروايات كلها ذكرها أبو عمر يوسف بن عبد البر في الكتاب المذكور ، وهي كما تراها
تكاد تكون إجماعا ، قال أبو عمر : وإنما الاختلاف في كمية سنه يوم أسلم ، ذكر
الحسن بن علي الحلواني في كتاب المعرفة ، قال : حدثنا عبد الله ابن صالح ، قال :
حدثنا الليث بن سعد ، عن أبي الاسود محمد بن عبد الرحمان أنه بلغه أن عليا والزبير
أسلما وهما ابنا ثماني سنين. كذا يقول أبو الاسود بن عروة ، وذكر أيضا ابن أبي
خيثمة عن قتيبة بن سعيد ، عن الليث بن سعد ، عن أبي الاسود وذكره عمر بن شبة عن
الخزاعي ، عن ابن وهب ، عن الليث ، عن أبي الاسود ، قال الليث : وهاجرا وهما ابنا ثمان
عشرة سنة قال أبو عمر : وروى الحسن بن علي الحلواني ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال
: حدثنا معمر ، عن قتادة ، عن الحسن قال : أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة.
قال أبو عمر :
وأخبرنا أبو القاسم خلف بن قاسم بن سهل ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن محمد
وإسماعيل الطوسي ، قالا : أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج ،
قال : حدثنا محمد بن مسعود ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال أخبرنا معمر ، عن
قتادة ، عن الحسن قال : أسلم علي وهو أول من أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة. قال أبو عمر
: وقال ابن إسحاق : هو أول ذكر أسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وقيل : ابن خمس عشرة
سنة ، وقيل : ابن ست عشرة سنة ، وقيل : ابن عشر ، وقيل ابن ثمان.
قال أبو عمر :
وذكر عمر بن شبة ، عن المدائني ، عن ابن جعدبة ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : أسلم
وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال : وأخبرنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، قال : حدثنا
محمد بن طلحة ، قال : حدثني جدي إسحاق بن يحيى بن طلحة قال : كان علي بن أبي طالب
والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص أعذارا واحدا ، قال :
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن ، قال : حدثنا إسماعيل بن علي الخطبي ، قال
: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا يحيى أبو عمرو
، قال : حدثنا حبان ، عن معروف ، عن أبي معشر قال : كان علي وطلحة والزبير في سن واحد.
قال : وروى
عبدالرزاق عن الحسن وغيره أن أول من أسلم بعد خديجة علي بن أبي طالب وهو ابن خمس
عشرة سنة قال أبو عمر : وروى أبوزيد عمر
بن شبة قال : حدثنا شريح بن نعمان قال : حدثنا الفرات بن السائب ، عن ميمون بن
مهران ، عن ابن عمر قال : أسلم علي وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وتوفي وهو ابن ثلاث
وستين سنة.
قال أبو عمر :
هذا أصح ما قيل في ذلك ، والله أعلم ، انتهى كلام أبي عمر.
وفي كتاب
الاستيعاب : واعلم أن شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أن أول الناس إسلاما
علي بن أبي طالب عليه السلام إلا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين ، فأما
الذي تقررت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه أسبق الناس إلى الايمان ، لا نكاد
نجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلميهم والمحققين منهم خلافا في ذلك ، واعلم أن أمير
المؤمنين عليه السلام ما زال يدعي ذلك لنفسه ويفتخر به ويجعله حجة في أفضليته
ويصرح بذلك وقد قال غير مرة : أنا الصديق الاكبر والفاروق الاول ، أسلمت قبل إسلام
أبي بكر وصليت قبل صلاته. وروى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد بن قتيبة في كتاب
المعارف ، وهو غير متهم في أمره ، ومن الشعر المروي عنه في هذا المعنى الابيات
التي أولها :
محمد النبي أخي
وصنوي
وحمزة سيد
الشهداء عمي
ومن جملتها :
سبقتكم إلى
الاسلام طرا
غلاما ما بلغت
أوان حلمي
والاخبار
الواردة في هذا الباب كثيرة جدا لا يتسع هذا الكتاب لذكرها فلتطلب من مظانها ، ومن
تأمل كتب السير والتواريخ عرف من ذلك ما قلناه ، فأما الذاهبون إلى أن أبابكر
أقدمهما إسلاما فنفر قليلون ، ونحن نذكر ما أورده ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب
في ترجمة أبي بكر ، قال أبو عمر : حدثني خالد بن قاسم ، قال : حدثنا أحمد بن محبوب
، قال : حدثنا محمد بن عبدوس ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا شيخ
لنا ، قال : أخبرنا مجالد ، عن الشعبي قال : سألت ابن عباس أو سئل أي الناس كان
أسبق إسلاما؟ فقال : أما سمعت قول حسان بن ثابت :
إذا تذكرت شجوا
من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا
بكر بما فعلا
خير البرية
أتقاها وأعدلها
بعد النبي
وأوفاها بما حملا
والثاني التالي
المحمود مشهده
وأول الناس منهم
صدق الرسلا
وروي أن رسول
الله صلى الله عليه وآله قال لحسان : هل قلت في أبي بكر؟ قال : نعم وأنشده هذه
الابيات ، وفيها بيت رابع وهو :
وثاني اثنين في
الغار المنيف وقد
طاف العدو به إذ
صعدوا الجبلا
فسر بذلك رسول الله صلى الله
عليه وآله وقال : أحسنت يا حسان ، وقد روي منها خامس :
وكان حزب رسول
الله قد علموا
من البرية لم
يعدل به رجلا
قال أبو عمر :
وروى شعبة عن عمرو بن مرة عن إبراهيم النخعي قال : أول من أسلم أبو بكر قال : وروى
الحريري عن أبي نضرة قال : قال أبو بكر لعلي : أنا أسلمت قبلك في حديث ذكره فلم
ينكره عليه ، قال أبو عمر : وقال فيه أبو محجن الثقفي :
وسميت صديقا
وكنت مهاجرا
سواك يسمى باسمه
غير منكر
سبقت إلى
الاسلام والله شاهد
وكنت جليسا
بالعريش المسهر
وبالغار إذ سميت
بالغار صاحبا
وكنت رفيقا
للنبي المطهر
قال أبو عمر : وروينا من وجوده عن أبي امامة
الباهلي قال : حدثني عمرو بن عنبسة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله
وهو نازل بعكاظ فقلت يا رسول الله : من اتبعك على هذا الامر؟ فقال : حر وعبد : أبو
بكر وبلال ، فأسلمت عند ذلك ، وذكر الحديث.
هذا مجموع ما
ذكره أبو عمر بن عبد البر في هذا الباب في ترجمة أبي بكر ، ومعلوم أنه لا نسبة
لهذه الروايات إلى الروايات التي ذكرها في ترجمة علي الدالة على سبقه ، ولا ريب أن
الصحيح ما ذكره أبو عمر ، وأن عليا كان هو السابق ، وأن أبابكر أظهر إسلامه فظن أن
السبق له.
وأما زيد بن
حارثة فإن أبا عمر بن عبد البر ذكر في كتاب الاستيعاب أيضا في ترجمة زيد بن حارثة
قال : ذكر معمر في جامعه عن الزهري أنه قال : ما علمنا أحدا أسلم قبل زيد بن حارثة
، قال عبدالرزاق : وما أعلم أحدا ذكره غير الزهري ، ولم يذكر صاحب الاستيعاب ما
يدل على سبق زيد إلا هذه الرواية واستغربها ، فدل مجموع ما ذكرنا على أن عليا أول
الناس إسلاما ، وأن المخالف في ذلك اشذ والشاذ لا يعتد به ، انتهى كلامه.
