تاريخ التقصي وجذوره:
الولادة والنشأة للصحافة الاستقصائية:
تؤكد نظرية الأنواع الصحفية أن النوع الصحفي لا يظهر هكذا بطريقة عفوية أو مزاجية، ولا يتطور أو يزدهر بقرار، بل إن كل نوع صحفي ظهر عبر عملية معقدة وممتدة في التاريخ والمجتمع، وهذا ما يعطي للنوع الصحفي طابعه التاريخي والاجتماعي، وبالتالي يحدد السياق العام الذي ظهر فيه هذا النوع وتطور، أما بالنسبة لظهور مصطلح الصحافة الاستقصائية فيعد حديثاً نسبياً كمرادف للتحقيقات المعمقة التي يسعى فيها الصحفيون إلى كشف أمور خفية على الجمهور، سواء أخفاها أشخاص بشكل متعمد أم اختفت مصادفة في ظروف لم تفهم، لكن البعض يرى في تاريخ (المقابلة) كنوع استقصائي، وكأداة وظفت في الاستقصاء، واستغلت لجمع بياناته، جزءاً من هذا التاريخ، وعليه تعود جذور الصحافة الاستقصائية إلى بداية وجود الصحفي على أرض الحدث، ونقله الوقائع كما يراها هو، لا كما تروى له، ويحدد الباحثون انطلاقة هذه المرحلة بتغطية الحروب الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر أي بعد حوالي مئتي سنة على انطلاقة الصحافة الشعبية.
البدايات الحقيقية للتقصي:
إن بدايات هذا النوع من التغطية كانت تقوم على اعتماد التحقيق الموسع والمتابعة الدقيقة لموضوع يثير اهتمام الجمهور، وقد بدأ هذا التوجه الجديد في الصحافة مع المنحى "الأنغلوسكسوني" للصحافة الذي أدخل مفهوم المقابلة منذ عام 1836 من خلال مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك هيرالد مع امرأة اكتشفت جريمة قتل، وبالتالي يمكن اعتبار المثل الأول على هذا التوجه في مهنة الصحافة هو التحقيق الطويل الذي قام به عام 1871 "هنري ستانلي".
الذي واكب البعثة الموجهة لاكتشاف مصادر منابع نهر النيل، وفي السنوات اللاحقة انتزعت الصحافة الأمريكية شرعية لهذا المنحى الجديد من خلال حملات وتحقيقات تناولت الفساد ومشكلات العدالة الاجتماعية، ورفض المآسي الناتجة عن الحروب، وكانت هذه الصحافة تستند إلى القيم الأخلاقية أكثر منها إلى التحقيق المعمق الميداني، كما كانت تعمل على إثارة الجمهور في هذا الاتجاه، وعليه نشأ التحقيق في الصحف الأمريكية أولاً، ثم ظهر مفهوم المراسل الخاص الذي يُجري التحقيقات الكبرى من الأماكن البعيدة، ويتحمل مشقات السفر والانتقال من أجل نقل المشاهدات الفريدة التي تتميز بها صحيفته، وكان يطلب من المراسل بالدرجة الأولى إثارة حشرية القراء، وإحياء روح المغامرة عندهم وذلك بأسلوب يقظ وشائق بغض النظر عن الخط السياسي للصحيفة.
إن هذا التوجه تعمم في الوسط المهني ابتداء من مطلع القرن العشرين، كما أن هذه البدايات لم تكن دون عناء، إذ وُجهت انتقادات عنيفة للصحافة حتى من داخل المهنة، لكونها تتخلى عن دورها الثقافي والتربوي على حساب الإثارة والمواضيع الشعبية، ومن هنا كان ينظر إلى هؤلاء الصحفيين على أنهم فئة مختلفة عن غيرهم في المهنة حيث غالباً ما كانوا خارج هيكلية المؤسسة وذوي رواتب متواضعة، لكن الأهمية التي اكتسبها هذا النوع من الصحافة جعل وضع هؤلاء ينقلب في وقت قصير، فباتوا من نجوم الصحافة الذين لعبوا دوراً رئيسياً في نجاح مؤسساتهم، ومن خلال تأكيد هيبتها عبر ما نقلوا وكشفوا ومن خلال زيادة مبيعاتها.
