أنواع الجرائم الناشئة عن عقد الزواج
المؤلف:
زينب علي حسن جبار
المصدر:
المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج
الجزء والصفحة:
بدون ص
2026-09-20
34
أن تحديد أنواع الجرائم الناشئة عن عقد الزواج يتطلب تناولها من حيث طبيعتها والجسامة والسلوك، وعليه سنقسم هذا الموضوع على فرعين نبين في الفرع الأول أنواعها من حيث الطبيعة، ونتناول في الفرع الثاني أنواعها من حيث الجسامة والسلوك، وعلى النحو الآتي.
الفرع الأول
من حيث طبيعتها
تقسم الجرائم حيث طبيعتها إلى عادية وسياسية، وقد أختلف الفقه في تبني معيار محدد للتمييز بينهما، فذهب أصحاب المذهب الشخصي إلى التمييز بين الجريمة العادية (1) والجريمة السياسية (2) من حيث الباعث على ارتكابها، إذ تعد جريمة سياسية إذا ارتكبت بباعث سياسي بينما تكون عادية إذا لم يكن الباعث على ارتكابها سياسياً (3) ، أما المذهب الموضوعي فلم يَعتدُ بالباعث بل بموضوع الحق المعتدى عليه، إذ تعد الجريمة سياسية إذا وقعت على الحقوق السياسية، أما إذا كان الحق المعتدى عليه من حقوق الأفراد غير السياسية فتكون الجريمة عادية ولو كان الباعث على ارتكابها سياسياً (4).
وبالنسبة للمشرع العراقي فقد تبنى المذهبين الموضوعي والشخصي في تعريف الجريمة السياسية، فاعتمد معياري الباعث والحق المعتدى عليه، وعد الجريمة سياسية إذا ارتكبت بباعث سياسي، أو إذا وقعت اعتداء على الحقوق السياسية العامة، أو الفردية، بينما تعد الجريمة عادية إذا لم ترتكب بباعث سياسي ولم تقع على الحقوق السياسية، إذ نصت المادة (20) من قانون العقوبات العراقي على أن (( تقسم الجرائم من حيث طبيعتها إلى عادية وسياسية))، أما المادة (21) من هذا القانون، فقد نصت على أن (أ) الجريمة السياسية هي الجريمة التي ترتكب بباعث سياسي أو تقع على الحقوق السياسية العامة أو الفردية وفيما عدا ذلك تعتبر الجريمة عادية، ومع ذلك لا تعتبر الجرائم التالية سياسية حتى لو كانت قد ارتكبت بباعث سياسي: 1- الجرائم التي ترتكب بباعث أناني دنيء . 2- الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي. 3- جرائم القتل العمد والشروع فيها . 4 - جريمة الاعتداء على حياة رئيس الدولة. 5- الجرائم الإرهابية. 6- الجرائم المخلة بالشرف كالسرقة والاختلاس والتزوير وخيانة الأمانة والاحتيال والرشوة وهتك العرض ب- على المحكمة إذا رأت أن الجريمة سياسية أن تبين ذلك في حكمها)).
وعلى الرغم من أن المشرع العراقي أخذ بالمعيارين الموضوعي والشخصي معاً، إلا أنه ضيق من المذهب الموضوعي حينما استثنى بعض الجرائم من وصف الجرائم السياسية ولو ارتكبت بباعث سياسي، إذ لم يعد الجرائم الواردة في الفقرة (أ) من المادة (21) من قانون العقوبات سياسية حتى لو ارتكبت بباعث سياسي، بل عدها جرائم عادية بغض النظر عن الباعث على ارتكابها.
كما أخذ المشرع السوري بهذا التقسيم، وقسم الجرائم من حيث طبيعتها إلى عادية وسياسية وأخذ بالمعيارين الشخصي والموضوعي معاً ، فعد الجريمة سياسية إذا ارتكبت بدافع سياسي أو إذا وقعت على الحقوق السياسية العامة أو الفردية، إذ نصت المادة (195) من قانون العقوبات على أن (( الجرائم السياسية هي الجرائم المقصودة التي أقدم عليها الفاعل بدافع سياسي، وهي كذلك الجرائم الواقعة على الحقوق السياسية العامة والفردية ما لم يكن الفاعل قد إنقاد لدافع أناني دنيء))، أما المشرع الأردني فلم تأخذ بتقسيم الجرائم من حيث طبيعتها على عادية وسياسية.