وأما الشيخ
المفيد قدس الله روحه فقد قال في كتاب الفصول : اجتمعت الامة على أن أمير المؤمنين
عليه السلام أول ذكر أجاب رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولم يختلف في ذلك أحد
من أهل العلم ، إلا أن العثمانية طعنت في إيمان أمير المؤمنين عليه السلام بصغر
سنه في حال الاجابة ، وقالوا : إنه لم يك في تلك الحال بالغا فيقع إيمانه على وجه
المعرفة ، وإن إيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال! فكان على اليقين والمعرفة!
والاقرار من جهة التقليد والتلقين غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدلالة.
فلم يحصل خلاف من القوم في تقدم الاقرار من أمير المؤمنين عليه السلام للجماعة
والاجابة منه للرسول عليه وآله السلام ، وإنما خالفوا فيما ذكرناه ، وأنا ابين عن
غلطهم فيما ذهبوا إليه من توهين إفرار أمير المؤمنين عليه السلام وحملهم إياه على
وجه التلقين دون المعرفة واليقين بعد أن أذكر خلافا حدث بعد الاجماع من بعض
المتكلمين والناصبة من أصحاب الحديث.
وذلك أن ههنا
طائفة تنسب إلى العثمانية تزعم أن أبابكر سبق أمير المؤمنين عليه السلام إلى
الاقرار ، وتعتل في ذلك بأحاديث مولدة ضعاف ، منها أنهم رووا عن أبي نضرة قال : أبطأ
علي عليه السلام والزبير عن بيعة أبي بكر ، قال : فلقي أبو بكر عليا فقال له :
أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك؟ ولقي الزبير فقال : أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت
قبلك؟.
ومنها حديث أبي
امامة عن عمر بن عنبسة قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما بعث وهو
بمكة وهو حينئذ مستخف ، فقلت : من أنت؟ فقال : أنا نبي ، قلت : وما النبي؟ قال : رسول
الله : قلت : الله أرسلك؟ قال : نعم ، قلت له : بما أرسلك قال : بأن نعبد الله عز وجل
ونكسر الاصنام ونوصل الارحام ، قلت : نعم ما أرسلك به ، من تبعك على هذا الامر؟
قال : حر وعبد يعني أبابكر وبلالا وكان عمر يقول : لقد رأيتني وأنا رابع الاسلام ،
قال : فأسلمت وقلت : ابايعك يا رسول الله.
ومنها حديث
الشعبي قال : سألت ابن عباس عن أول من أسلم ، فقال : أبو بكر ، ثم قال : أما سمعت
قول حسان :
إذا تذكرت شجوا
من أخي ثقة
فاذكر أخاك أبا بكر
بما فعلا
خير البرية
أعطاها وأعدلها
بعد النبي
وأوفاها بما حملا
الثاني التالي
المحمود مشهده
وأول الناس منهم
صدق الرسلا
ومنها حديث رووه
عن منصور عن مجاهد قال : إن أول من أظهر الاسلام سبعة : رسول الله وأبو بكر وخباب
وصهيب وبلال وعمار وسمية.
ومنها حديث رووه
عن عمرو بن مرة قال : ذكرت لابراهيم النخعي حديثا فأنكره وقال : أبو بكر أول من
أسلم.
قال الشيخ أدام
الله عزه : فيقال لهم : أما الحديث الاول فإنه رواه أبو نضرة ، وهذا أبو نضرة
مشهور بعداوة أمير المؤمنين عليه السلام وقد ضمنه ما ينقض أصلا لهم في الامامة ، ولو
ثبت لكان أرجح من تقدم إسلام أبي بكر وهو أن أمير المؤمنين عليه السلام والزبير
أبطئا عن بيعة أبي بكر ، وإذا ثبت أنهما أبطئا عن بيعته وتأخرا ، نقض ذلك قولهم إن
الامة اجتمعت عليه ولم يكن من أمير المؤمنين عليه السلام كراهية لأمره ، فإذا ثبت
أن أمير المؤمنين عليه السلام قد كان متأخرا عن بيعته على وجه الكراهة لها بدلالة
ما رووه من قول أبي بكر له : « أبطأت عن بيعتي وأنا أسلمت قبلك » على وجه الحجة
عليه في كونه أولى بالإمامة منه ثبت بطلان إمامة أبي بكر ، لان أمير المؤمنين لا
يجوز أن يكره الحق ولا أن يتأخر عن الهدى ، وقد أجمعت الامة على أنه لم يوقع خطأ
بعد الرسول يعثر عليه طول مدة أبي بكر وعمر وعثمان ، وإنما ادعت الخوارج الخطأ منه
في آخر أيامه عليه السلام بالتحكيم ، وذهبت عن وجه الحق في ذلك ، فإذا لم يجز من
أمير المؤمنين عليه السلام التأخر عن الهدى والكراهة للحق والجهل بموضع الافضل
بطل هذا الحديث ، ومازلنا نجتهد في إثبات الخلاف لأمره والناصبة تحيد عن قبول ذلك
وتدفعه أشد دفع حتى صاروا يسلمونه طوعا واختيارا! وينظمونه في احتجاجهم لفضل
صاحبهم! وهكذا يفعل الله تعالى بأهل الباطل يخيبهم ويسلبهم التوفيق حتى يدخلوا
فيما يكرهون من حيث لا يشعرون.
على أن بإزاء
هذا الحديث عن أبي بكر حديثا ينقضه من طريق أوضح من طريق أبي نضرة ، وهو ما رواه
علي بن مسلم الطوسي ، عن زافر بن سليمان ، عن الصلت بن بهرام ، عن الشعبي قال : مر
علي بن أبي طالب عليه السلام ومعه أصحابه على أبي بكر ، فسلم ومضى ، فقال أبو بكر
: من سره أن ينظر إلى أول الناس في الاسلام سبقا وأقرب الناس من نبينا رحما
وأعظمهم دلالة عليه وأفضلهم فداء عنه بنفسه فلينظر إلى علي بن أبي طالب وهذا يبطل
ما ادعوه على أبي بكر وأضافه أبو نضرة إليه.
وأما حديث عمر
بن عنبسة فإنه من طريق أبي امامة ، ولا خلاف أن أبا امامة كان من المنحرفين عن
أمير المؤمنين والمتحيرين عنه ، وأنه كان في حيز معاوية ، ثم فيه عن عمر بأنه شهد
لنفسه أنه كان رابع الاسلام ، وشهادة المرء لنفسه غير مقبولة إلا أن يكون معصوما
أو يدل دليل على صدقة ، وإذا لم يثبت شهادته لنفسه بطل الحديث بأسره ، مع أن
الرواية قد اختلفت عن عمر من طريق أبي امامة ، فروي عنه في حديث آخر أنه قال :
أتيت النبي صلى الله عليه وآله بماء يقال له عكاظ ، فقلت : له : يا رسول الله
من تابعك على هذا الامر؟ فقال : من بين حر وعبد ، فأقيمت الصلاة فصليت خلفه أنا
وأبو بكر و بلال وأنا يومئذ رابع الاسلام ، فاختلف اللفظ والمعنى في هذين الحديثين
والواسطة واحد فتارة يذكر مكة وتارة يذكر عكاظا! وتارة يذكر أنه وجده مستخفيا بمكة
وتارة يذكر أنه كان ظاهرا يقيم الصلاة ويصلي بالناس معه! والحديث واحد من طريق
واحد ، وهذا أدل دليل على فساده.
