(بلوغ الأجل) في الآية التي هي مورد البحث يتضمن معنى (المشارفة على الانقضاء) أيضاً، وذلك بقرينة الإمساك في (فَأَمْسِكُوهُنَّ) [البقرة: 231] لأن الإمساك يكون على نوعين: الرجوع في العدة، والعقد الجديد بعد العدة.
والمراد من بلوغ الأجل هو كلا قسمي الإمساك؛ لأنّ (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ) [البقرة: 228] قرينة على وجود نوعين من الإمساك، ولا دليل على إخراج واحـد من هذين النوعين. كما يستفاد هذا التعميم أيضاً من (فَإِذَا بَلَغْنَ) [البقرة: 234].
والحاصل أن الآية التي هي مورد البحث تقع في سياق واحد مع الآية الثانية من سورة الطلاق، و(سَرِّحُوهُنَّ) [البقرة: 231] هي نفس (فَارِقُوهُنَّ) [الطلاق: 2] أما (فَأَمْسِكُوهُنَّ) [الطلاق: 2] فهي تعمّ كلا النوعين اللذين ذكرناهما.
إذن، فمفهوم (بلوغ الأجل) في الآية التي هـي مـورد البحث عام يشمل انتهاء المدة كما يشمل قُرب انتهائها، مثلما يستعمل الإمساك في العُرف أيضاً بمعناه الجامع، حيث يقال للشخص الذي يعود إلى زوجته السابقة بعقد جديد بعد انقضاء زمان عدتها: (أمسك هذه المرأة مرة أخرى).
واستعمال (بلوغ الأجل) بمعنى الإشراف على انتهاء الوقت هو استعمال مجازي ينشأ من علاقة (المشارفة)، مثلما يستعمل في العرف مفردتا (الوصول) و(البلوغ) للتعبير عن المسافر الذي دخل المدينة، كما تستعملان أيضاً للمسافر الذي لم يصل بعد إلا أنه وصل إلى مشارف تلك المدينة.
وعلاقة الإشراف هي التي تصحح إطلاق الإسم أو الفعل الذي يدلّ على وقوع أي شيء هو على وشك الوقوع، مثل آية (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم) [البقرة: 240] التي أُطلق فيها عنوان (التوقي) على الشخص الذي يعيش آخر مراحل عمره وهو الآن في حال الوصية. ومثل آية (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ) [المائدة: 6] التي أطلق فيها عنوان (القيام إلى الصلاة) على حالة الإشراف والتهيؤ للصلاة. وهذا الفنّ الأدبي ليس نادراً في النشر والأدب العربي، كما أنّ هناك نماذج من استخداماته في لغة القرآن والأحاديث.
ودعوى الإجماع على أنّ المراد من (بلوغ الأصل) هو الإشراف على البلوغ لا نفس البلوغ الذي هو انتهاء مدة العدة، ويدعمها سباق أو سياق الآية أيضاً؛ لأن الإمساك ـ الذي هو في مقابل التسريح. يمكن أن يكون في حال العدة، حتى لو كان له مصداق آخر أيضاً. ومن هنا فإنّ إحراز الإجماع التعبدي في هذا المورد هو من الأمور الصعبة.