قد عرفت بعض التفاصيل في هذه المسألة في صدر البحث. وقد حان وقت البحث عنها وتحليلها بشكل يناسب وضع الكتاب.
أ ـ الله سبحانه لا يقدر على فعل القبيح: استدل النّظّام على أنّه تعالى لا يقدر على القبيح بأنه لو كان قادرا عليه لصدر عنه ، فيكون إما جاهلا بقبحه أو محتاجا إلى فعله وكلا الأمرين محال.
والإجابة عنه واضحة ، إذ المقصود قدرته على القبيح وأنها بالنسبة إليه وإلى الحسن سواء. فكما هو قادر على إرسال المطيع إلى الجنة قادر على إدخاله النار. وليس هنا ما يعجزه عن ذلك العمل. لكن لما كان هذا العمل مخالفا لحكمته سبحانه وعدله وقسطه ، فلا يصدر عنه. لأن القبيح لا يرتكبه الفاعل إلّا لجهله بقبحه أو لحاجته إليه. وكلا الأمرين منتفيان عن ساحته المقدّسة. فكم فرق بين عدم القدرة على الشيء أصلا وعدم القيام به لعدم الداعي. فالوالد المشفق قادر على ذبح ولده ، ولكن الدواعي إلى هذا الفعل منتفية، ولا يصدر هذا الفعل إلّا من جاهل شقيّ أو محتاج معدم. فالنّظّام خلط بين عدم القدرة وعدم الداعي.
ب ـ عدم قدرته تعالى على خلاف معلومه: ذهب عبّاد بن سليمان الصّيمري إلى عدم سعة قدرته قائلا بأنّ ما علم الله تعالى وقوعه ، يقع قطعا ، فهو واجب الوقوع ، وما علم عدم وقوعه لا يقع قطعا ، فهو ممتنع الوقوع. وما هو واجب أو ممتنع لا تتعلق به القدرة ، إذ القدرة تتعلق بشيء يصح وقوعه ولا وقوعه. والشيء الذي صار ـ حسب تعلق علمه ـ أحادي التعلق ، أي ذا حالة واحدة حتمية ، لا يقع في إطار القدرة.
مثلا : إذا علم سبحانه وتعالى ولادة رجل في زمن معيّن ، يكون وجوده في ذاك الزمن قطعيا ومعلوما ، فلا تتعلق قدرته بعدمه الذي هو خلاف ما علم. لأن المفروض أنّ وجوده صار واجبا وعدمه صار ممتنعا ، لكون علمه كاشفا عن الواقع كشفا تاما.
والإجابة عنه بوجهين : أما أولا ـ فلأن لازم ما ذكره أن لا تتعلق قدرته بأي شيء أصلا. لأنّ كل شيء إما أن يكون معلوم التحقق في علمه سبحانه أو معلوم العدم. فالأول واجب التحقق ، والثاني ممتنعه. فيكون كل شيء داخلا في أحد هذين الإطارين ، فيلزم أن يمتنع توصيفه بالقدرة على أي شيء ، وهو مسلّم البطلان.
وثانيا ـ إنّ ابن عبّاد لم يفرق بين الواجب بالذات والواجب بالغير ، كما لم يفرق بين الممتنع بالذات والممتنع بالغير. فالمانع من تعلق القدرة هو الوجود والامتناع الذاتيان ، لا الوجود والامتناع الغيريان اللاحقان بالشيء من جانب وجود علته ومن جانب عدم علته.
توضيحه : إنّ كلّ شيء تتعلق به القدرة يجب أن يكون في حدّ ذاته ممكنا تتساوى إليه نسبة الوجود والعدم. وكونه واجب الوجود عند وجود علته لا يخرجه عن حدّ الإمكان. كما أنّ كونه ممتنع الوجود عند عدم علته لا يخرجه عن ذلك الحد. وعلى ذلك فمعلومه سبحانه ، وإن كان بين محقّق الوجود أو محقّق العدم ـ أي بين ضرورة الوجود بالنسبة إلى وجود علته وضرورة العدم بالنسبة إلى عدم علّته ـ لكن هذه الضرورة في كلا الطرفين لا تجعل الشيء واجبا بالذات أو ممتنعا كذلك. بل الشيء حتى بعد لحوق الضرورة أو الامتناع من جانب وجود علّته أو عدمه ، موصوف بالإمكان غير خارج عن حد الاستواء.
ففي المثال المفروض ـ أعني ولادة الإنسان في وقت معين ـ قد تعلق علمه وإرادته سبحانه على خلقه في ذاك الظرف ، ولا يقع نقيضه. ولكن عدم وقوعه ليس لأجل عدم قدرته سبحانه عليه ، بل في وسعه سبحانه قطع الفيض وعدم خلق المعلوم ، بل لكونه على خلاف ما علم وأراد ، فكم فرق بين عدم القيام بالشيء (عدم الخلقة) لأجل كونه خلاف ما علم صلاحه ، وعدم قدرته عليه.