وأما حديث
الشعبي فقد قابله الحديث عنه من طريق الصلت بن بهرام المتضمن لضده ، وفي ذلك
إسقاطه ، مع أنه قد عزاه إلى ابن عباس ، والمشهور عن ابن عباس ضد ذلك وخلافه ، ألا
ترى إلى ما رواه أبو صالح عن عكرمة عن ابن عباس وهذان أصدق على ابن عباس من الشعبي
لان أبا صالح معروف بعكرمة وعكرمة معروف بابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وآله : صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين ، قالوا : ولم ذاك
يا رسول الله؟ قال : لم يكن معي من الرجال غيره. ومن طريق عمر بن ميمون عن ابن
عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أول من أسلم من الناس بعد خديجة
بنت خويلد علي بن أبي طالب صلوات الله عليه
وأما قول حسان
فإنه ليس بحجة ، من قبل أن حسانا كان شاعرا وقصد الدولة والسلطان ، وقد كان فيه
بعد رسول الله صلى الله عليه وآله انحراف شديد عن أمير المؤمنين عليه السلام
وكان عثمانيا ، وحرض الناس على علي بن أبي طالب عليه السلام وكان يدعو إلى نصرة
معاوية ، وذلك مشهور عنه في نظمه ، ألا ترى إلى قوله :
يا ليت شعري
وليت الطير تخبرني
ما كان بين علي
وابن عفانا
ضجوا بأشمط
عنوان السجود به
يقطع
الليل تسبيحا وقرآنا
ليسمعن وشيكا في
ديارهم
الله أكبر يا
ثارات عثمانا
فإن جعلت
الناصبة شعر حسان حجة في تقديم إيمان أبي بكر ، فلتجعله حجة في قتل أمير المؤمنين
عثمان والقطع على أنه أحض الناس بقتله وأن ثاراته يجب أن يطلب منه! فإن قالوا : إن
حسان غلط في ذلك قلنا لهم : كذلك غلط في قوله في أبي بكر ، وإن قالوا : لا يجوز
غلطه في باب أبي بكر لانه شهد به بحضرة الصحابة فلم يردوا عليه قيل لهم : ليس عدم
إظهارهم الرد عليه دليلا على رضاهم به ، لان الجمهور كانا شيعة أبي بكر ، وكان
المخالفون له في تقية من الجهر بالنكير عليه في ذلك ، مخافة الفرقة والفتنة ،مع أن
قول حسان يحتمل أن يكون أبو بكر من المتقدمين في الاسلام والأولين دون أن يكون أول
الاولين ، ولسنا ندفع أن أبابكر ممن يعد في المظهرين للإسلام أولا وإنما ننكر أن
يكون أول الاولين ، فلما احتمل قول حسان ما وصفناه لم ينكر المسلمون عليه ذلك ، مع
أن حسان أيضا قد حرض على أمير المؤمنين ظاهرا ودعا إلى مطالبته بثارات عثمان جهرا
فلم ينكر عليه في الحال ، فيجب أن يكون مصيبا في ذلك ، فإن قالوا : هذا شئ قاله في
مكان دون مكان فلما ظهر عنه أنكره جماعة من الصحابة ، قيل لهم : فإن قنعتم بذلك
واقترحتم في الدعوى فاقنعوا منا بمثله فيما اعتقدتموه من شعره في أبي بكر ، وهذا
ما لا فضل فيه ، على أن حسان بن ثابت قد شهد في شعره بإمامة أمير المؤمنين نصا ،
وذكر ذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وآله فجزاه خيرا في قوله :
يناديهم يوم
الغدير نبيهم
بخم وأسمع
بالرسول مناديا
في أبيات
سأذكرها في موضعها إن شاء الله ، وشهد أيضا لأمير المؤمنين عليه السلام بسبق قريش
إلى الايمان حيث يقول :
جزى الله خيرا
والجزاء بكفه
أبا حسن عنا ومن
كأبي حسن؟
سبقت قريشا
بالذي أنت أهله
فصدرك مشروح
وقلبك ممتحن
فشهد بتقديم إيمان أمير المؤمنين عليه السلام
الجماعة ، وهذا مقابل لما تقدم ومسقط له ، فإن زعموا أن هذا محتمل قيل لهم : أما
في تفضيله إياه على الكل فليس بمحتمل ، وأما في تقدم الاسلام فإن الظاهر منه يوجبه
، وإن احتمل فكذلك ما ذكرتموه عنه أيضا محتمل.
وأما روايتهم عن
مجاهد فإنها مقصورة على مذهبه ورأيه ومقاله ، وبإزاء مجاهد عالم من التابعين
ينكرون عليه ويذهبون إلى خلافه في ذلك ، وأن أمير المؤمنين أول الناس إيمانا ،
وهذا القدر كاف في إبطال قول مجاهد ، على أن الثابت عن مجاهد خلاف ما دعاه هؤلاء
القوم وأضافوه إليه ، وضده ونقيضه ، روى ذلك منهم من لا يتهم عليه : سفيان بن
عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأثره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وآله : السباق أربعة : سبق يوشع بن نون إلى موسى بن عمران ، وصاحب يس إلى
عيسى بن مريم وسبق علي بن أبي طالب إلى رسول الله ونسي الناقل عن سفيان الآخر ،
وقد ذكرت في حديث غير هذا أنه مؤمن آل فرعون ، وهذا يسقط تعلقهم بما ادعوه على
مجاهد.
وأما حديث عمرو
بن مرة عن إبراهيم فهو أيضا نظير قول مجاهد ، وإنما أخبر عمرو عن مذهب إبراهيم ،
والغلط جائز على إبراهيم ومن فوقه ، وبإزاء إبراهيم من هو فوقه وأجل قدرا منه يدفع
قوله ويكذبه في دعواه كأبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق عليهما السلام ومن
غير أهل البيت قتادة والحسن وغيرهما ممن لا يحصى كثرة ، وفي هذا أيضا غنى عن غيره.
قال الشيخ أدام
الله عزه : فهذا جملة ما اعتمد القوم فيما ادعوه من خلافنا في تقديم إيمان أمير
المؤمنين عليه السلام وتعلقوا به ، وقد بينت عوارها وأوضحت حالها ، وأنا ذاكر طرفا
من أسماء من روى أن أمير المؤمنين عليه السلام كان أسبق الخلق إلى رسول الله صلى الله
عليه وآله [ وأولهم ] من الذكور إجابة له وإيمانا به ، فمن ذلك الرواية عن أمير
المؤمنين نفسه من طريق سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال : سمعت عليا عليه السلام
يقول : اللهم لا أعرف عبدا لك عبدك من هذه الامة قبلي غير نبيها عليه وآله السلام
قال ذلك ثلاث مرات ثم قال : لقد صليت قبل أن يصلي أحد سبعا.
ومن طريق
المنهال عن عباية الاسدي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : لقد أسلمت قبل الناس
بسبع سنين.
ومن طريق جابر
عن عبد الله بن يحيى الحضرمي عن علي عليه السلام قال : صليت مع رسول الله صلى الله
عليه وآله ثلاث سنين ولم يصل أحد غيري.
ومن طريق نوح بن
قيس الطاحي عن سليمان أبي فاطمة عن معاذة العدوية قالت سمعت عليا عليه السلام
يخطب على منبر البصرة فسمعته يقول : أنا الصديق الاكبر آمنت قبل أن يؤمن أبو بكر
وأسلمت قبل أن يسلم.
وطريق عمرو بن
مرة عن أبي البختري عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : صليت قبل الناس بسبع
سنين.
ومن طريق نوح بن
دراج عن خالد الخفاف قال : أدركت الناس وهم يقولون : وقع بين علي وعثمان كلام ،
فقال عثمان : والله أبو بكر وعمر خير منك! فقال : كذبت والله لانا خير منك ومنهما
، عبدت الله قبلهما وعبدت الله بعدهما.
ومن طريق الحارث
الاعور قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : اللهم إني لا أعترف لعبد من
عبادك عبدك قبلي.