أبرز المحطات في تاريخ التقصي:
لعل أبرز محطات الصحافة الاستقصائية تجلت خلال حرب فيتنام (1975_1965) التي شكلت مرحلة هامة في هذه الصحافة الجديدة وتطورها في أواخر الستينيات، حتى أن البعض دعاها بالمرحلة الذهبية لهذا النوع من الصحافة، بحيث إنها فتحت الباب أمام المراسلين الصحفيين على الأرض كي ينقلوا مشاهداتهم الواسعة، وهنا يذكر المؤرخون أن حرب فيتنام كانت آخر الحروب التي تمت تغطيتها بحرية تامة من قبل الصحفيين دون تدخل السلطات العسكرية أو السياسية، وقد بينت تقارير المراسلين على أرض المعركة التناقض بين التقارير الرسمية الصادرة عن القيادة العسكرية وبين مشاهدات الصحفيين، وللمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية كان على مديري الصحف في مطابخهم أن يختاروا بين ثقتهم بمندوبيهم وبين التزامهم الوطني حيال السلطات التي تعلن تصديها للشيوعية، ودفاعها عن الديمقراطية في العالم، ذلك أن تقارير المراسلين كانت تشير إلى أن الحرب خاسرة، وأن الأمريكيين وحلفاءهم على تراجع، كذلك أظهر مراسلون أمريكيون كاسيمور هيرش مجازر ارتكبها الجيش الأمريكي بحق مدنيين فيتناميين، في الوقت الذي كانت فيه التقارير الرسمية الصادرة عن القيادتين العسكرية والسياسية تدعي عكس ذلك، وهكذا أخذت الصحافة منحى جديداً بتأكيد دورها في إظهار الحقيقة من خلال معرفتها المباشرة للوقائع والتشكيك بالمعلومات المتداولة.
مما سبق يعد التحقيق الصحفي الاستقصائي جديد الصحافة الحديثة، وإن كان التاريخ يحدث أن التحقيق الصحفي فن قديم في الصحافة الأوروبية، فيذكر عن "ديفو" أنه أول من اهتدى إلى هذا الفن في الصحافة الإنجليزية، ثم أتى بعده "ثور تكليف" عام 1896 الذي جعل منه ركناً هاماً في صحيفته الشعبية "ديلي ميل"، أما في فرنسا فكان التحقيق الاستقصائي الميداني الأول ما أجراه الصحفي في جريدة "لوفيغارو" "بيار جيفار" عام (1883) حين تقصى ما يقوم به صهر رئيس فرنسا جيل غرافي من تأسيس سلسلة من الصحف في المناطق الفرنسية، وقد بقي موضوع التحقيق الصحافي موضوع انتقاد لسنوات طويلة على اعتبار أنه ينحو بالصحافة نحو الثرثرة والوقائع غير المهمة ، فالصحافة التي كانت في بداياتها تتركز حول المواقف والعقائد والدعاية السياسية راحت شيئاً فشيئاً تخرج من نطاقها لتعطي مكاناً أوسع للمعلومات من كل نوع، ثم وبفضل المنافسة انطلق السبق الصحفي حيث راحت كل صحيفة تحاول أن تعطي قراءها أكثر من غيرها، ما يعني أن المنافسة وتوسيع دوائر توزيع الصحف كان لها دورها في التركيز على الجريمة والفضائح، وبخاصة من قبل الصحافة البريطانية والأمريكية تحت غطاء تقديم صورة موضوعية عن المجتمع، وحراسة القيم الكونية، وترويج الفضيلة والكشف عن الرذيلة، وهنا يذكر مارك" هنتر" في ورشته التدريبية (عمان/2014) أنه خلال هذه الفترة، وعبر تغطية الحرب الأمريكية الإسبانية ظهرت صحافة التخفي Under Cover" ، وأبرز من استخدم هذا أسلوبها نيللي" بلاي، ووليام. ت. ستيد".