وبما أن صور الجرائم الناشئة عن عقد الزواج لا ترتكب بباعث سياسي كما لا تقع على الحقوق السياسية العامة أو الفردية فلا تعد جرائم سياسية، بل هي من الجرائم العادية.
الفرع الثاني
من حيث جسامة العقوبة والسلوك
سنبين في هذا الفرع أنواع الجرائم الناشئة عن عقد الزواج من حيث جسامة العقوبة والسلوك، وذلك في الفقرتين الآتيتين.
أولاً من حيث جسامة العقوبة :
تقسم الجرائم من حيث جسامة عقوبتها إلى جنايات وجنح ومخالفات، وقد أخذ المشرع العراقي بهذا التقسيم، إذ نصت المادة (23) من قانون العقوبات على ((الجرائم من حيث جسامتها ثلاثة انواع : الجنايات والجنح والمخالفات))، إذ تعد الجنايات أشد جسامة من الجنح وهذه أشد من المخالفات ويحدد نوع العقوبة المقررة للجريمة من خلال حدها الاقصى حيث أنه الضابط لمعرفة جسامة تلك الجريمة (5) ، وقد عرف المشرع العراقي الجناية في المادة (25) إذ جاء فيها ((الجناية هي الجريمة المعاقب عليها بأحدى العقوبات التالية : 1- الاعدام. 2- السجن المؤبد. 3 - السجن أكثر من خمس سنوات الى خمس عشر سنة))، ونصت المادة (26) من القانون المذكور على أن (( الجنحة هي الجريمة المعاقب عليها بأحدى العقوبتين التاليتين: 1- الحبس الشديد أو البسيط أكثر من ثلاثة اشهر الى خمس سنوات. 2- الغرامة))، كما نصت المادة (27) من هذا القانون على أن ((المخالفة هي الجريمة المعاقب عليها بإحدى العقوبتين التاليتين : 1- الحبس البسيط لمدة أربع وعشرين ساعة إلى ثلاثة أشهر. 2- الغرامة التي لا يزيد مقدارها على ثلاثين ديناراً))، وبما أن المشرع العراقي عاقب على جريمة إبداء أقوال غير صحيحة أمام السلطات المختصة تتعلق بعقد الزواج وجريمة زنا الزوجية وجريمة تحريض الزوجة على الزنا وجريمة الامتناع عن أداء النفقة الزوجية بالحبس أو الغرامة وجريمة الزواج من ثانية بغير إذن من المحكمة، وجريمة عقد الزواج خارج المحكمة وجريمة المنع من الزواج والإكراه على الزواج إذا كان مرتكبها قريباً من الدرجة الأولى، فتعد هذه الجرائم من الجنح في التشريع العراقي، بينما عاقب على جريمة التوصل إلى عقد زواج باطل وجريمة المنع من الزواج والإكراه على الزواج إذا كان مرتكبها من الأقارب من غير الدرجة الأولى أو من الأغيار بالسجن، فتعد من جرائم الجنايات في التشريع العراقي (6).
وفي التشريع السوري نصت المادة (37) من قانون العقوبات على ((أن العقوبات الجنائية العادية هي : 1- الإعدام – 2- الأشغال الشاقة المؤبدة 3 - الاعتقال المؤبد. 4 - الأشغال الشاقة الموقتة. 5- الاعتقال الموقت)) ، ونصت المادة (38) من هذا القانون على ((أن العقوبات الجنائية السياسية هي: -1 الاعتقال المؤبد 2- الاعتقال المؤقت. 3- الإقامة الجبرية. 4 - التجريد المدني))، كما نصت المادة (39) على ((أن العقوبات الجنحة العادية هي: 1- الحبس مع التشغيل. 2- الحبس البسيط 3- الغرامة، وبما أن المشرع السوري عاقب على الجرائم الناشئة عن عقد الزواج بالحبس أو الغرامة فتعد من جرائم الجنح (7).
أما المشرع الأردني فقد نص في المادة (14) من قانون العقوبات على ((العقوبات الجنائية هي : 1 - الاعدام. 2- الاشغال الشاقة المؤبدة 3- الاعتقال المؤبد. 4- الاشغال الشاقة المؤقتة. 5- الاعتقال المؤبد ))، ونصت المادة (15) منه على العقوبات الجنحة هي :1- الحبس. 2- الغرامة 3- الربط بكفالة ، كما نصت المادة (16) على أن ((العقوبات التكديرية: 1 - الحبس التكديري 2 –الغرامة ))، وبما أنه عاقب على صور المسؤولية الجزائية الناشئة عن عقد الزواج بالحبس أو الغرامة فتعد من جرائم الجنح في التشريع الأردني (8).
