العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك هي أفضل عشر ليالٍ للعبادة، والعمل الصالح، وفي العشر الأواخر يتحرّى المسلمون ليلة القدر بما لها من مكانة.
فإذا اجتمعت الظروف المكانيّة والزمانيّة مع صفات الدّاعي، وعلمنا أنَّه بماذا يدعو تتحقّق شرائط الإجابة، فتحقيق المقدّمات يُسبّب تحقيق النَّتائج:
هذه مقدّمة كما يقولون وهناك نتيجة، وعندما يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، لقد وعد الله تعالى بإجابة الدّعاء، لكن هذا الوعد مشروط، وليس مطلقًا. فالدّعاء واجب الإجابة هو ما اجتمعت فيه الشروط اللازمة للدّعاء، والدّاعي، وموضوع الدّعاء.
إنَّ الله (عزّ وجلّ) قد كتب على نفسه الرّحمة، وأوجبها على نفسه، تلك الرّحمة التي شملت كلّ شيء وخاصّة لمن أذنب وتاب إليه، أو من ألحّ عليه بالدّعاء: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 54].
إنَّ إحراز شروط الصّلاة حالها حال إقامة الصّلاة، فحينما لا يستجمع الدعاء شروطه فيبقى لقلقة كلام لا غير، وكذلك الصّلاة التي لا تستجمع شروطها لا تكون إلَّا مجموعة من القيام والقعود وبعض الحركات، فنحن نقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
إنَّ أداء الصّلاة يعني الإتيان بأركانها كاملة، أمّا الإقامة فتعني المحافظة عليها ورعاية حقّها، وبعبارة أخرى فإقامة الصّلاة تعني الجمع بين أداء الصّلاة والمحافظة عليها في أوقاتها، مع المحافظة على السّلوك القويم، والخشوع والتّدبّر في معانيها، والعمل على أن ينعكس ذلك على السّلوك، والابتعاد عن الفحشاء والمنكر والمعاصي والحرص على التّعامل بالأخلاق الحسنة مع كلّ النّاس.
وباختصار شديد، إقامة الصّلاة هي أداء الصّلاة في وقتها بخشوعها، والمحافظة عليها مع الامتثال لأوامر الله تعالى، والانتهاء عمّا نهى عنه.
ولذلك كلّ عمل فيه شرائط إذا قصّرنا في الشرائط سيكون العمل فاقدًا للنتيجة المرجوّة منه. وستأتي فقرات في الدّعاء فيها تأكيد على استحضار صورة عقائدية خاصّة في الذّهن قبل أن نشرع فيما نطلب من الله تعالى، وهذا الفهم كثيرًا ما يؤثّر في عملية استجابة الدّعاء.
إنَّ الإنسان لا بُدَّ أن يفهم ما يقول، ولا بُدَّ أن يتعقّل ما يقول؛ عن محمد بن سليمان، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): ((فُلَانٌ مِنْ عِبَادَتِهِ وَدِينِهِ وَفَضْلِهِ، فَقَالَ: كَيْفَ عَقْلُهُ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ عَلَى قَدْرِ الْعَقْلِ، إِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يَعْبُدُ الله فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ خَضْرَاءَ نَضِرَةٍ كَثِيرَةِ الشَّجَرِ ظَاهِرَةِ الْمَاءِ، وَإِنَّ مَلَكاً مِنَ المَلَائِكَةِ مَرَّ بِهِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَرِنِي ثَوَابَ عَبْدِكَ هَذَا فَأَرَاهُ الله تَعَالَى ذَلِكَ فَاسْتَقَلَّهُ الْمَلَكُ فَأَوْحَى الله تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِ اصْحَبْهُ فَأَتَاهُ الْمَلَكُ فِي صُورَةِ إِنْسِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ. قَالَ أَنَا رَجُلٌ عَابِدٌ بَلَغَنِي مَكَانُكَ وَعِبَادَتُكَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَتَيْتُكَ لِأَعْبُدَ الله مَعَكَ، فَكَانَ مَعَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ المَلَكُ: إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَمَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ، فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ: إِنَّ لِمَكَانِنَا هَذَا عَيْباً، فَقَالَ لَهُ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ هَذَا الحَشِيشَ يَضِيعُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ المَلَكُ: وَمَا لِرَبِّكَ حِمَارٌ؟!، فَقَالَ، لَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ مَا كَانَ يَضِيعُ مِثْلُ هَذَا الحَشِيشِ فَأَوْحَى الله إِلَى المَلَكِ إِنَّمَا أُثِيبُهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ)) (1).
هذا فهم ساذج، وبسيط، بل ليس أدنى فهم بالله تبارك وتعالى ملك السماوات والأرض.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الكافي: 1 / 12.