الدور الأمريكي في الصحافة الاستقصائية:
مهما كانت التحقيقات البدائية في العالم مختلفة النسب، إلا أنه يمكن القول إن الولايات المتحدة الأمريكية تعد رائدة الصحافة الاستقصائية، فهي من أسس لظهورها على الرغم من أنها ليست من اخترعها، وذلك وسط تباين وجهات نظر الباحثين في تاريخ انطلاق هذا الفن حتى أن بعضهم ربطه بعام 1690 عندما كشفت صحيفة "الأحداث العامة" تعرض الجنود الفرنسيين للتعذيب الوحشي على أيدي القبائل الهندية الحمراء المتحالفة مع الجيش البريطاني في الأراضي الأمريكية.
عموماً يعاد ظهور الصحافة الاستقصائية Investigative Journalism إلى بداية تطور مفهوم الصحافة ودورها في المجتمع واتجاهها إلى الإبراز والتركيز والتحري عن قضايا معينة تحدث في المجتمع، ولاسيما في جوانب الانحراف والفساد ونتيجة لذلك سُمي محرروها المنقبين عن "الفساد muckrakers"، كمجموعة من الصحفيين الذين قادوا حملات صحفية مهمة ضد الفساد وتحديداً عام 1901 حين أدى التوسع الصناعي السريع إلى الكثير من أنواع الظلم، وكانت الاحتكارات موضع قلق عاماً، ورأى فيها بعض المراقبين تحالفاً غير سديد بين التجارة والسياسة واعتمد هؤلاء في حركتهم الصحفية على نشر التحقيقات الصحفية الكاشفة المبنية على وثائق رسمية وخاضعة لمراقبة الخبراء، وبرزت حركة "المنقبين عن الفساد" كقوة مهمة عام 1906، ثم بلغت قمة النجاح عام 1911، ثم تبددت عام 1912، فقد ملها الجمهور لكثرة الضغوط المالية على بعض الصحف، كما بدأ إصلاح بعض المساوئ التي تم كشفها، وبخاصة أن ثمة تجاوزات عدة خلال مراحل مختلفة شابت عمل الاستقصائيين، ولاسيما بين الحربين العالميتين، والتي شهدت بروز ما يسمى "بالمبتزين" الذي يستغلون الأخطاء لمص دماء مرتكبيها ما زاد من الحاجة إلى ربط التقصي بالأخلاقيات والممارسات الاستقصائية بمواثيق شرف المهنة.
إذا بدأت عملية التحري وإعداد التحقيقات الصحفية بداية القرن العشرين بفضل الجهود التي بذلها "المكراكرز"، ولذا يعد العديد من الكتب مثل كتاب الغابة لـ "إبتون سنكلير" الذي كشف فيه عن الوسائل غير الصحية لتجهيز وتغليف اللحوم وصناعتها في شيكاغو، أساس كل التحريات لإعداد التحقيقات الصحفية، وما ينتج عنها، فعلى إثره صدر قانون الطعام والغذاء الذي ينظم هذه الصناعة، وجوهر هذا العمل هو البحث فيما تقوم به كل من الحكومة وقطاع الأعمال في جميع قطاعاته ونقاط التقائهما، فالتحريات والتحقيقات التي تمت فيما عرف باسم "ووترغيت" وما أدت إليه من استقالة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون تعد العلامة الفاصلة في إعداد التحقيقات الصحفية ففي هذه التحقيقات أكثر من مجرد تاريخ، ذلك أن دراسة ما كتبه "سنكلير وإدوارد وهيرش" وغيرهم يضع خريطة طريق، وعلامات هادية لصحافة اليوم والمستقبل.
من جهته يعد الأدب الأمريكي في مجال الصحافة الاستقصائية نموذجاً للصحافة الاستقصائية في جميع أنحاء العالم، ومعه برزت أسماء مثل إرنست همنغواي، وهناك من يرى أن الصحافة الاستقصائية دخلت عصرها الحقيقي مع بداية السنوات الأولى من القرن العشرين بفعل قوتين شكلتا الحافز الرئيسي: الأولى تتمثل في زيادة الانعزال عن السلطة العامة في المجتمع الأمريكي في تلك المرحلة خصوصاً من الطبقة الوسطى المتعلمة، وأدت الثورة الصناعية إلى مضاعفة تأثير ونفوذ هذه الطبقة على الحكومة والاقتصاد في الوقت نفسه.