ثانياً - من حيث السلوك :
تقسم الجرائم من حيث سلوك مرتكبها على تقسيمات متعددة ، فمن حيث مظهر السلوك تقسم إلى جرائم ايجابية وجرائم سلبية، ويراد بالجريمة الايجابية تلك الجريمة التي تقع بفعل مادي إيجابي يتحقق عند القيام بعمل يجرمه القانون (9)، أما الجريمة السلبية فهي الجريمة التي تقع عند الامتناع عن القيام بفعل يوجب القانون القيام به ويرتب على عدم القيام به عقوبة (10).
وبما أن سلوك الجاني في الجرائم الناشئة عن عقد الزواج بعضه إيجابي وبعضه سلبي، فبالنسبة لإبداء أقوال غير صحيحة أمام السلطات المختصة تتعلق بعقد الزواج وزنا الزوجية وتحريض الزوجة على الزنا، وعقد الزواج خارج المحكمة والمنع من الزواج والإكراه على الزواج والتوصل لعقد زواج باطل وعقد الزواج على محرم جرائم إيجابية، أما جريمة الزواج من ثانية بغير إذن من المحكمة وجريمة الامتناع عن أداء النفقة الزوجية فهما جريمتين سلبيتين، ومن المعروف أن أهمية التمييز بين الجرائم الإيجابية والجرائم السلبية تظهر في موضوع الشروع، إذ يكون في الجرائم الإيجابية دون السلبية، وبما أن جريمة الامتناع عن أداء النفقة الزوجية تعد من الجرائم السلبية فلا يتصور حصول الشروع فيها، فأما أن تقع تامة أو لا تقع، أما ما عدا ذلك من الجرائم الناشئة عن عقد الزواج فمن الممكن أن يحصل فيها الشروع سواء بصورته التامة أو الناقصة (11).
أما من حيث توقيت السلوك الإجرامي أو استمراره فتقسم الجرائم على جرائم وقتية وجرائم مستمرة، وقد عرفت الجريمة الوقتية بأنها تلك الجريمة التي تتكون من فعل يقع وتنتهي بوقوعه، أما الجريمة المستمرة فهي التي تتكون من فعل يحمل الاستمرار بطبيعته وتتطلب حيزاً من الزمن ينبغي أن يكون كافياً لتحققها (12).
وتعد الجرائم الناشئة عن عقد الزواج وقتية وبعضها مستمرة، فبالنسبة لجريمة إبداء أقوال غير صحيحة أمام السلطات المختصة تتعلق بعقد الزواج وجريمة زنا الزوجية وجريمة تحريض الزوجة على الزنا وجريمة عقد الزواج خارج المحكمة وجريمة الإكراه على الزواج وجريمة التوصل إلى عقد زواج باطل جرائم وقتية، كونها تتطلب وقتاً محدوداً ولا تتطلب الاستمرار بطبيعتها، أما جريمة الامتناع عن أداء النفقة الزوجية وجريمة الزواج من زوجة ثانية بغير إذن من المحكمة، وجريمة المنع من الزواج فهي جرائم مستمرة، لأنها لا تتحقق خلال وقت قصير وإنما تتطلب الاستمرار بطبيعتها (13).
ومن حيث انفراد السلوك أو تكراره تقسم الجرائم على جرائم بسيطة وجرائم اعتياد، والجريمة البسيطة هي التي تقع بفعل واحد ولا تتطلب تكراره أو الاعتياد عليه (14)، أما جريمة الاعتياد فهي التي تتكون من عدة أفعال تتطلب التكرار والاعتياد (15)، فان كان الفعل في ذاته كافياً لتكوين ماديات الجريمة عدت الجريمة من الجرائم البسيطة أما إذا كان يتطلب التكرار فالجريمة من جرائم الاعتياد (16).