وقال عليه
السلام قبل ليلة الهرير بيوم وهو يحرض الناس على أهل الشام أنا أول ذكر صلى مع
رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولقد رأيتني أضرب بسيفي قدامه وهو يقول : « لا
سيف إلا ذو الفقار ولافتى إلا علي حياتك حياتي وموتك موتي ».
وقال عليه
السلام : وقد بلغه أن قوما يطعنون عليه في الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه
وآله بعد كلام خطبه : بلغني أنكم تقولون : إن عليا يكذب! فعلى من أكذب؟ أعلى الله
فأنا أول من آمن به وعبده ووحده ، أم على رسول الله فأنا أول من آمن به وصدقه
ونصره؟ وقال عليه السلام لما بلغه افتخار معاوية عند أهل الشام شعره المشهور الذي
يقول فيه :
سبقتكم إلى
الاسلام طرا
صغيرا ما بلغت
أوان حلمي
وأنا أذكر الشعر
بأسره في موضع غير هذا عند الحاجة إليه إن شاء الله.
ومن ذلك ما رواه
أبوأيوب خالد بن زيد الانصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله من طريق عبد
الرحمان بن معمر عن أبيه ، عن أبي أيوب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله
صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين ، وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره.
ومن ذلك ما رواه
سلمان الفارسي رحمة الله عليه من طريق عليم الكندي عن سلمان قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وآله : أولكم ورودا علي الحوض أولكم إسلاما علي بن أبي طالب.
ومن ذلك ما رواه
أبوذر الغفاري رحمة الله عليه من طريق محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن
جده عن أبي ذر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لعلي بن أبي طالب عليه
السلام : أنت أول من آمن بي في حديث طويل.
وروى أبو سخيلة
عن أبي ذر أيضا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو آخذ بيد علي عليه
السلام يقول : أنت أول من آمن بي وأول من يصافحني يوم القيامة. وقد رواه ابن أبي
رافع عن أبيه أيضا عن أبي ذر قال : أتيته اودعه فقال : إنهما ستكون فتنة فعليك
بالشيخ علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وتسليمه ، فإني سمعت رسول الله صلى الله
عليه وآله يقول أنت أول من آمن بي.
ومن ذلك ما رواه
حذيفة [ بن ] اليمان رحمة الله عليه من طريق قيس بن مسلم عن ربعي بن خراش قال :
سألت حذيفة بن اليمان عن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فقال : ذاك أقدس الناس
سلما وأرجح الناس حلما.
ومن ذلك ما رواه
جابر بن عبد الله الانصاري رحمة الله عليه من طريق شريك عن عبد الله بن محمد بن
عقيل عن جابر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله يوم الاثنين وأسلم علي
يوم الثلثاء.
ومن ذلك ما رواه
زيد بن أرقم من طريق عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار قال : سمعت زيد بن أرقم
يقول : أول من صلى مع النبي علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومن ذلك ما رواه
زيد بن أرقم من طريق عمرو بن مرة عن أبي حمزة مولى الأنصار قال : سمعت زيد بن أرقم
يقول : أول من صلى مع النبي علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومن ذلك ما رواه
زيد بن صوحان العبدي من طريق عبد الله بن هشام عن أبيه عن طريف بن عيسى الغنوي أن
زيد بن صوحان خطب في مسجد الكوفة فقال : سيروا إلى أمير المؤمنين وسيد المسلمين
وأول المؤمنين إيمانا.
ومن ذلك ماروته
ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله من طريق مساور الحميري عن امه قالت :
قالت ام سلمة : والله لقد أسلم علي بن أبي طالب عليه السلام أول الناس وما كان
كافرا في حديث طويل.
ومن ذلك ما رواه
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب رحمة الله عليه من طريق أبي صالح عن عكرمة عن ابن
عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي
طالب سبع سنين ، قالوا : ولم ذاك يا رسول الله؟ قال : لم يكن معي من الرجال غيره ،
ومن طريق عمرو بن ميمون عنه ما تقدم ذكره ، وروى مجاهد عنه أيضا مثل ذلك ، وقد سلف
لنا فيما مضى.
ومن ذلك ما رواه
قثم بن العباس بن عبد المطلب من طريق قيس بن أبي حازم عن أبي إسحاق قال : دخلت على
قثم بن العباس فسألته عن علي عليه السلام فقال كان أولنا برسول الله صلى الله
عليه وآله لحوقا وأشدنا به لصوقا.
ومن ذلك ما رواه
مالك الاشتر رحمة الله عليه من طريق الفضل بن أدهم المدني قال : سمعت مالك بن
الحارث الاشتر في خطبة خطبها بصفين : معنا ابن عم نبينا وسيف من سيوف الله علي بن
أبي طالب عليه السلام صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله صغيرا ولم يسبقه
بالصلاة ذكر ، وجاهد حتى صار شيخنا كبيرا.
ومن ذلك ما رواه
سعيد بن قيس من طريق مالك بن قدامة الارحبي أن سعيد بن قيس خطب الناس بصفين فقال :
معنا ابن عم نبينا ، صدق وصلى صغيرا ، وجاهد مع نبيكم كبيرا.
ومن ذلك ما رواه
عمر بن الحمق الخزاعي من طريق عبد الله بن شريك العامري قال : قام عمرو بن الحق
بصفين فقال : يا أمير المؤمنين أنت ابن عم نبينا وأول المسلمين إيمانا بالله
عزوجل.
ومن ذلك ما رواه
هاشم بن عتبة بن أبي وقاص يوم صفين : نجاهد في طاعة الله مع ابن عم رسول الله صلى الله
عليه وآله وأول من آمن بالله ، وأفقه الناس في دين الله.
ومن ذلك ما رواه
محمد بن كعب من طريق عمر مولى عفرة عن محمد بن كعب قال : أول من أسلم علي بن أبي
طالب عليه السلام.
ومن ذلك ما رواه
مالك بن حويرث من طريق مالك بن الحسن بن مالك قال : أخبرني أبي عن جدي مالك بن
حويرث قال : أول من أسلم من الرجال علي بن أبي طالب عليه السلام ومن ذلك ما رواه
أبو بكر عتيق بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب وأنس بن مالك وعمرو بن العاص وأبو موسى
الاشعري ، والذي رواه أبو بكر من طريق زافر بن سليمان عن الصلت بن بهرام عن الشعبي
قال مر علي بن أبي طالب عليه السلام على أبي بكر ومعه أصحابه ، فسلم عليهم ومضى ،
فقال أبو بكر : من سره أن ينظر إلى أول الناس في الإسلام سبقا وأقرب الناس برسول
الله صلى الله عليه وآله قرابة فلينظر إلى علي بن أبي طالب ، الحديث ، وقدمناه
فيما مضى.
وأما عمر فإن
أبا حازم مولى ابن عباس قال : سمعت عبد الله بن عباس يقول : قال عمر بن الخطاب :
كفوا عن علي بن أبي طالب فإني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فيه خصالا
: قال : إنك أول المؤمنين بعدي إيمانا ، وساق الحديث.
وأما عمرو بن
العاص فإن تميم بن جديم الناحي قال : أنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بصفين إذ
خرج عليه عمرو بن العاص فأراد أن يكلمه ، فقال عمرو : تكلم فإنك أول من أسلم
فاهتدى ، ووحد فصلى.
ومن ذلك ما رواه
أبو موسى الاشعري من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه سلمة عن أبي جعفر عليه
السلام عن ابن عباس قال : قال أبو موسى الاشعري : علي أول من أسلم.
ومن ذلك ما رواه
أنس بن مالك من طريق عباد بن عبدالصمد قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قال رسول
الله (ص) : لقد صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين وذلك أنه لم يرفع
إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله إلا مني ومن علي صلوات
الله عليه.