أما القوة الثانية فتمثلت في (وصول المهاجرين إلى المدن الأمريكية)، فيما يذهب البعض إلى القول إن سوابق الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة الأمريكية ترجع إلى السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر على الرغم من أن بدايات الصحافة الاستقصائية الحديثة ترجع إلى مطلع القرن العشرين.
وعليه يمكن التأريخ للحالة الاستقصائية بربطها بصحافة التنقيب عن الفساد بين أعوام (1902-1914) بينما هناك من يربطها بالحركة التقدمية السياسية، وسيطرة الطبقة الوسطى على الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول، كما شهدت لمعاناً.
تاريخ دخول التقصي إلى مناهج التدريس:
مع إدخال الصحافة الاستقصائية كعلم تدرس مناهجه بطريقة علمية، يرجع إلى افتتاح "جامعة ميسوري" أول مدرسة للصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة عام 1908، ولكن تقنيات الصحافة الاستقصائية.
استخدمت بصورة محدودة، وركزت على القصص ذات الطابع المحلي، ولذلك في ستينيات القرن العشرين، عاودت الصحافة الاستقصائية الاهتمام بالتقارير ذات الاهتمام القومي في الولايات المتحدة بأكملها، وقد بلغت هذه الموجة أعلى معدل لها خلال عقد السبعينيات.
والخلاصة: تشير أدبيات الإعلام المعاصرة إلى أن مفهوم الصحافة الاستقصائية انطلق منذ الستينيات (من القرن العشرين) مع الرئيس" تيودور روزفلت" الذي أسماهم "الفضائحيين"، ممن ينقبون في أوساخ الحياة، وغسيلها القذر، وذلك استناداً إلى لقب "المكراكرز" وهي التسمية التي لاتزال تطلق على الصحفيين الاستقصائيين حتى اليوم.
هكذا أمسى فريق "المنظفين أصحاب الحملة ضد الفساد والرشوة عملاً مؤسسياً، له أصوله ومبادئه ويسهم في تغيير الأوضاع، وهو عمل بحثي كالذي يتطلبه أي تحقيق صحفي لكن في العمق، لذلك بدأت الصحافة الاستقصائية في المرحلة الأولى من ظهورها باعتبارها نوعاً من الصحافة يبحث عن تعقب الفضائح والفساد، ويعمل للصالح العام كإعداد التقرير حماية المستهلك، ما أدى إلى تأثيرها على العديد من الأفراد من ذوي التوجهات السياسية، إضافة إلى أفراد كثيرين من الأعضاء في المجتمع.
التقصي وما بعد منتصف القرن التاسع عشر:
شهدت مرحلة الستينيات من القرن الماضي خطوة مهمة في تاريخ التقصي مع ما دعي بمسربي الأخبار (قارعو الناقوس) whistle blowers وهم أشخاص يعملون في مؤسسة رأوا أو سمعوا أو اكتشفوا شيئاً، وأخبروا عنه، ومثال ذلك قضية الممارسات العنصرية في مدارس بوسطن (الموت في ريعان العمر)، والتي حفزت إصلاحات نظام التعليم الأمريكي، مع الإشارة إلى برنامج 60 دقيقة لشبكة "سي بي إس" (1968) الذي اشتهر بهذا النوع من الاستقصاءات.
ومع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي طورت الوسائل الاتصالية البديلة أو المعارضة حزبية وغير حزبية، أساليب إنتاجية وفنية جديدة لعرض المضمون الإعلامي متمثلة في التغطية الاستقصائية والتفسيرية للأخبار، كما لجأت إلى تطوير أساليب الكتابة الصحفية، فظهرت تيارات صحفية جديدة قضت على الأساليب التقليدية لصياغة الأنواع الإعلامية.
وخلال فترة سبعينيات القرن العشرين انتشرت الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة الأمريكية لأسباب متعددة منها: الدعم المالي الذي حصلت عليه الصحافة، حيث أصبح منذ عام 1968 هناك منظمة أو صندوق مستقل يموّله المؤسسات والأفراد Fund Of Investigative Journalism ونجح هذا الصندوق في تمويل أكثر من 60 مشروع تغطية استقصائية خلال الفترة من أيلول / سبتمبر عام 1971 حتى أيلول / سبتمبر 1973، كشفت عن أوجه نشاطات قابلة للمناقشة تتصل بالأوضاع المريبة في النشاط الاقتصادي والحياة السياسية، وعن فساد الحكومة.
