كتب التفسير/التفسير المنسوب للامام العسكري (عليه السلام)/الامامة
قال رسول الله
صلى الله عليه وآله : إن النطفة تثبت في الرحم أربعين يوما ، نطفة ، ثم تصير
علقة أربعين يوما ، ثم مضغة أربعين يوما ، ثم بعده عظما ، ثم يكسى لحما ، ثم يلبس
الله فوقه جلدا ، ثم ينبت عليه شعرا ، ثم يبعث الله عزوجل إليه ملك الارحام ويقال
له : اكتب أجله وعمله ورزقه وشقيا يكون أو سعيدا ، فيقول الملك : يا رب أنى لي بعلم
ذلك؟ فقال : استمل ذلك من قراء اللوح المحفوظ ، فيستميله منهم ، قال رسول الله صلى
الله عليه وآله : وإن من كتب أجله وعمله ورزقه وسعادة خاتمته علي بن أبي طالب
كتبوا [ كتب ] من عمله أنه لا يعمل ذنبا أبدا إلى أن يموت ، قال : وذلك قول رسول
الله (ص) يوم شكاه بريدة ، وذاك أن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث جيشا ذات
يوم لغزاة أمر عليهم عليا صلوات الله عليه ، وما بعث جيشا قط فيهم علي إلا جعله
أميرهم ، فلما غنموا رغب علي في أن يشتري من جملة الغنائم جارية فجعل ثمنها في
جملة الغنائم ، فكايده فيها حاطب بن أبي بلتعة وبريدة الاسلمي وزايداه ، فلما نظر
إليهما يكايدانه نظر إليها إلى أن بلغت قيمتها قيمة عدل في يومها ، فأخذها بذلك
فلما رجعا إلى رسول الله (ص) تواطئا على أن يقول ذلك بريدة لرسول الله صلى الله
عليه وآله : فوقف بريده قدام رسول الله فقال : يا رسول الله ألم ترإلى ابن أبي
طالب أخذ جارية من المغنم دون المسلمين؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه
وآله ، ثم جاء عن يمينه فقالها فأعرض عنه رسول الله فجاء عن يساره فقالها فأعرض
عنه رسول الله ، وجاء من خلفه فقالها فأعرض عنه ، ثم عاد إلى بين يديه فقالها فغضب
رسول الله غضبا لم ير قبله ولا بعده غضب مثله ، وتغير لونه وانتفخت أوداجه وارتعدت
فرائصه وقال : يا بريدة مالك آذيت رسول الله منذ اليوم؟ إني سمعت الله عزوجل يقول : « إن الذين يؤذون الله ورسوله
لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدلهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين
والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا » قال بريدة : يا رسول
الله ما علمتني قصدتك بأذى ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : أوتظن يا بريدة
أنه لا يؤذيني إلا من قصد ذات نفسي؟ أما علمت أن عليا مني وأنا منه وأن من آذى
عليا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فحق على الله أن يؤذيه بأليم عذابه
في نار جهنم؟
يا بريدة أنت
أعلم أم الله؟ أنت أعلم أم قراء اللوح المحفوظ؟ أنت أعلم أم ملك الارحام قال
بريدة؟ بل الله أعلم وقراء اللوح المحفوظ أعلم وملك الارحام أعلم ، قال رسول الله
صلى الله عليه وآله فأنت أعلم يا بريدة
أم حفظة علي بن أبي طالب؟ قال : بل حفظة علي بن أبي طالب ، قال رسول الله صلى الله
عليه وآله : فكيف تخطئه وتلومه وتوبخه وتشنع عليه في فعله وهذا جبرئيل أخبرني عن
حفظة علي أنهم ما كتبوا عليه قط خطيئة منذ ولد ، وهذا ملك الارحام حدثني أنهم
كتبوا قبل أن يولد حين استحكم في بطن امه أنه لا يكون منه خطيئة أبدا ، وهؤلاء
قراء اللوح المحفوظ أخبروني ليلة اسري بي أنهم وجدوا في اللوح المحفوظ « علي
المعصوم من كل خطأ وزلة » فكيف تخطئه أنت يا بريدة وقد صوبه رب العالمين والملائكة
المقربون؟ يا بريدة لا تعرض لعلي بخلاف الحسن الجميل فإنه أمير المؤمنين وسيد
الوصيين وسيد الصالحين وفارس المسلمين وقائد الغر المحجلين وقسيم الجنة والنار
يقول : هذا لي وهذا لك.
ثم قال : يا
بريدة أترى لعلي من الحق عليكم معاشر المسلمين ألا تكايدوه ولا تعاندوه ولا
تزايدوه؟ هيهات إن قدر علي عند الله أعظم من قدره عندكم ، أولا اخبركم قالوا بلى
يا رسول الله ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : فإن الله يبعث يوم القيامة
أقواما يمتلئ من جهة السيئات موازينهم فيقال لهم : هذه السيئات فأين الحسنات؟ وإلا
فقد عصيتم؟ فيقولون : يا ربنا ما نعرف لنا حسنات ، فإذا النداء من قبل الله عزوجل
« لئن لم تعرفوا لأنفسكم عبادي حسنات فإني أعرفها لكم واوفرها عليكم » ثم يأتي
برقعة صغيرة يطرحها في كفة حسناتهم فترجح بسيئاتهم بأكثر مما بين السماء إلى الارض
، فيقال لاحدهم : خذ بيد أبيك وامك وإخوانك وأخواتك وخاصتك وقراباتك وأخدامك ومعارفك
فأدخلهم الجنة ، فيقول أهل المحشر : يا رب أما الذنوب فقد عرفناها فماذا كانت
حسناتهم؟ فيقول الله عزوجل : يا عبادي مشى أحدهم ببقية دين لأخيه إلى أخيه فقال :
خذها فإني احبك بحبك علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له الآخر : قد تركتها لك
بحبك لعلي ولك من مالي ما شئت ، فشكر الله تعالى ذلك لهما فحط به خطاياهما وجعل
ذلك في حشو صحيفتهما وموازينهما وأوجب لهما ولوالديهما الجنة .
ثم قال : يا
بريدة إن من يدخل النار ببغض علي أكثر من حصى الخذف الذي يرمى عند الجمرات ، فإياك
أن تكون منهم ، فذلك قوله تبارك وتعالى : « اعبدوا ربكم الذي خلقكم » اعبدوه
بتعظيم محمد وعلي بن أبي طالب الذي خلقكم نسما وسواكم من بعد ذلك وصوركم فأحسن
صوركم ثم قال عزوجل : « والذين من قبلكم » قال : وخلق الذين من قبلكم من سائر
أصناف الناس « لعلكم تتقون ».
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 38 / صفحة [ 74 ]
تاريخ النشر : 2026-02-25