ومن ذلك ما روي
عن الحسن بن أبي الحسن البصري من طريق قتادة بن دعامة السدوسي قال : سمعت الحسن
يقول : إن عليا عليه السلام صلى مع النبي صلى الله عليه وآله أول الناس ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وآله : صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين.
ومن ذلك ما روي
عن قتادة من طريق سعيد بن أبي عروبة قال : سمعت قتادة يقول أول من صلى من الرجال
علي بن أبي طالب عليه السلام.
ومن ذلك ما روي
عن أبي إسحاق من طريق يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال : كان أول ذكر آمن وصدق
علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن عشر سنين ، ثم أسلم بعده زيد بن حارثة.
ومن ذلك ما روي
عن الحسن بن زيد من طريق إسماعيل بن عبد الله بن أبي يونس قال أخبرني أبي عن الحسن
بن زيد أن عليا كان أول ذكر أسلم.
فأما الرواية عن
آل أبي طالب في ذلك فإنها أكثر من أن تحصى ، وقد أجمع بنو هاشم وخاصة آل علي عليه
السلام لا تنازع بينهم على أن أول من أجاب رسول الله صلى الله عليه وآله من
الذكور علي بن أبي طالب عليه السلام ونحن أغنياء بشهرة ذلك عن ذكر طرقه ووجوهه ، فأما
الاشعار التي تؤثر عن الصحابة في الشهادة له عليه السلام بتقدم الايمان وأنه أسبق
الخلق إليه فقد وردت عن جماعة منهم وظهرت عنهم على وجه يوجب العلم ويزيل الارتياب
، ولم يختلف فيها من أهل العلم بالنقل والآثار اثنان ، فمن ذلك قول خزيمة بن ثابت
ذي الشهادتين رحمة
الله عليه :
إذ نحن بايعنا
عليا فحسبنا
أبوحسن مما يخاف
من الفتن
وجدناه أولى
الناس بالناس إنه
أطب قريش
بالكتاب وبالسنن
وإن قريشا لا
يشق غباره
إذا ما جرى يوما
على الضمر البدن
ففيه الذي فيهم
من الخير كله
وما فيهم مثل
الذي فيه من حسن
ووصي رسول الله
من دون أهله
وفارسه قد كان
في سالف الزمن
وأول من صلى من
الناس كلهم
سوى خيرة
النسوان والله ذو منن
وصاحب كبش القوم
في كل وقعة
يكون لها نفس
الشجاع لدى الذقن
فذاك الذي يثني
الخناصر باسمه
إمامهم حتى اغيب
في الكفن
ومنه قول كعب بن
زهير :
صهر النبي وخير
الناس كلهم
فكل من رامه
بالفخر مفخور
صلى الصلاة مع
الامي أولهم
قبل العباد ورب
الناس مكفور
ومنه قول حسان
بن ثابت : « جزى الله خيرا والجزاء بكفه » وقدمنا البيتين فيما سلف ومنه قول ربيعة
بن الحارث بن عبد المطلب حيث يقول عند بيعة أبي بكر.
ما كنت أحسب هذا
الامر منتقلا
عن هاشم ثم منها
عن أبي حسن
أليس أول من صلى
لقبلتهم
وأعلم الناس
بالآثار والسنن؟
وآخر الناس عهدا
بالنبي ومن
جبريل عون له في
الغسل والكفن
من فيه ما فيهم
لا يمترون به
وليس في القوم
ما فيه من الحسن
ما ذا الذي ردكم
عنه فنعلمه؟
ها إن بيعتكم من
أول الفتن
وفي هذا الشعر
قطع من قائله على إبطال إمامة أبي بكر وإثبات الامامة لأمير المؤمنين ومنه قول
الفضل بن عتبة بن أبي لهب فيما رد به على الوليد بن عقبة في مديحه لعثمان ومرثيته
له وتحريضه على أمير المؤمنين في قصيدته التي يقول في أولها.
ألا إن خير
الناس بعد ثلاثة
قتيل التجوبي
الذي جاء من مصر
فقال الفضل :
ألا إن خير
الناس بعد محمد
مهيمنه التاليه
في العرف والنكر
وخيرته في خيبر
ورسوله
بنبذ عهود الشرك
فوق أبي بكر
وأول من صلى
وصنو نبيه
وأول من أردى
الغواة لدى بدر
فذاك علي الخير
من ذا يفوقه؟
أبوحسن خلف
القرابة والضهر
وفي هذا الشعر
دليل على تقدم إيمان أمير المؤمنين عليه السلام وعلى أنه كان الأمير في سنة تسع
على الجماعة وكان في جملة رعيته أبو بكر على خلاف ما ادعاه الناصبة من قولهم : إن
أبابكر كان الامير على الجماعة وإن أمير المؤمنين عليه السلام كان تابعا له.
ومنه قول مالك
بن عبادة الغافقي حليف حمزة بن عبد المطلب :
رأيت عليا لا
يلبث قرنه
إذا ما دعاه
حاسرا أو مسربلا
فهذا وفي
الاسلام أول مسلم
وأول من صلى
وصام وهللا
ومنه قول عبد
الله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب :
وكان ولي الامر
بعد محمد
علي وفي كل
المواطن صاحبه
وصي رسول الله
حقا وجاره
وأول من صلى ومن
لان جانبه
وفي هذا الشعر
أيضا دليل على اعتقاد هذا الرجل في أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه كان الخليفة
لرسول الله صلى الله عليه وآله بلا فصل.
ومنه قول
النجاشي بن الحارث بن كعب :
فقل للمفضل من
وائل
ومن جعل الغث
يوما سمينا
جعلت ابن هند
وأشياعه
نظير علي ، أما
تستجيبا
إلى أول الناس
بعد الرسول
أجاب الرسول من
العالمينا
ومنه قول جرير
بن عبد الله البجلي :
فصلى الاله على
أحمد
رسول المليك
تمام النعم
وصلى على الطهر
من بعده
خليفتنا القائم
المدعم
عليا عنيت وصي
النبي
يجالد عنه غواة
الامم
له الفضل والسبق
والمكرما
ت وبيت النبوة
لا المهتضم
وفي هذا الشعر
أيضا تصريح من قائله بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد الرسول وأنه كان
الخليفة دون من تقدم ومنه قول عبد الله بن الحكيم التميمي :
دعانا الزبير
إلى بيعة
وطلحة من بعد ما
أنقلا
فقلنا صفقنا
بأيماننا
فإن شئتما فخذا الأشملا
نكثتم عليا على
بيعة
وإسلامه فيكم
أولا
لعمري لئن
بايعتم ذا حفيظة
على الدين معروف
العفاف موفقا
عفيفا عن
الفحشاء أبيض ماجدا
صدوقا وللجبار
قدما مصدقا
أبا حسن فارضوا
به وتبايعوا
فليس كمن فيه
لدى العيب منطقا
علي وصي المصطفى
ووزيره
وأول من صلى لذي
العرش واتقى
ومنه قول أبي
الاسود الدئلي :
وإن عليا لكم
مفخر
يشبه بالأسد
الاسود
أما إنه ثاني
العابدين
بمكة والله لم
يعبد
ومنه قول زفر بن
زيد بن حذيفة الاسدي :
فحوطوا عليا
واحفظوه فإنه
وصي وفي الاسلام
أول أول
ومنه قول قيس بن
سعد بن عبادة بصفين :
هذا علي وابن عم
المصطفى
أول من أجابه
ممن دعا
هذا الامام لا
نبالي من غوى ومنه قول هاشم بن عتبة بن أبي وقاص بصفين :
أشلهم بذي
الكعوب شلا
مع ابن عم أحمد
تجلى
أول منه صدقه
وصلى قال الشيخ أدام الله عزه : فأما قول الناصبة : إن إيمان أمير المؤمنين صلوات