وتعد الجرائم الناشئة عن عقد الزواج من الجرائم البسيطة وليست من جرائم الاعتياد كونها تتحقق بمجرد ارتكاب الفعل المكون لها لمرة واحدة فحسب ولا تتطلب تكراره أو الاعتياد عليه، بل يكفي ارتكاب أي من الأفعال المكونة لها ولو حصل ذلك لمرة واحدة فحسب، وعلى هذا الأساس تعد جرائم بسيطة وليست من جرائم الاعتياد (17)، ويستثنى من ذلك جريمة زنا الزوج في منزل الزوجية في قانون العقوبات البغدادي التي تعد من جرائم الاعتياد وليست جريمة بسيطة، كونها لا تتحقق بمجرد ارتكاب الزوج لفعل الزنا في منزل الزوجية لمرة واحدة مالم يتم تكراره (18).
__________
1- يراد بالجرائم العادية (( تلك الجرائم التي لا تشكل اعتداء على سيادة الدولة أو استقلالها أو وحدة أراضيها، ولا فرق في ذلك أن ينصب الاعتداء على الأفراد أم الدولة طالما يتجرد موضوع الاعتداء من الصفة السياسية))، د. منذر عرفات ،زيتون الجريمة السياسية في الشريعة الإسلامية والقانون، ط 1، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، عمان، 2003، ص 24.
2- يراد بالجرائم السياسية تلك الجرائم التي تنطوي على معنى الاعتداء على نظام الدولة السياسي سواء من جهة الخارج أي المساس باستقلالها، أو سيادتها، أو من جهة الداخل أي المساس بشكل الحكومة، أم نظام السلطات العامة، أم حقوق الأفراد السياسية))، د. محمود محمود ، مصطفی شرح قانون العقوبات القسم العام، ط 10 ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1983، ص 53.
3- ينظر، جندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، ج 3، دار العلم للجميع، بيروت، بلا سنة نشر، ص 49 - 50.
4- د. علي حسين الخلف و د. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، شركة العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2009 ، ص 297 - 301
5- من الجدير بالذكر أن المشرع العراقي ذكر في المادة (23) من قانون العقوبات أن الجرائم من حيث جسامتها تقسم إلى جنايات وجنح ومخالفات والصحيح أن هذا التقسيم هو من حيث جسامة العقوبة وليس من حيث جسامة الجريمة.
6- للمزيد من التفصيل، ينظر المواد من ،(294، 376، 377 ، 380 ،381) من قانون العقوبات العراقي والمواد من (3، 9، 10) من قانون الأحوال الشخصية العراقي.
7- للمزيد من التفصيل، ينظر ، المواد من (469، 170، 71 ، 475، 488) من قانون العقوبات السوري.
8- للمزيد من التفصيل، ينظر المواد من (279، 280 ، 282 ،283 ، 284) من قانون العقوبات الأردني النافذ.
9- د. علي راشد، القانون الجنائي المدخل وأصول النظرية العامة، دار النهضة العربية، مصر، القاهرة، 1974، ص 226.
10- ردينة إبراهيم حسين الرفاعي الجرائم السلبية وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي المقارن، أطروحة دكتوراه، كلية الدراسات العلياء الجامعة الأردنية عمان، 1997، ص18.
11- ينظر، د. علي حسين الخلف و د. سلطان عبد القادر الشاوي، المبادئ العامة في قانون العقوبات، شركة العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، 2009 ، ص308.
12- د. المتولي صالح الشاعر ، تعريف الجريمة واركانها من وجهة نظر مستحدثة، دار الكتب القانونية، القاهرة، 2003، ص80.
13- دلعة إيمان الجرائم الأسرية في التشريع الجزائري، رسالة ماجستير كمية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم الجزائر، 2019، ص22.
14- د. د. سمير عالية، شرح قانون العقوبات القسم الأول، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، لبنان بيروت، 2002، ص196.
15- جندي عبد الملك، الموسوعة الجنائية، ج 3، جرائم الربا الفاحش، ط 2 ، دار العلم للجميع، بيروت، بلا سنة نشر، ص 41.
16- د. محمود نجيب حسني شرح قانون العقوبات القسم العام - النظرية العامة للجريمة، دار النهضة العربية مصر، القاهرة، 1962، ص 371.
17- دلعة إيمان الجرائم الأسرية في التشريع الجزائري، رسالة ماجستير كمية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم الجزائر، 2019 ص 21 23
18- نصت المادة (241) من قانون العقوبات البغدادي لسنة 1918 (الملغى) على أن ((كل زوج زنى غير مرة في منزل الزوجية وثبت عليه هذا الأمر بدعوى زوجته يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين وبغرامة لا تتجاوز مائة ليرة)) وتقابلها المادة (201) من قانون الجزاء العثماني لعام 1858 (الملغى).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة