في الخصال في
آداب الملوك أنه قال عليه السلام : ولي
في موسى أسوة وفي خليلي قدوة ، وفي كتاب الله عبرة ، وفيما أودعني رسول الله صلى الله
عليه وآله برهان ، وفيما عرفت تبصرة، إن يكذبوني فقد كذبوا الحق من قبلي ، وإن
أبتلى به فتلك سيرتي، المحجة العظمى والسبيل المفضية لمن لزمها إلى النجاة لم أزل
عليها لا ناكلا ولا مبدلا ، لن أضيع بين كتاب الله وعهد ابن عمي به .. في كلام له
، ثم قال :
أطلب العذر من
قومي وقد جهلوا
فرض الكتاب
ونالوا كل ما حرما
حبل الإمامة لي
من بعد أحمدنا
[كالدلو علفت
التكريب والوذما
لا في نبوته
كانوا ذوي ورع
ولا رعوا بعده
إلا ولا ذمما
لو كان لي جائزا
[ كذا ] سرحان أمرهم
خلفت قومي
وكانوا أمة أمما]
ومن كلام له
عليه السلام ـ رواه محمد بن سلام ـ :
فنزل بي من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ما لم يكن الجبال لو حملته
لحملته ، ورأيت أهل بيته بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على
حمل ما نزل به ، قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم والإفهام
، وبين القول والاستماع. ثم قال : بعد كلام ـ : وحملت نفسي على الصبر عند وفاته ،
ولزمت الصمت والأخذ فيما أمرني به من تجهيزه .. الخبر.
قوله تعالى : (
فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ) كان قتل واحدا على وجه الدفع ( فَأَصْبَحَ فِي
الْمَدِينَةِ خائِفاً ) ( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً ) ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا
خِفْتُكُمْ ) ( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ ) فكيف لا يخاف
علي وقد وترهم بالنهب ، وأفناهم بالحصد ، واستأسرهم فلم يدع قبيلة من أعلاها إلى
أدناها إلا وقد قتل صناديدهم؟.
قيل لأمير
المؤمنين عليه السلام في جلوسه عنهم؟ قال
: إني ذكرت قول النبي صلى الله عليه وآله : إني رأيت القوم نقضوا أمرك ،
واستبدوا بها دونك ، وعصوني فيك ، فعليك بالصبر حتى ينزل الأمر ، فإنهم سيغدرون بك
وأنت تعيش على ملتي ،
وتقتل على سنتي ، من أحبك أحبني ، ومن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب من هذا ..
زرارة ، قال :
قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما منع
أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعو الناس إلى نفسه ، ويجرد في عدوه سيفه؟. فقال :
الخوف من أن يرتدوا فلا يشهدوا أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله ...
وسأل صدقة بن
مسلم عمر بن قيس الماصر عن جلوس علي في الدار؟.
فقال : إن عليا
في هذه الأمة كان فريضة من فرائض الله ، أداها نبي الله إلى قومه مثل الصلاة
والزكاة والصوم والحج وليس على الفرائض أن تدعوهم إلى شيء إنما عليهم أن يجيبوا
الفرائض ، وكان علي أعذر من هارون لما ذهب موسى إلى الميقات ، فقال لهارون : (
اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) فجعله
رقيبا عليهم، وإن نبي الله نصب عليا (ع) لهذه الأمة علما ودعاهم إليه ، فعلي في
عذر لما جلس في بيته ، وهم في حرج حتى يخرجوه فيضعوه في الموضع الذي وضعه فيه رسول
الله صلى الله عليه وآله ، فاستحسن منه جعفر الصادق عليه السلام.
ومن كلام لأمير
المؤمنين عليه السلام ـ وقد سئل عن
أمرهما ـ : وكنت كرجل له على الناس حق ، فإن عجلوا له ماله أخذه وحمدهم (6) ، وإن
أخره أخذه غير محمودين ، وكنت كرجل يأخذ بالسهولة وهو عند الناس حزون ، وإنما
يعرف الهدى بقلة من
يأخذه من الناس ، فإذا سكت فأعفوني.
وقال عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف يوم الشورى : إن لنا حقا إن
أعطيناه أخذناه ، وإن منعناه ركبنا أعجاز الإبل وإن طال بنا السرى.
وسئل متكلم : لم
لم يقاتل الأولين على حقه وقاتل الآخرين؟! فقال : لم لم يقاتل رسول الله صلى الله
عليه وآله على إبلاغ الرسالة في حال الغار ومدة الشعب وقاتل بعدهما؟!...
وقال بعض
النواصب لشيطان الطاق؟! : كان علي يسلم على الشيخين بإمرة المؤمنين ، أفصدق أم
كذب؟!. قال : أخبرني أنت عن الملكين اللذين دخلا على داود ، فقال أحدهما : ( إِنَّ
هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ) ، كذب أم
صدق؟. فانقطع الناصبي.
وسأل سليمان بن
حريز هشام بن الحكم : أخبرني عن قول علي لأبي بكر : يا خليفة رسول الله صلى الله
عليه وآله أكان صادقا أم كاذبا؟! فقال هشام : وما الدليل على أنه قال؟ ثم قال :
وإن كان قاله فهو كقول إبراهيم : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) ، وكقوله : ( بَلْ فَعَلَهُ
كَبِيرُهُمْ ) ، وكقول يوسف : ( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ )....