الله عليه لم يقع على وجه المعرفة وإنما كان على وجه التقليد والتلقين وما كان
بهذه المنزلة لم يستحق صاحبه المدحة ولم يجب له به الثواب وادعاؤهم أن أمير
المؤمنين صلوات الله عليه كان في تلك الحال ابن سبع سنين ومن كان هذه سنه لم يكن
كامل العقل ولا مكلفا فإنه يقال لهم : إنكم قد جهلتم في ادعائكم أنه كان وقت مبعث
النبي صلى الله عليه وآله ابن سبع سنين ، وقلتم قولا لا برهان عليه يخاف
المشهور ويضاد المعروف ، وذلك أن جمهور الروايات جاءت بأنه عليه السلام قبض وله
خمس وستون سنة ، وجاء في بعضها أن سنه كانت عند وفاته ثلاثا وستين سنة ، فأما سوى
هاتين الروايتين فشاذ مطروح قد يعرف في صحيح النقل ولا يقبله أحد من أهل الرواية
والعقل ، وقد علمنا أن أمير المؤمنين عليه السلام صحب رسول الله صلى الله عليه
وآله ثلاثا وعشرين سنة ، منها ثلاث عشرة قبل الهجرة وعشر بعدها ، وعاش بعده ثلاثين
سنة ، وكانت وفاته في سنة أربعين من الهجرة ، فإذا حكمنا في سنة على خمس وستين بما
تواترت به الاخبار كانت سنه عند مبعث النبي صلى الله عليه وآله اثنتي عشرة سنة
، وإن حكمنا على ثلاث وستين كانت سنه عند المبعث عشر سنين ، وكيف يخرج من هذا
الحساب أن يكون سنه عند المبعث سبع سنين؟ اللهم إلا أن يقول قائل : إن سنه كانت
عند وفاته ستين سنة ، فيصح ذلك له ، إلا أنه يكون دافعا للمتواتر من الاخبار منكرا
للمشهور من الآثار معتمدا على الشاذ من الروايات ، ومن صار إلى ذلك كان الاولى في
مناظرته البيان له عن وجه الكلام في الاخبار والتوقيف على طرق الفاسد من الصحيح
فيها دون المجازفة في المقالة وكيف يمكن عاقلا سمع الاخبار أو نظر في شئ من الآثار
أن يدعي أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه توفي وله ستون سنة مع قوله الشائع عنه
الذائع في الخاص والعام عند ما بلغه من إرجاف أعدائه به في التدبير والرأي : «
بلغني أن قوما يقولون : إن علي بن أبي طالب شجاع لكن لا بصيرة له بالحرب! لله
أبوهم وهل فيهم أحد أبصر بها مني؟ لقد قمت فيها وما بلغت العشرين ، وها أناذا قد
ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع » ، فخبر عليه السلام بأنه قد نيف على
الستين في وقت عاش بعده دهرا طويلا ، وذلك في أيام صفين ، وهذا يكذب قول من زعم
أنه صلوات الله وسلامه عليه توفي وله ستون سنة ، مع أن الروايات قد جاءت مستفيضة
ظاهرة بأن سنه عليه السلام كانت عند وفاته بضعا وستين سنة ، وفي مجيئها بذلك على
الانتشار دليل على بطلان مقال من أنكر ذلك ، فممن روى ما ذكرناه علي بن عمرو بن
أبي سبرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال : سمعت محمد بن الحنفية يقول في سنة
الجحاف حين دخلت سنة إحدى وثمانين : هذه لي خمس وستون سنة وقد جاوزت سن أبي ، قلت
: وكم كان سنة يوم قتل؟ قال : ثلاثا وستين سنة.
ومنهم أبو القاسم
نعيم قال : حدثنا شريك عن أبي إسحاق قال : توفي علي عليه السلام وهو ابن ثلاث
وستين سنة.
ومنهم يحيى بن
أبي كثير عن سلمة قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : وقد سئل عن سن أمير المؤمنين
صلوات الله عليه يوم قبض قال : كان قد نيف على الستين.
ومنهم ابن عائشة
من طريق أحمد بن زكريا قال : سمعته يقول : بعث رسول صلى الله عليه وآله وعلي
صلوات الله عليه ابن عشر سنين ، وقتل علي وله ثلاث وستون سنة.
ومنهم الوليد بن
هاشم الفخدمي من طريق أبي عبد الله الكواسجي قال : أخبرنا الوليد بأسانيد مختلفة
أن عليا صلوات الله عليه قتل بالكوفة يوم الجمعة لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان
سنة أربعين ، وهو ابن خمس وستين سنة.
فأما من روى أن
سنه عليه السلام كانت عند البعثة أكثر من عشر سنى فغير واحد : منهم عبد الله بن
مسعود من طريق عثمان بن المغيرة عن وهب عنه قال : إن أول شئ علمته من أمر رسول
الله صلى الله عليه وآله أني قدمت مكة ، فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب ،
فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم ، فبينا نحن جلوس إذ أقبل رجل من باب الصفا ،
عليه ثوبان أبيضان ، على يمينه غلام مراهق أو محتلم ، تتبعه امرأة قد سترت محاسنها
، حتى قصدوا الحجر ، فاستلمه والغلام والمرأة ، ثم طاف بالبيت سبعا والغلام
والمرأة يطوفان معه ، ثم استقبل الكعبة وقام فرفع يديه وكبر ، وقام الغلام على
يمينه وكبر ، وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها فكبرت ، فأطال القنوت ، ثم ركع فركع
الغلام والمرأة معه ، ثم رفع رأسه فأطال القنوت ثم سجد ، ويصنعان ما صنع ، فلما
رأينا شيئا ننكره لا نعرف بمكة أقبلنا على العباس فقلنا : يا أبا الفضل إن هذا
الدين ما كنا نعرفه ، قال : أجل والله ما تعرفون هذا ، قلنا : ما نعرف ، قال : هذا
ابن أخي محمد بن عبد الله وهذا علي بن أبي طالب وهذه المرأة خديجة بنت خويلد ،
والله ما على وجه الارض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة.
وروى قتادة عن
الحسن وغيره قال : كان أول من آمن علي بن ابي طالب عليه السلام وهو ابن خمس عشرة
سنة أو ست عشرة.
وروى شداد بن
أوس قال : سألت خباب بن الارت عن إسلام علي بن أبي طالب عليه السلام
قال : أسلم وهو ابن خمس عشرة سنة ، ولقد رأيته يصلي مع النبي صلى الله عليه
وآله وهو يومئذ بالغ مستحكم البلوغ.
وروى علي بن زيد
عن ابي نضرة قال : أسلم علي عليه السلام وهو ابن أربع عشرة سنة ، وكان له يومئذ
ذؤابة يختلف إلى الكتاب.
وروى عبد الله
بن زياد عن محمد بن علي قال : أول من آمن بالله علي بن أبي طالب عليه السلام وهو
ابن إحدى عشرة سنة.
وروى الحسن بن
زيد قال : أول من أسلم علي بن أبي طالب عليه السلام وهو ابن خمس عشرة. وقد قال
عبد الله بن أبي سفيان :
وصلى علي مخلصا
بصلاته
لخمس وعشر من
سنيه كوامل
وخلى اناسا بعده
يتبعونه
له عمل أفضل به
صنع عامل
وروى سلمة بن كهيل عن أبيه عن حبة بن جوين
العرني قال : أسلم علي صلوات الله عليه وكان
له ذؤابة يختلف إلى الكتاب.