ج ـ عدم قدرته تعالى على مثل مقدور العبد: ذهب البلخي إلى أنّ الله تعالى لا يقدر على مثل مقدور العبد ، لأنه إمّا طاعة أو معصية أو عبث ، وفعل الإنسان لا يخرج عن هذه العناوين الثلاثة ، وكلّها مستحيلة عليه تعالى وإلّا لزم اتصاف فعله بالطاعة أو المعصية أو العبث. والأوّلان يستلزمان أن يكون لله تعالى آمر ، وهو محال. والأخير يدخل تحت القبيح وهو مستحيل عليه سبحانه. وقد مرّت الإجابة عن عدم قدرته على القبيح فلا نعيد. وأمّا الأولان فنقول :
إنّ الطاعة والمعصية ليستا من الأمور الحقيقية القائمة بالشيء نفسه ، بل هما أمران يدركهما العقل من مطابقة الفعل للمأمور به ومخالفته له. فعندئذ ليس هنا أي إشكال في قدرته سبحانه على مثل ما قام به العبد بما هو مثل ، بأن يكون فعله سبحانه متحد الذات والهيئة مع فعل العبد وهيئته. وأما عدم اتصاف فعله سبحانه حينئذ بوصف الطاعة والعصيان فلا يضرّ بقدرته تعالى على مثل ما أتى به الإنسان ، لأن الملاك في المثليّة هو واقعية الفعل وحقيقته الخارجية لا العناوين الاعتبارية أو الانتزاعية غير الداخلة في حقيقة الشيء. وإلى ما ذكرنا ينظر قول العلامة الحلّي في شرح التجريد : «إنّ الطاعة والعبث وصفان لا يقتضيان الاختلاف الذاتي» (1).
نفترض أنّ إنسانا قام ببناء بيت امتثالا لأمر آمره ، فالله سبحانه قادر على إيجاد مثل ذلك البيت من دون تفاوت قدر شعرة بينهما ويتّسم فعل العبد بالطاعة دون فعله سبحانه ، لكن ذلك لا يوجد فرقا جوهريا بين الفعلين ، بل الفعلان متحدان ماهية وهيئة.
وإنما الاختلاف في الأمر الاعتباري أو الانتزاعي ، ففعل الإنسان إذا نسب إلى أمر الآمر يتّسم بالطاعة دون فعله سبحانه. وهذا لا يوجب التّقول بأنه سبحانه لا يقدر على مثل فعل عبده.
نعم ، هناك أفعال صادرة عن الإنسان بالمباشرة ، قائمة به قيام العرض بالموضوع ، كالشرب والأكل. فعدم صدورهما عن الله سبحانه سببه كونهما من الأفعال المادية القائمة بالموضوع المادي ، والله سبحانه منزه عن المادة ، فلا يتصف بهذه الأفعال. ومع ذلك كله : فالإنسان وما يصدر منه من الأفعال المباشرة بإقداره سبحانه وحوله وقوته ، بحيث لو انقطع الفيض من ربه لصار الإنسان مع فعله خبرا بعد أثر.
د ـ عدم قدرته تعالى على عين مقدور العبد: ذهب الجبّائيّان إلى عدم سعة قدرته سبحانه ، كما ذهب من تقدم ، ولكن بتفصيل آخر ، وهو أنّه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد ، وإلّا لزم اجتماع النقيضين إذا أراده الله وكرهه العبد ، أو بالعكس.
بيان الملازمة: إنّ المقدور من شأنه الوقوع عند داعي القادر عليه ، والبقاء على العدم عند وجود صارفه. فلو كان مقدور واحد واقعا من قادرين ، وفرضنا وجود داع لأحدهما ووجود صارف للآخر في وقت واحد ، لزم أن يوجد بالنظر إلى الدّاعي وأن يبقى على العدم بالنظر إلى الصارف ، فيكون موجودا غير موجود ، وهما متناقضان.
والجواب: أولا ـ إنّ الامتناع لا يختص بالصورة التي ذكرها الجبّائيّان أعني التي تعلّق فيها داعي أحدهما بالفعل وصارف الآخر بعدمه، بل يجري الامتناع فيما إذا تعلقت إرادة كل منهما بإيجاد نفس المقدور وعينه، فإنّ لازم ذلك اجتماع علّتين تامّتين على معلول واحد.
ثانيا ـ إنّ عدم قدرته سبحانه على عين فعل العبد ، لأجل أنّها إنّما تتعلق بالممكن بما هو ممكن فإذا صار ممتنعا ومحالا ، فلا تتعلق به القدرة. وعدم تعلّقها بالممتنع لا يدل على عدم سعتها. وما فرضه الجبّائيّان من الصور ، أو ما أضفناه إليها لا يثبت أكثر من أنّ صدور الفعل في تلك الظروف محال لاستلزامه اجتماع النقيضين ـ في فرض الجبّائيان ـ أو اجتماع العلّتين التامتين على معلول واحد كما في فرضنا. وما هو محال خارج عن إطار القدرة ولا يطلق عليه عدم القدرة.
وثالثا ـ ما ذا يريدان من قولهما «عين مقدور العبد»؟ هل يريدان منه الشيء قبل وجوده ، أو بعده؟ فإذا أرادا الأول فلا عينية ولا تشخّص في هذا الظرف ولا يتجاوز الشيء في هذه المرحلة عن كونه مفهوما كليا. وإن أرادا الثاني ، فعدم تعلق القدرة عليه إنما هو لأنه من قبيل تحصيل الحاصل وهو محال. والمحال خارج عن إطار القدرة.
ورابعا ـ إن ما ذكراه من «تعلق إرادة العبد على إيجاده وتعلق إرادته سبحانه على نقيضه» ، فكرة ثنوية وجدت في الأوساط الإسلامية حيث تصوّر أنّ فعل العبد مخلوق له وليس مخلوقا لله سبحانه بالتسبيب وأنّ هناك فاعلين مستقلين (الله وعبده) ، ولكل مجاله الخاص. وعند ذلك لا يرتبط مقدور العبد بالله سبحانه بصلة.
غير أنّ ذلك باطل كما سنبيّنه في التوحيد في الخالقيّة. فكل فاعل مختارا كان أو غيره ، لا يقوم بالفعل إلّا بإقداره سبحانه وإرادته. فلو أراد العبد ، فإنما يريد بإرادة الله وقدرته على وجه لا يوجب الإلجاء والاضطرار كما سنشرحه بإذنه سبحانه.
_______________
(1) كشف المراد ، ص 174 ـ طبعة صيدا.