العوامل السكانية المؤثرة في الزراعة
المؤلف:
د. عبد الزهرة علي الجنابي
المصدر:
جغرافية العراق الإقليمية بمنظور معاصر
الجزء والصفحة:
ص 189 ـ 192
2026-09-08
31
1ـ قوة العمل:
تعتمد قوة العمل الزراعي على سكان الريف بالدرجة الأولى، وإذ بدأت نسبة سكان الريف في العراق بالتراجع بوتيرة متسارعة بعد ثورة تموز 1958 بهجرة متعاظمة من الريف نحو المدن عامة وبغداد بوجه خاص وبينما كان سكان الريف يمثلون الجزء الأكبر من السكان ، فان نسبتهم قد تراجعت الى النصف عام 1965 واستمر هذا التراجع حتى تدنت الى أقل من 25% من اجمالي السكان في الوقت الحاضرانعكس هذا التغيير الديموغرافي سلباً على القطاع الزراعي بقلة واضحة في الأيدي العاملة الزراعية وما تمثله من اجمالي هيكل القوى العاملة حتى وصلت نسبتهم الى ما دون 11% منها فقط ، مع تراجع اسهام الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي الى 12 عام 2006، ثم الى 4 حاليا ان هذا يشير الى تدني واضح في إنتاجية العمل الزراعي، مما يضطر العاملين في هذا القطاع الى التحول نحو العمل في قطاعات اقتصادية أخرى.
إن من المعروف ان بالإمكان التعويض عن النقص في قوة العمل باستخدام مزيد من المكائن والمعدات، وهذا ما عمدت اليه معظم الدول المتقدمة، ففي فرنسا لا تزيد قوة العمل الزراعية عن 7% من اجمالي قوة العمل، فيما لا تزيد نسبتهم عن 2.3% في الولايات المتحدة رغم ما حققته هذه البلدان من تطور ليس في تحقيق الاكتفاء الذاتي وحسب ، وانما في تصدير كميات هائلة من المنتجات الزراعية الى الخارج الا ان المشكلة تظل قائمة متمثلة بتدني عائد العمل الزراعي وانتاجية وحدة المساحة مقابل كلفة الإنتاج العالية، وبالتالي انخفاض دخل العاملين في هذا القطاع.
2ـ المكننة الزراعية: يتباين استخدام المكننة في العمليات الزراعية تبعاً للعديد من العوامل منها: حجم المزرعة، طوبوغرافية الأرض، نوع المحاصيل خصائص التربة، المناخ وكلف شرائها.
سعت الجهات الحكومية المعنية بتطوير القطاع الزراعي في العراق الى تلافي النقص في قوة العمل الزراعي بإدخال المكائن والمعدات تصنيعاً واستيراداً ، وتجهيزها الى المزارعين بأسعار مدعومة، وأهمها الساحبات والحاصدات والمضخات، حتى ان أعدادها كانت تتضاعف كل عقد من السنين، فوصلت أعدادها الى 73 ألف ساحبة تراكتور، 83 ألف حاصدة و 134 ألف مضخة ماء انعكس كل ذلك ايجاباً في تحسين نوعية التربة وسرعة انجاز العمليات الزراعية وخفض تكاليف الإنتاج وزيادة المساحات المزروعة ورفع انتاجيتها ولكنه كان دون المستوى المطلوب. وحصل تحسن مماثل أيضاً في مجال إدخال تقنيات الري الحديثة مثل الري بالرش والتنقيط، وإدخال البذور المحسنة وتبطين قنوات الري لتقليل الضائعات المائية، الا ان ما تعرضت له البلاد عامة والقطاعين الزراعي والصناعي بعد عام 2003 أطاح بالمنجزات السابقة ان أهم ما يعرقل الاستخدام الواسع للمكننة في العراق حالياً هو صغر حجوم الملكيات الزراعية بسبب تفتت الملكية الناتج عن نظام الإرث الإسلامي. وعموما فإن القطاع الزراعي يحتاج الى التوسع في استخدام المكننة في طيف واسع من العمليات الزراعية ولمحاصيل عديدة منها عمليات جني القطن والذرة الصفراء وفول الصويا، وفي تلقيح النخيل وجني التمور والفواكه، وفي كافة مراحل زراعة القمح والشعير والشلب.
