تركيب المحورين الأفقي والعمودي في التحليل العربي
وتتضح بما تقدم حقيقة أخرى وهي أن ما يسمى الآن بالمحور الاستبدائي Axe Paradigmatic وهو المحور العمودي بالنسبة لمدرج الكلام الذي يقع فيه استبدال عنصر بآخر فهو متعدد المواقع في مدرج الكلام لا ينحصر في مجرد الاستبدال المبني على اختيار المتكلم بحسب ما له من غرض فهذا الاختيار ميدانه هو الخطاب. ويستعمل اللغويون البنيويون الاستبدال كمحك التصحيح التقطيع الرامي إلى الكشف عن العناصر اللغوية (1) وإثبات صنفها فالاستبدال مهنا لا انتظام فيه، ولم يفكر أحد من اللغويين في نوع آخر من الاستبدال يكون أنسب بوضع اللغة التركيبي. فهذا الاستبدال هو عند النحاة العرب التصرف أو التحويل من الأصل إلى فروعه أي من وحدة بسيطة إلى ما يتفرع عنها من الوحدات على الرغم من معرفتهم المفهوم التفريع من الكلم كالتصريف والاشتقاق، إلا أنهم لم يلتفتوا إلى التفريع الذي يخص ما فوق المفردة وهذا يقتضي التقطن: أولا: إلى وجود وحدات بين مستوى الوحدة المعجمية ومستوى الوحدة التركيبية التي هي الجملة وهي اللفظة وأنها تتميز عن الكلمة بكونها وحدة من مستوى أعلى منها كما مر بنا.
وثانيا: أن الزيادة ليست فقط امتدادًا يقع في درج الكلام بل هو أيضا وفي نفس الوقت انتقال عمودي من وحدة غير مزيد فيها شيء معين وهي الأصل للموالي إلى وحدة أخرى متفرعة عن الأولى بزيادة أو أكثر من زيادة ثم انتقال آخر وهكذا. وذلك لان المحورين مشتركان في التفريع والرجوع إلى الأصل. وهذا لا تعرفه اللسانيات الحديثة بعد في علما لاكتفائها على ال Commutation. فالزيادة تحصل في المحور الأفقي فيكون فيه امتداد في درج الكلام وهذا يقتضي بالضرورة الانتقال عموديا من الأقصر إلى الأطول امتدادًا الأقصر إلى الأصول امتدادًا، وهذا تفريع من الأصل إلى فروعه عند النحاة العرب. ولا يحصل بمجرد استبدال وحدة بأخرى بل بتحويل وحدة إلى أخرى بعمليات خاصة وهي في اللفظة الزيادة يمين الوحدة وشمالها.
وبعبارة أخرى فإن عملية التحويل في هذا الحد تحصل عموديا في محور التصاريف (نحو الأسفل) في الوقت الذي تحصل أفقيا زيادة في المحور الذي تتوالى فيه أجزاء الكلام لان كل تغيير يصيب الوحدة الأصلية كالزيادة فهو بحركة أفقية عمودية في الوقت نفسه وهذا بينه حد الرسم الذي يمثل حد اللفظة فيما تقدم. فهذا هو في الحقيقة تركيب للمحورين والتقصير في ذلك هو النظر في كل محور على حدة. وهذا لا يمكن أن يكون هناك بنية حقيقية تجمع المحورين وبالتالي لا يكون التصريفي من المحورين إلا استبداليا محضا وغير مرتب بالتالي، فالأوربيون خاصة يكتفون عند نظرهم إلى العلاقات التي تربط الوحدات في هذا المحور بالرجوع في المحور الأفقي، إلى موقع واحد أي إلى عمود واحد معزولا عن غيره بسبب تقطيعهم المتسلسل للكلام، وهذا يؤدي إلى تحليل "ذري"، كما مر بنا، لا يراعي فيه المجموع من العناصر التي تتكون منها البنية. وكان الأنسب إلى واقع اللغة والأمثل أن ينظر إلى هذه العلاقات الخاصة بكل محور مجموعة "ومندمجة" في بنية حيث بصير المحور التصريفي العمودي مركبا مع المحور التركيبي الأفقي (أي لمن ينظر إليهما معا عند وقوع الزيادة عليه). فعلى المحلل أن ينظر إلى جميع الأعمدة المتوالية بتوالي المواضع في وقت واحد لا إلى كل واحد على حدة وذلك:
(1) بحسب ترتيب كل موقع في المحور الأفقي وهو درج الكلام
(2) ويحسب ما تلزمه حركة الانتقال المتدرج في التحويل من الأصل وهو الوحدة المنطلق منها إلى فروعه وهي كلها متكافئة. إذ كل ما يتولد بالحد فهو عنصر من المجموعة وهو بهذه الصفة مكافئ لغيره من عناصرها. وبما أن المحور العمودي هو الذي تتكون فيه فئة العناصر التي هي من حسس واحد (Class) وبما أن المحور الأفقي هو الذي تتوالى فيه الوحدات مرتبة فإذا جرى التحويل من وحدة إلى أخرى وقع ذلك في المحورين معا بالضرورة بتركيب عملية الزيادة بعملية ترتيبها أو تحصيلها بالمعنى الرياضي والمحصلة ههنا نتيجة لاجتماع حركتين مختلفتين في الاتحاه (انظر الرسم فيما يأتي). وهذا له أهمية قصوى لأنه يفرض على الباحث أن لايستهين بالجانب التركيبي الرياضي للبين النحوية. فمثال اللفظة هو زمرة (2) لأن كل عنصر فيه يتولد من السابق بعملية تحويلية هي ههنا زيادة (3) وهو مكافئ لكل العناصر الأخرى من المجموعة المتولدة من السابق بنفس العملية لأنه فرد من أفراد المجموعة التي هي زمرة ولكل تحويل تحويل مناظر له. وقد لا تقع أي عملية هذا بالإضافة إلى التجميع المشار إليه. وليس في ذلك أي افتراض وأي تصور نظري محض لان خاصية التصرف وهو تحول الوحدات في الاصطلاح العربي التي هي ميزة للوحدات اللغوية تقتضي أن الإجراء العمليات مرتبة من الأصل المنطلق منه إلى فروعه ويحصل ذلك في المحورين معا بالضرورة.

_______________________
1- هذا ما يجيزه الوضع وإن كان الاستعمال ينفر منه إذا تجاوز حدا من الطول معينا انظر فيما يلي. 1- وهو اختبار القطعة من الكلام التي لا يعرف هل هي وحدة أم لا بقابليتها لاستبداها بعنصر آخر قد ثبت سابقا أنه وحدة لغوية (ويسمى عند مارتين
)Commutation
(2) مثل الأعداد الصحيحة الطبيعية العادية.
(3) والصياغة اللغوية كلها زمر وذلك مثل دوائر صياغة الجذور ذات الاتجاهين وكذلك هي دوائر الشعر.
(4) المحصلة أي المركبة من الزيادة الأفقية والعمودية والعكس هو رد الشيء إلى أصله أي العملية المناظرة ومقابلها بالفرنسية هو:.la résultante 94