وعلى إثر ذلك تشكلت العديد من الهيئات والاتحادات للمحررين الاستقصائيين بهدف تشجيع الصحافة الاستقصائية، وتنميتها وبخاصة في ظل الخطر الذي يتعرض له الصحفيون المنقبون عن الفساد في سعيهم من أجل تعزيز الشفافية والحكم المسؤول والحد من الفساد، أثمرت عام 1976 عن تأسيس اتحاد المندوبين والمحررين الاستقصائيين: كجماعة صحفية لا تهدف إلى الربح، وذلك على يد مجموعة من المحررين الاستقصائيين بهدف تشجيع الصحافة الاستقصائية وتنميتها، مع تطوير مركز للموارد يضع خدمات ونشرة إخبارية عن الموضوعات الاستقصائية إلى جانب دليل للخبراء وبعض الخدمات الأخرى، ومع نهاية عام 1976 شكلت الجماعة فريق عمل صحفياً بقيادة محرر جريدة newsday الشهير "روبرت رين" Robert Green لإجراء تغطية استقصائية عن الجرائم التي أدت إلى اغتيال "بالستون Ballston" محرر جريدة Arizona Republic ، فبعدما كتب "دونبوز" في صحيفة ولاية أريزونا تحقيقاً عن المافيا والذي كان يقوم باستقصاء حول نشاط الجريمة المنظمة في الولاية قُتل إثر انفجار قنبلة وضعت داخل سيارته في سياق الجرائم المنظمة التي كانت تقوم بها المافيا هناك، ونتيجة لهذه الحادثة تحركت جمعية المحررين الاستقصائيين وجندت عدداً كبيراً من الصحفيين لمتابعة التحقيق الذي بدأه "دونبوز"، وقرر 50 صحفياً في الولايات المتحدة الأمريكية الرد على هذه الجريمة عبر الذهاب إلى أريزونا وكتابة تحقيقات استقصائية تكشف جرائم المافيا وأسماء رجالاتها، وبعد 6 أشهر أرغمت المحاكم على التحرك وإلقاء القبض على المجرمين وسوقهم للمحكمة.
ويروي "دايفيد كبلان" رئيس اتحاد الصحفيين الاستقصائيين من صحيفة "يو إس نيوز" التي تطبع يومياً مليوني عدد، ويصل عدد قرائها إلى 10 ملايين عام 1976: إن نشأة هذا النوع من الصحافة لم تكن سهلة، بل جاءت ثمرة نضال، فمنذ 50 عاماً كان الفساد يعم أمريكا والرشاوى قائمة، حتى رجال الشرطة كانوا يقبضون الرشوة، ما يُرجع الفضل إلى هذا النوع من الصحافة في العديد من الإصلاحات التي تمت في المجتمع الغربي حيث مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين بدأت الصحف الأمريكية بشكل متزايد في تشجيع المحررين ذوي الخبرة على التحرر من القصص الروتينية لكي يستطيعوا معالجة القضايا والموضوعات ذات المغزى والتي تتطلب وقتاً أكثر وخبرة أوسع.
ويعد الكثير من مؤرخي الصحافة الاستقصائية اليوم أن الأمريكي "سيمون هيرش" رائد الصحافة الاستقصائية في العالم، وهو الذي كشف عن مذبحة ماي لاي في فيتنام عام 1969، وكذلك وقوف أميركا وراء الخلافات الطائفية بين السنة والشيعة في لبنان، إضافة إلى تفجيره فضيحة سجن أبو غريب في العراق.
تاريخ التقصي بعد الوترجيت:
في المقابل ثمة من يربط دخول الصحافة الاستقصائية بمنحى جديد بعد التقرير الاستقصائي الذي فجره الصحفيان الأمريكيان "بوب وودوارد و کارل برنشتاین Bob Woodward & Cary Bernstein" في جريدة الواشنطن بوست The Washington Post تحت عنوان (كل رجال الرئيس)، والمتمثل بفضيحة "ووترغيت"، حيث لعب المراسلان أدواراً حاسمة في كشف ما يُعرف بأخطر فضيحة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بعدما توصلا عبر تحرياتهم إلى قرائن خلفتها سرقة في مبنى للمكاتب في "ووترغيت"، وقد دفعت التقارير الإخبارية الخاصة بالسرقة الكونغرس الأمريكي إلى بدء تحقيقات أدت في نهاية الأمر إلى إجبار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على الاستقالة من منصبه تحت تهديد عدم أهليته للحكم بعد إدانته هو وكبار معاونيه عام 1974، على خلفية فضيحة التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس، وبذلك تركت الفضيحة تأثيراً عميقاً على مهنة الصحافة، ودفع الشباب الذين تأثروا بأسلوبها المعتمد على المصادر الداخلية إلى الالتحاق بأقسام الصحافة الاستقصائية بالمؤسسات التي يعملون بها، وكذلك لقي التخصص في الجامعات إقبالاً، وهذا أسس لظهور ما سُمي بكتابة التقرير من الداخل ما ثبت أن الحقائق أقوى من الرأي على الرغم من محاولات تكذيبه، وبالتالي يعد البعض أن تاريخ الصحافة الاستقصائية دخل بعد هذا التاريخ مرحلة نوعية حيث أضحى يقسم منذ ذلك الحين إلى قسمين:
- التقصي (قبل) "الووترغيت".
- و(بعد) "الووترغيت".
صنع هذا التقسيم صورة ذهنية مختلفة للصحفي الاستقصائي، وأعاد تشكيل جوانب أساسية في مهنة التقصي على الرغم من الأساطير التي تختلف عن الواقع والمنقولة عن القضية، وبالتالي تفاوتت معدلات الاستقصاء (التحقيقات الصحفية) على مدى القرنين الماضيين بصورة واضحة حتى تاريخ الفضيحة الكاشفة عن أوراق البنتاغون.
وفي عام 1980 شكل بدء رواج استخدام تقنيات الحاسب الآلي لجمع المعلومات نقلة جديدة للصحافة الاستقصائية بعدما وجد الصحفيون أنفسهم أمام نظام تكنولوجي جديد، ومهام ومسؤوليات أخرى، وبالرغم من تفاوت استعداد تبني هذه الوسائل إلا أن الاهتمام بدأ يتزايد برؤية "ماير" وزملائه، حتى أصبح مفهوم التغطية الاستقصائية باستخدام الكمبيوتر يشتمل على جمع وتحليل المادة الصحفية عن طريق وسائل وقواعد البيانات الإلكترونية، وتحليل السجلات الإلكترونية العامة، وبناء قواعد معلومات نموذجية موثقة.
وصاحب هذا التطور للصحافة الاستقصائية نمواً متزايداً في توظيف الحاسبات الإلكترونية لأغراض تصنيف المعلومات والبيانات الكثيرة التي يحصل المحررون الاستقصائيون عليها، وتحليلها بشكل يساعدهم على الوصول إلى خلاصات كمية دقيقة، وقد ساعد على ذلك انتشار استخدام المؤسسات الحكومية والمؤسسات الخاصة للحاسبات الإلكترونية في تخزين المعلومات وتصنيفها واسترجاعها، ما أتاح إمكانية الحصول عليها بنفقات قليلة أو من دون نفقات على الإطلاق.
وبحلول عقد التسعينيات من القرن الماضي أصبحت الصحافة الاستقصائية نمطاً متميزاً، وقدمت كليات الصحافة والإعلام وأقسامها المتخصصة مناهج دراسية تتناول هذه الصحافة ومبادئها.
وخلال السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين أدت شبكة الإنترنت إلى تغيير كيفية تقديم القصص الاستقصائية حيث تظهر الدراسات أنه على الرغم من أن حجم ومضمون القصص الاستقصائية على الشبكة العنكبوتية لم يرتفع بصورة ثابتة خلال تلك السنوات إلا أن القدرة على القص تطورت أي القدرة على عرض المعلومات بصورة مترابطة ومشوقة (تحسن صياغة تقاريرها)، فضلاً عن إتاحة المجال لاستخدام المعلومات، وروابط الوثائق، واللقطات المصورة، وكذلك الخرائط والرسوم، وبحلول العقدين الأخيرين حددت الأدوات الرقمية كيفية قيام المحررين بجمع المعلومات من خلال دوائر المعارف، وكذلك قدمت الإنترنت أدوات جديدة ومؤثرة، وبخاصة فيما يتعلق بالتواصل وتوفير الرسوم والخرائط والوثائق وقواعد البيانات.
التقصي في الألفية الجديدة:
يذكر أنه حديثاً - مع دخول الألفية الجديدة - استمر تشكيل العديد من الهيئات والاتحادات للمحررين الاستقصائيين، بهدف تشجيع الصحافة الاستقصائية وتنميتها ولاسيما في ظل الخطر الذي يتعرض له الصحفيون المنقبون عن الفساد في سعيهم من أجل تعزيز الشفافية، والحكم المسؤول والحد من الفساد، ولعل أهمها شبكة الصحافة الاستقصائية العالمية Global Investigative Journalism Network سنة 2001، التي تشكلت على هيئة منتدى لتبادل أفضل الممارسات في مجال الصحافة الاستقصائية، وسرعان ما تطوّر إلى ظاهرة مدهشة، إذ ظهر أن أسلوب التحقيق الصحفي الاستقصائي القائم على حكاية ما تنطلق من فَرَضية، وكان منهجاً بصدد التجريب في بلدان عدة، ومن الأعضاء المؤسسين: "مارك هنتر" أستاذ الإعلام والصحافة الاستقصائية في جامعة باريس الثانية، وبيا ثوردسون عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين الاستقصائيين في الدانمرك، ونلز ميولفاد من المعهد الدانمركي للتغطية الإعلامية المدعومة بأجهزة الكومبيوتر وبرانت هيوستن من منظمة محرّرون وإعلاميون استقصائيون، وعليه كان لهذه الهيئات والاتحادات دورها في دعم الصحفيين الاستقصائيين، حيث باتوا أكثر عرضة للتهديد والقتل، حتى أنه خلال عام 2001 اغتيل 15 صحفياً لأسباب تتعلق بأعمال استقصاء عن قضايا الفساد وذلك من بين 68 صحفياً قتلوا في ذلك العام، وهذا رقم ينذر بالخطر.
التقصي على الساحة العربية:
أما على الساحة العربية فإن هذا اللون من الصحافة مارسته الصحافة العربية بشكل غير منهجي وبدرجات متفاوتة عبر تاريخها، وكانت أكبر تجلياته الكشف عن فضيحة الأسلحة الفاسدة التي تم تزويد الجيش المصري بها في مواجهته مع إسرائيل عام 1948، تلك الفضيحة التي فجرها الكاتب الصحفي “إحسان عبد القدوس" عام 1949.
خلاصة مراحل تطور الصحافة الاستقصائية:
يلخص محمد أبو حشيش المراحل التي مرت بها الصحافة الاستقصائية على النحو التالي:
1. المرحلة الأولى: الجذور عبر الممارسات في الصحافة التقليدية: وتمثلت في المواد الصحفية التي عالجت الظواهر الغامضة، وهذه كانت حاضرة منذ القدم في التجربة الصحفية الأمريكية مثل كشف "صحيفة الأحداث" العامة عام 1690 تعرض الجنود الفرنسيين للتعذيب الوحشي على أيدي القبائل الهندية الحمراء المتحالفة مع الجيش البريطاني في الأراضي الأمريكية.
2. المرحلة الثانية: الصحفيون المنقبون عن الفساد وهي حركة صحفية بدأت عام 1901، وبرزت كقوة مهمة عام 1906، ثم بلغت قمة النجاح عام 1911، وتبددت عام 1912.
3. المرحلة الثالثة: انطلاق مفهوم الصحافة الاستقصائية وكانت هذه في مرحلة السبعينيات وفيها تشكلت هيئات واتحادات خاصة بالصحافة الاستقصائية، وتم فتح تخصصات أكاديمية في المجال.
4. المرحلة الرابعة ترسيخ حضور الصحافة الاستقصائية: وتمثل ذلك في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات بزيادة دور الحاسوب والإنترنت وتوظيفهما كأدوات لجمع البيانات وتحليلها، وتوظيف مناهج البحث العلمي.