3ـ السياسات الزراعية:
ان للسياسات والبرامج الحكومية دور هام في التأثير على القطاعات الاقتصادية المحلية ومنها القطاع الزراعي ، فبينما كان العراق يتعرض الى حصار اقتصادي خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، كانت السياسات الحكومية تقوم على دعم الإنتاج الزراعي المحلي بشتى السبل في محاولة للتخفيف من وطأة هذا الحصار، الا ان هذه السياسات تبدلت كلياً بعد عام 2003 بتوجه الدولة نحو سياسة الانفتاح الاقتصادي، واعتماد نظام اقتصاد السوق ، وفتح أبواب التجارة الخارجية من دون ضوابط مدعومة بوفرة مالية في الدخل القومي والفردي، انعكست هذه السياسة سلباً على النشاط الزراعي، فتدنى الإنتاج المحلي كماً ونوعاً، وتراجعت المساحات المزروعة، وبدلاً من الاكتفاء الذاتي صارت البلاد تستورد قرابة 60% من احتياجها من المنتجات الزراعية. إن تعديل هذا الوضع الشاذ يتطلب دوراً رشيداً للدولة في جوانب ومجالات عديدة منها توفير البذور والأسمدة ومكافحة الآفات بأسعار مدعومة، تقنين وضبط عمليات الاستيراد من المنتجات الزراعية التي يمكن انتاجها محلياً، المساعدة في تسويق الإنتاج المحلي، تسهيل عمليات الاقراض، ادخال المزيد من تقنيات الإنتاج الحديثة بأسعار مدعومة، وتشجيع المبادرات الزراعية الفردية المختلفة، تشجيع عمليات تصدير المنتجات الزراعية.
4ـ إدارة الأرض الزراعية ومن العوامل الهامة المؤثرة في العملية الإنتاجية هو إدارة العمليات الزراعية بكفاءة، وتعتمد الإدارة الكفؤة على مستوى التعليم والثقافة والإرشاد التي يحصل عليها المزارعون والفلاحون وتظهر نتائجها بعدة جوانب أهمها اعتماد نظام التبوير من عدمه، إدخال المكننة في مراحل العمليات الزراعية اختيار المحصول المناسب بحسب طبيعة التربة إدخال الأصناف النباتية والحيوانية ذات الإنتاجية العالية، استخدام الأسمدة الكيمياوية بحسب خصائص كل نبات ومراحل نموه، الري بطريقة معتدلة بعيداً عن الإسراف أو الشح، مكافحة الآفات والأمراض، اختيار المواعيد المناسبة للعمليات الزراعية والحصاد وجمع و تصنيف ونقل وتسويق الإنتاج، فضلاً عن العديد من المفردات التي يجب أن يُحسن فيها المُنتج الزراعي اتخاذ القرار، وهذه القرارات تترك نتائج هامة على مقدار العائد من الإنتاج، وبالتالي إما أن تكون عوامل تشجيع أو إحباط.
إن جملة هذه النواحي ترتبط بمستوى الوعي المكتسب والتعليمي والمهني والإرشادي للمزارع، وللجهات الحكومية دور هام في إيصالها بصيغة تعليم وبرامج ودورات وزيارات وورش عمل ومزارع نموذجية وحقول تربية نظامية للحيوانات، وجميعها يحتاجها القطاع الزراعي في العراق بدرجة كبيرة للرقي بمستوى الزراعة التي لا تزال متخلفة كثيراً عن البلدان المتقدمة. إن إدارة الأرض الزراعية أصبحت عاملاً حاسماً في نجاح أو فشل العمليات الزراعية في مراحلها ونتائجها.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في الجغرافية الزراعية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة