(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) [البقرة: 246].
خلاصة التفسير: بعد رحيل كليم الله موسى الى رحمة ربه نشطت فئة من بني اسرائيل ممن كانوا يرومون بعث الحياة من جديد في قومهم واسترجاع الوطن الذي فقدوه فطلبوا من نبيهم أن يأتيهم بقائد كي يهيئوا مستلزمات الجهاد المقدس.
لكنهم لما اختار نبيهم لهم طالوت قائدا وجاء الأمر بالجهاد لم يستجب منهم إلا فئة قليلة في حين أعرض اكثرهم عن الامتثال.
وقبول هؤلاء للظلم وسكوتهم في قباله، يعني أنهم قد وضعوا أنفسهم في صف الظالمين لأن انصياعهم للأسر والتهجير والامتناع عن المقاومة هو مساهمة في تقوية الظالم وهذا لا يقل عن الظلم نفسه.
والعلة في لجوء هؤلاء الى نبيهم وطلبهم منه ن يعين قائدا للحرب تكمن في أن إدارة الجهاد والدفاع المقدس يجب أن تكون بيد النبي أو نائبه ومثل هذا الجهاد والدفاع يعد جهادا (في سبيل الله) وإن كان من أجل الدفاع عن الوطن أو استراجعه.
تفسير المفردات: الملأ: (الملأ) هم الجماعة المجتمعة على رأي فيملا العيون شكلهم وسلوكهم الظاهري كما يملأ النفوس بهاؤهم وجلالهم[1]. وهذه المفردة تشبه مفردات (القوم) و(الجيش) و(الرهط) في أنها اسم جمع[2] لا مفرد له.
والمراد من (الملأ) في هذه الآية أو (بعلاقة ما كان) هو خصوص مجموعة من الأعيان الباقين من بني إسرائيل المشردين أو مجموعة لا بأس بها تضم عددا من أكابر الاسرائيلين وتتحدث باعتبارها ناطقا رسميا للشعب المظلوم.
إن صفة الغرور من جهة أولى وطريقة تفكير الرأسماليين الماديين من جهة ثانية وإضمار احتقار من لا يجمع الأموال الطائلة من جهة ثالثة، هي السمات الشائعة للملأ بمعنى الاشراف والأعيان، وقد تجسدت في المعترضين على تعيين طالوت وتوضيح هذا المطلب يأتي عند تفسير الآية التالية.
ملكا: (الملك) هو الشخص الذي يدبر أمور من يقعون تحت مسؤوليته من خلال الأوامر والنواهي ويختص استعمال هذه المفردة بتدبير الناس لذا يقال: (ملك الناس) ولا يقال: (ملك الاشياء)[3].
عسيتم: (عسى) من أفعال المقاربة وتركيبها مع (هل) الاستفهامية علامة على كون الاستفهام تقريريا وليس استفهاما محضا.
كتب عليهم القتال: (كتابة القتال) بمعنى جعله واجبا وهو من اختصاص الشارع المقدس أي الله[4].
ديارنا: (الديار) جمع (الدار). والدار بمعنى المحل الذي يحدد بإدارة شيء عليه يحيط بنواحيه (مثل الحائط) بما يشبه الغرفة[5]، و(الاخراج من الديار) كناية عن العزل بين الابناء والآباء وجعل أحدهم بعيدا عن الاخر.
تناسب الآيات: تحدث القرآن الكريم في الآيات السابقة عن أصل الجهاد بالمال والنفس والآن يذكر المؤمنين ببعض الأمور المتعلقة بالجهاد من خلال تقديم نموذج عملي.
وتمثل الآيتان السابقتان في الحقيقة مدخلا لمبحث الجهاد بالنفس والمال الذي تكفلته هذه المجموعة من الآيات أما الآية التي هي مورد البحث فهي بمثابة لب هذه القصة في حين تتكفل الآيات القادمة بشرحها وتفسيرها بنحو من الانحاء.
[1] مفردات ألفاظ القرآن ص776 م ل ء
[2] التفسير الكبير مج3 ج6 ص183
[3] مفردات ألفاظ القرآن ص774 م ل ك
[4] راجع الجامع لأحكام القرآن مج2 ج3 ص223
[5] مفردات ألفاظ القرآن ص321 د ا ر.