على أنا لو
سلمنا لخصومنا ما ادعوه من أنه عليه السلام كان له عند المبعث سبع سنين لم يدل
ذلك على صحة ما ذهبوا إليه من أن إيمانه على وجه التلقين دون المعرفة واليقين ،
وذلك أن صغر السن لا ينافي كمال العقل ، وليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى
ذلك ، هذا باتفاق أهل النظر والعقول ، وإنما يراعى بلوغ الحلم في الاحكام الشرعية
دون العقلية ، وقد قال سبحانه في قصة يحيى « وآتيناه الحكم صبيا » وقال في قصة
عيسى : « فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله
آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما
دمت حيا » فلم ينف صغر سن هذين النبيين عليهما السلام كمال عقلهما أو الحكمة التي
آتاهما الله سبحانه ، ولو كانت العقول تحيل ذلك لأحالته في كل أحد وعلى كل حال ،
وقد أجمع أهل التفسير إلا من شذ عنهم في قوله تعالى : « وشهد شاهد من أهلها إن كان
قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من
الصادقين » أنه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه الله عزوجل حتى برأ يوسف من الفحشاء
وأزال عنه التهمة.
والناصبة إذا
سمعت هذا الاحتجاج قالت : إن هذا الذي ذكرتموه فيمن عددتموه كان معجزا لخرقه
العادة ودلالة لنبي من أنبياء الله عزوجل ، فلو كان أمير المؤمنين عليه السلام مشاركا
لمن وصفتموه في خرق العادة لكان معجزا له عليه السلام وللنبي صلى الله عليه
وآله ، وليس يجوز أن يكون المعجز له ، ولو كان للنبي لجعله في معجزاته واحتج به في
جملة بيناته ، ولجعله المسلمون في آياته ، فلما لم يجعله رسول الله صلى الله
عليه وآله لنفسه علما ولا عده المسلمون في معجزاته ، علمنا أنه لم يجر فيه الامر
على ما ذكرتموه ، فيقال لهم : ليس كل ما خرق الله به العادة وجب أن يكون علما ،
ولا لزم أن يكون معجزا ، ولا شاع علمه في العالم ، ولا عرف من جهة الاضطرار ،
وإنما المعجز العلم هو خرق العادة عند دعوة داع أو براءة معروف يجري براءته مجرى
التصديق له في مقاله ، بل هي تصديق في المعنى وإن لم يكن تصديقا بنفس اللفظ والقول
، وكلام عيسى عليه السلام إنما كان معجزا لتصديقه له في قوله : « إني عبد الله
آتاني الكتاب وجعلني نبيا » مع كونه خرقا للعادة وشاهدا لبراءة امه من الفاحشة ،
ولصدقها فيما ادعته من الطهارة ، وكانت حكمة يحيى عليه السلام في حال صغره تصديقا
له في دعوته في الحال ولدعوة أبيه زكريا ، فصارت مع كونها خرق العادة دليلا ومعجزا
، وكلام الطفل في براءة يوسف إنما كان معجزا لخرق العادة بشهادته ليوسف عليه
السلام للصدق في براءة ساحته ، ويوسف عليه السلام نبي مرسل ، فثبت أن الامر على ما
ذكرناه ، ولم يك كمال عقل أمير المؤمنين عليه السلام شاهدا في شئ مما ادعاه ولا
استشهد هو عليه السلام به فيكون مع كونه خرقا للعادة معجزا ، ولو استشهد به عليه
السلام أو شهد على حد ما شهد الطفل ليوسف وكلام عيسى له ولامه وكلام يحيى لأبيه
بما يكون في المستقبل والحال لكان لخصومنا وجه للمطالبة بذكر ذلك في المعجزات ،
لكن لا وجه له على ما بيناه.
على أن كمال عقل
أمير المؤمنين لم يكن ظاهرا للحواس ولا معلوما بالاضطرار فيجري مجرى كلام المسيح
وحكمة يحيى وكلام شاهد يوسف فيمكن الاعتماد عليه في المعجزات ، وإنما كان طريق
العلم به مقام الرسول صلى الله عليه وآله والاستدلال الشاق بالنظر الثاقب والسبر
لحاله عليه السلام وعلى مرور الاوقات بسماع كلامه والتأمل لاستدلالاته والنظر فيما
يؤدي إلى معرفته وفطنته ، ثم لا يحصل ذلك إلا لخاص من الناس ومن عرف وجوه الاستنباطات
، وما جرى هذا المجرى فارق حكمه حكم ما سلف للأنبياء من المعجزات وما كان لنبينا
صلى الله عليه وآله من الاعلام ، إذ تلك بظواهرها تقدح في القلوب اسباب اليقين وتشترك
الجميع في علم الحال الظاهرة منها المنبئة عن خرق العادات ، دون أن تكون مقصورة
على ما ذكرناه من البحث الطويل والاستقراء للأحوال على مرور الاوقات أو الرجوع فيه
إلى نفس قول الرسول صلى الله عليه وآله الذي يحتاج في العلم به إلى النظر في
معجز غيره والاعتماد على ما سواه من البينات ، فلا ينكر أن يكون الرسول صلى الله
عليه وآله إنما عدل عن ذكر ذلك واحتجاجه به في جملة آياته لما وصفناه.
وشيء آخر وهو
أنه لا ينكر أن يكون الله سبحانه علم من مصلحة خلقه الكف من رسول الله صلى الله
عليه وآله عن الاحتجاج بذلك ، والدعاء إلى النظر فيه ، وأن اعتماده على ما ظاهره
خرق العادة أولى في مصلحة الدين ، وشئ آخر وهو أن رسول الله صلى الله عليه وآله
وإن لم يحتج به على التفصيل والتعيين فقد فعل ما يقوم مقام الاحتجاج به على
البصيرة واليقين ، فابتدأ عليا عليه السلام بالدعوة قبل الذكور كلهم ممن ظاهره
البلوغ ، وافتتح بدعوته قبل أداء رسالته واعتمد عليه في إيداعه سره ، وأودعه ما
كان خائفا من ظهوره عنه ، فدل باختصاصه بذلك على ما يقوم مقام قوله صلى الله
عليه وآله : إنه معجز له وإن بلوغ عقله علم على صدقه ، ثم جعل ذلك من مفاخره
وجليل مناقبه وعظيم فضائله ، ونوه بذكره وشهره بين أصحابه ، واحتج له به في
اختصاصه ، وكذلك فعل أمير المؤمنين صلوات الله عليه في ادعائه له ، فاحتج به على
خصومه وتمدح به بين أوليائه وأعدائه ، وفخر به على جميع أهل زمانه ، وذلك هو معنى
النطق بالشهادة بالمعجز له ، بل هو الحجة في كونه نائبا بالقوم بما خصه الله تعالى
منه ، ونفس الاحتجاج بعلمه ودليل الله وبرهانه ، وهذا يسقط ما اعتمدوه.
ومما يدل على أن
أمير المؤمنين صلوات الله عليه كان عند بعثة النبي صلى الله عليه وآله بالغا مكلفا
وأن إيمانه به كان بالمعرفة والاستدلال وأنه وقع على أفضل الوجوه وآكدها في استحقاق
عظيم الثواب أن رسول الله صلى الله عليه وآله مدحه به وجعله من فضائله وذكره في
مناقبه ، ولم يك بالذي يفضل بما ليس بفضل ويجعل في المناقب ما لا يدخل في جملتها ،
ويمدح على ما لا يستحق عليه الثواب ، فلما مدح رسول الله صلى الله عليه وآله
أمير المؤمنين عليه السلام بتقدمه الايمان فيما ذكرناه آنفا من قوله لفاطمة عليها
السلام : « أما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما؟ » وقوله في رواية سلمان : « أول هذه
الامة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب » وقوله : « لقد صلت
الملائكة علي وعلى علي سبع سنين وذلك أنه لم يكن من الرجال أحد يصلي غيري وغيره »
وإذا كان الامر على ما وصفناه فقد ثبت أن إيمانه عليه السلام وقع بالمعرفة
واليقين دون التقليد والتلقين ، لا سيما وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وآله
إيمانا وإسلاما ، وما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمى على الاطلاق الديني إيمانا
وإسلاما.