وقيل لعلي بن
ميثم : لم صلى علي خلف القوم؟ قال : جعلهم بمنزلة السواري.
قيل : فلم ضرب
الوليد بن عقبة بين يدي عثمان؟. قال : لأن الحد له وإليه ، فإذا أمكنه إقامته
أقامه بكل حيلة. قيل : فلم أشار على أبي بكر وعمر؟.
قال : طلبا منه
أن يحيي أحكام القرآن وأن يكون دينه القيم كما أشار يوسف عليه السلام على ملك مصر نظرا منه للخلق ، ولأن الأرض
والحكم فيها إليه ، فإذا أمكنه أن يظهر مصالح الخلق فعل ، وإن لم يمكنه ذلك بنفسه
توصل إليه على يدي من يمكنه طلبا منه لإحياء أمر الله. قيل : لم قعد في الشورى؟.
قال : اقتدارا منه على الحجة وعلما بأنهم إن ناظروه أو أنصفوه كان هو الغالب ، ومن
كان له دعوى فدعي إلى أن يناظر عليه فإن ثبتت له الحجة أعطيه ، فإن لم يفعل بطل
حقه وأدخل بذلك الشبهة على الخلق ، وقد قال عليه السلام يومئذ : اليوم أدخلت في باب إذا أنصفت فيه وصلت
إلى حقي ، يعني أن الأول استبد بها يوم السقيفة ولم يشاوره ، قيل : فلم زوج عمر
ابنته؟. قال : لإظهاره الشهادتين وإقراره بفضل رسول الله صلى الله عليه وآله
وإرادته استصلاحه وكفه عنه ، وقد عرض نبي الله لوط عليه السلام بناته على قومه وهم كفار ليردهم عن ضلالتهم ،
فقال : ( هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) ، ووجدنا آسية بنت مزاحم تحت
فرعون.
وسئل الشيخ
المفيد : لم أخذ عطاءهم ، وصلى خلفهم ، ونكح سبيهم ، وحكم في مجالسهم؟. فقال : أما
أخذه العطاء فأخذ بعض حقه ، وأما الصلاة خلفهم فهو الإمام ، من تقدم بين يديه
فصلاته فاسدة ، على أن كلا مؤد حقه ، وأما نكاحه من سبيهم فمن طريق الممانعة ، إن
الشيعة روت أن الحنفية زوجها أمير المؤمنين
عليه السلام محمد بن مسلم الحنفي ،
واستدلوا على ذلك بأن عمر بن الخطاب لما رد من كان أبو بكر سباه لم يرد الحنفية ،
فلو كانت من السبي لردها ، ومن طريق المتابعة أنه لو نكح من سبيهم لم يكن لكم ما
أردتم ، لأن الذين سباهم أبو بكر كانوا عندكم قادحين في نبوة رسول الله كفارا ،
فنكاحهم حلال لكل أحد ، ولو كان الذين سباهم يزيد وزياد ، وإنما كان يسوغ لكم ما
ذكرتموه إذا كان الذين سباهم قادحين في إمامته ثم نكح أمير المؤمنين عليه السلام ، وأما حكمه في مجالسهم فإنه لو قدر أن لا
يدعهم يحكمون حكما لفعل ، إذ الحكم إليه وله دونهم.
وفي كتاب الكر
والفر : قالوا : وجدنا عليا عليه السلام
يأخذ عطاء الأول ولا يأخذ عطاء ظالم إلا ظالم؟.
قلنا : فقد
وجدنا دانيال يأخذ عطاء بخت نصر.
وقالوا : قد صح
أن عليا عليه السلام لم يبايع ثم بايع ،
ففي أيهما أصاب وأخطأ في الأخرى؟.
قلنا : وقد صح
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع في حال ودعا في حال ، ولم يقاتل ثم
قاتل.
وقال رجل
للمرتضى : أي خليفة قاتل ولم يسب ولم يغنم؟. فقال : ارتد غلام في أيام أبي بكر
فقتلوه ولم يعرض أبو بكر لماله ، وروي مثل ذلك في مرتد قتل في أيام عمر فلم يعرض
لماله ، وقتل علي عليه السلام مستورد
العجلي ولم يتعرض لماله ، فالقتل ليس بأمارة على تناول المال.
وقال رجل لشريك
: أليس قول علي لابنه الحسين يوم الجمل : يا بني! يود أبوك أنه مات قبل هذا اليوم
بثلاثين سنة .. يدل على أن في الأمر شيئا؟. فقال شريك : ليس كل حق يشتهى أن يتعب
فيه ، وقد قالت مريم في حق لا يشك فيه : ( يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ
نَسْياً مَنْسِيًّا ). ولما قيل لأمير المؤمنين عليه السلام في الحكمين : شككت؟. قال عليه السلام : أنا أولى بأن لا أشك في ديني أم النبي صلى الله
عليه وآله؟ أو ما قال الله تعالى لرسوله : ( قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ
اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )..
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 29 / صفحة [ 454 ]
تاريخ النشر : 2025-08-04