يقال للقمار: (ميسر) لانه يجلب المال بسهولة و(يسر) أو لانه يأخذ مال و(يسار) الخاسر[1].
خلق الله الانسان في ألم وتعب: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4] وأسكنه في الأرض وهيأ له أسباب معيشته: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) [الأعراف: 10].
ولو أن شخصا ما أراد أن يصبح ثريا بسهولة وبدون ثمن فمثل هذا الشخص لم يسلك الطريق الصحيح للارتزاق اذ رغم وجود الرضا المسبق في القمار إلا أنه ليس بتجارة ومن هنا فهو يعد من مصاديق أكل المال بالباطل.
وتوضيح ذلك أن المال ينتقل لا إراديا أحيانا مثل الارث وإراديا أحيانا اخرى مثل البيع ونظائره في العقود الإسلامية ويجب في عمليات النقل والانتقال الاختيارين أن يكون استبدال عين بعين أو منفعة بمنفعة أو حق بحق ضمن أحد العقود الاسلامية وأي شكل من أشكال التعهد بالسلعة أو العمل الذي ليس له مالية في ميزان العقل أو النقل المعتبر يعد باطلا.
إذن يكون تعهد الطرفين بالنقل والانتقال في بيع الخمر أو لعب القمار مشابها لهذا التعهد الباطل لأنه التزام بأكل المال بالباطل وهو الذي نهى عنه القرآن بصراحة: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) [النساء: 29] وعدته الكتب الفقهية ضمن المكاسب المحرمة[2].
بين القرآن الكريم حرمة القمار بأشكال مختلفة فاعتبره حينا ذنبا كبيرا (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) [البقرة: 219] وحينا آخر رجسا ومن عمل الشيطان وحينا من أدوات الفتنة وشيطنة الشيطان مع التصريح بحرمة جميع أقسامه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) [المائدة:90-91].
كما أشار الى حرمة بعض أقسام القمار وعد ذلك في عداد المحرمات: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ.... وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ)[3] [المائدة: 3] والاستقسام بالازلام هو تقسيم المال عن طريق الاقتراع بالأسهم وهو نوع من القمار ومن الألعاب الخاصة التي كان الفوز أو الخسارة يحصل بواسطتها.
القمار في الجاهلية القديمة والحديثة:
نقل بعض المفسرين كالطبري والزخمشري والقرطبي عن ابن عباس أن الخاسر في القمار كان في بعض الاحيان يضطر الى خسارة كل أسباب عيشه التي يعرضها للبيع أو يعرضها للتلف والسلب حتى ان الشخص الغالب لا يكتفي بالاستحواذ على أموال الخاسر جميعها بل يغنم منه زوجته أيضا ويسلبها منه أي إن الزوجة كانت مثل المال عرضة للربح أو الخسارة[4]. وقد كانت وصمة القمار مذلة ومحتقرة الى درجة أنه حين ذكرت حرمة القمار مترادفة مع حرمة الخمر غلبت عليها فكادت تغطي على قباحتها[5]، حتى شعر بالخجل حينذاك بعض من كان يشرب الخمر من هذا المعيب. أما ما يجري الآن في الجاهلية الحديثة أي العصرانية والتجديد فهو نفس تلك الجاهلية القديمة بالضبط فالرجس في أي إناء وضع لا يطهر، بل بلوث الاناء الجديد أيضا إن البحث عن منظومة القيم يجب أن يتم في محيط الكوثر لا في معرض التكاثر، وإلا سيزدهر سوق الخمر والقمار وينكمش سوق العقل والاقتصاد السالم.
من الضروري الانتباه إلى أنّ ما استثني من الميسر في (السبق والرماية) هـو ذلك الذي ينفع في ميادين الجهاد والدفاع عن الكيان الإسلامي، لا ذلك الدارج والرائج في سوق التظاهر والتفاخر والتكاثر، والذي ينفر من بيت أ ست أُمّ القــرى وينجذب نحو بيت بنت العنب ويركن إليه.
[1] راجع: الكشاف عن حقائق التنزيل ج1 ص261
[2] راجع: جواهر الكلام ج22 ص109-111
[3] هذه الاية الشريفة تشير الى أن الحصر في الاية 90 من سورة المائدة هو حصر اضافي لا حقيقي لأن الكثير من المحرمات التي لم ترد في تلك الاية قد تم بيانها في هذه الاية.
[4] جامع البيان مج2 ج2 ص475 الكشاف عن حقائق التنزيل ج1، 261 الجامع لأحكام القرآن مج2 ج3 ص50
[5] راجع: روح المعاني ج2، ص173 وراجع تفسير البحر المحيط ج4 ص17.