ويدل على ذلك
أيضا أن أمير المؤمنين صلوات الله عليه قد تمدح به وجعله من مفاخره واحتج به على
أعدائه ، وكرره في غير مقام من مقاماته ، حيث يقول : « اللهم إني لا أعرف عبدا لك
من هذا الامة عبدك قبلي » وقوله عليه السلام : « أنا الصديق الأكبر آمنت قبل أن
يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل أن يسلم » وقوله صلوات الله عليه لعثمان : « أنا خير منك
ومنهما ، عبدت الله قبلهما وعبدت الله بعدهما » وقوله : « أنا أول ذكر صلى » وقوله
عليه السلام : « على من أكذب ، أعلى الله فأنا أول من آمن به وعبده » فلو كان
إيمانه على ما ذهبت إليه الناصبة من جهة التلقين ولم يكن له معرفة ولا علم
بالتوحيد لما جاز منه عليه السلام أن يتمدح بذلك ، ولا أن يسميه عبادة ، ولا أن
يفخر به على القوم ، ولا أن يجعله تفضيلا له على أبي بكر وعمر ، ولو أنه فعل من
ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه ، واعترضه فيه مضادوه ، وحاجه في بطلانه مخاصموه
، وفي عدول القوم عن الاعتراض عليه في ذلك وتسليم الجماعة له ذلك دليل على ما
ذكرناه ، وبرهان على فساد قول الناصبة الذي حكيناه ، وليس يمكن أن يدفع ما رويناه
في هذا الباب من الاخبار لشهرتها وإجماع الفريقين من الناصبة والشيعة على روايتها
، ومن تعرض للطعن فيها مع ما شرحناه لم يمكنه الاعتماد على تصحيح خبر وقع في
تأويله الاختلاف ، وفي ذلك إبطال جمهور الاخبار وإفساد عامة الآثار ، وهب من لا
يعرف الحديث ولا خالط أهل العلم يقدم على إنكار بعض ما رويناه ، أو يعاند فيه بعض
العارفين به ويغتنم الفرصة بكونه خاصا في أهل العلم ، كيف يمكن دفع شعر أمير
المؤمنين عليه السلام في ذلك وقد شاع من شهرته على حد يرتفع فيه الخلاف وانتشر
حتى صار مسموعا من العامة فضلا عن الخواص في قوله عليه السلام :
محمد النبي أخي
وصنوي
وحمزة سيد
الشهداء عمي
وجعفر الذي يضحي
ويمسي
يطير مع
الملائكة ابن امي
وبنت محمد سكني
وعرسي
مساط لحمها بدمي
ولحمي
وسبطا أحمد ولد
اي منها
فمن فيكم له سهم
كسهمي؟!
سبقتكم إلى
الاسلام طرا
على ما كان من
علمي وفهمي
وأوجب لي الولاء
معا عليكم
خليلي يوم دوح
غدير خم
وفي هذا الشعر
كفاية في البيان عن تقدم إيمانه عليه السلام وأنه وقع مع المعرفة بالحجة والبيان
، وفيه أيضا أنه كان الامام بعد الرسول صلى الله عليه وآله بدليل المقام الظاهر
في يوم الغدير الموجب للاستخلاف.
ومما يؤيد ما
ذكرناه ما رواه عبد الله بن الاسود البكري عن محمد بن عبيد الله ابن أبي رافع عن
أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى يوم الاثنين وصلت خديجة معه ،
ودعا عليا عليه السلام إلى الصلاة معه يوم الثلثاء ، فقال له : أنظرني حتى ألقى
أبا طالب ، فقال : له النبي صلى الله عليه وآله : إنها أمانة ، فقال علي عليه
السلام : فإن كانت أمانة فقد أسلمت لك ، فصلى معه وهو ثاني يوم البعث.
وروى الكلبي عن
أبي صالح عن ابن عباس مثله ، وقال في حديثه : إن هذا دين يخالف دين أبي حتى أنظر
فيه واشاور أبا طالب ، فقال له النبي : انظر واكتم ، قال : فمكث هنيئة ثم قال : بل
أجبتك واصدق بك ، فصدقه وصلى معه. وروى هذا المعنى بعينه وهذا المقال من أمير
المؤمنين عليه السلام على اختلاف في اللفظ واتفاق في المعنى كثيرة من حملة الآثار
، وهو يدل على أن أمير المؤمنين عليه السلام كان مكلفا عارفا في تلك الحال بتوقفه
واستدلاله وتمييزه بين مشورة أبيه وبين الاقدام على القبول والطاعة للرسول من غير
فكرة ولا تأمل ، ثم خوفه إن ألقى ذلك إلى أبيه أن يمنعه منه مع أنه حق فيكون قد صد
عن الحق ، فعدل عن ذلك إلى القبول وعدل إلى النبي صلى الله عليه وآله مع أمانته
وما كان يعرفه من صدقه في مقاله وما سمعه من القرآن الذي نزل عليه وأراه الله من
برهانه أنه رسول محق فآمن به وصدقه ، وهذا بعد أن ميزبين الامانة وغيرها وعرف حقها
، وكره أن يفشي سر الرسول صلى الله عليه وآله وقد ائتمنه عليه ، وهذا لا يقع
باتفاق من صبي لا عقل له ولا يحصل ممن لا تمييز معه.
ويؤيد أيضا ما
ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وآله بدأبه في الدعوة قبل الذكور كلهم ، وإنما
أرسله الله تعالى إلى المكلفين ، فلو لم يعلم أنه عاقل مكلف لما افتتح به أداء
رسالته وقدمه في الدعوة على جميع من بعث إليه ، لأنه لو كان الامر على ما ادعته
الناصبة لكان صلى الله عليه وآله قد عدل عن الاولى ، وتشاغل بما لم يكلفه عن
أداء ما كلفه ، ووضع فعله في غير موضعه ، ورسول الله صلى الله عليه وآله يجل عن
ذلك وشيء آخر وهو أنه صلى الله عليه وآله دعا عليا عليه السلام في حاله كان
مستتر فيها بدينه كأنما لأمره خائفا إن شاع من عدوه ، فلا يخلو أن يكون قد كان
واثقا من أمير المؤمنين عليه السلام بكتم سره وحفظ وصيته وامتثال أمره وحمله من
الدين ما حمله أو لم يكن واثقا بذلك ، فإن كان واثقا فلم يثق به إلا وهو في نهاية
كمال العقل وعلى غاية الامانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التدبير ، لان
الثقة بما وصفنا دليل جميع ما شرحناه على الحال التي قدمنا وصفها ، وإن كان غير
واثق من أمير المؤمنين عليه السلام بحفظ سره وغيره آمن من تضييعه وإذاعة أمره
فوضعه عنده من التفريط وضد الحزم والحكمة والتدبير ، حاشى الرسول من ذلك ومن كل
صفة نقص ، وقد أعلى الله عزوجل رتبته وأكذب مقال من ادعى ذلك فيه ، وإذا كان الامر
على ما بيناه فما ترى الناصبة فصدت بالطعن في إيمان أمير المؤمنين عليه السلام
إلا عيب الرسول والذم لأفعاله ووصفه بالعبث والتفريط ووضع الأشياء غير مواضعها ،
والازراء عليه في تدبيراته ، وما أراد مشائخ القوم ومن ألقى هذا المذهب إليهم إلا
ما ذكرناه « والله متم نوره ولو كره الكافرون ».
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 38 / صفحة [ 291 ]
تاريخ النشر : 2026-03-12