إن الذي يُبعد الإنسان عن ذكر الله ويظهر بمظهر الذنب وتتصاعد منه رائحة المصيبة المتعفنة هو الدنيا، ومن هنا فإن الدنيا المذمومة في ثقافة الوحي غير السماء والأرض والبحار والقفار التي هي مخلوقات وآيات إلهية وقـد تحدث عنها القرآن بعظمة قائلاً: {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 3، 4]، {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190].
فقد تحدث القرآن الكريم تكراراً عن جمال السماء والأرض، وإن البحار والقفار وسلسلة الجبال والأشجار وسمك البحر وكواكب السماء و... في ثقافة الوحي آيات إلهية وليست من الدنيا. ثم إن الحياة الدنيا في قبال الحياة الآخرة وإن تُطلق على هذه الأمور ولكن لم يرد الذم في أي واحد منها.
فالدنيا هي التعلّقات والاعتبارات والأنانيات التي تسوق الإنسان إلى اقتراف الذنوب. والدنيا هي عبارة عن اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر في الأموال والأولاد: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد: 20]. فالدنيا تتلخص في هذه المراحل الخمس وتخدع كل إنسان وبأي مستوى من العمر عبر وسيلة خاصة وهذا الخداع سمّ للروح والروح المسمومة في عذاب إلى الأبد وقد أرسل الله سبحانه وتعالى لكونه ((أرحم الراحمين)) أطهر الناس وأصلحهم بوصفهم أطباء للروح.
إذن فإن الله سبحانه قد اعتبر الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بين الناس وتكاثر في الأموال والأولاد. فـ ((اللعب)) و ((اللهو)) و ((الزينة)) و ((التفاخر)) و ((التكاثر)) هي الأدوار الخمسة التي تمرّ على عمر الإنسان. ولا ينبغي لتأمين البيئة الاقتصار على هذه الحقول الخمسة والغفلة عما وراء الطبيعة.
وفيما يلي شرح للأدوار المذكورة:
الأول: مرحلة ((الطفولة)) التى يقضى الفرد فيها حياته باللعب.
الثاني: مرحلة ((النشوء)) التي يتم فيها استبدال اللعب باللهو فيبحـث الإنسان عن ما يُلهيه ويغفل عن المسائل الجادة.
الثالث: مرحلة «الشباب» وهي فصل الهياج والحب والميل إلى الزينة والمسائل الكمالية. فالإنسان في مرحلة الشباب يهتم كثيراً بالزينة والترتيب الظاهري وارتداء الثياب الفاخرة والمظاهر الباهرة.
الرابع: مرحلة «الكهولة». فالإنسان بعد مضي مرحلة الشباب والعبور من سن الأربعين لا يهتم كثيراً باللباس الجيد الفاخر بل يلتهي بالتفاخر وينشغل بالمناصب والمقامات والألقاب.
الخامس: مرحلة «الشيخوخة». وفي هذه الفترة غالباً ما لا يكون للشخص منصب في المجتمع ولا يوصف بالألقاب ولذا يتجه صوب التكاثر ويخادع نفسه بكثرة الأولاد والأحفاد وجمع الأموال.
جدير بالذكر أن شخصية بعض الناس قد تتوقف في المرحلة الأولى والثانية ويبقى في شيخوخته أيضاً مشتغلاً باللهو واللعب، والبعض الآخر يبقي في مرحلة الزينة والتجمّل ويضلّ مأنوساً إلى آخر عمره بالكماليات واللهو واللعب وتبقى روحهم وطلباتهم طفولية.
وإن الدنيا التي طلقها أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ثلاثاً هي هذه الخيالات والأوهام والتفاخر والتكاثر التي باطنها بمثابة الميتة المنتنة التي يتكالب عليها الظالمون كالكلاب كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): ((يتنافسون فـي دنيا دنيـة ويتكالبون على جيفة مريحة))(1).
فمن يشهد باطن الدنيا لا يتعلق بهذه الميتة بل ويُطلقها ثلاثاً لا رجعة فيها. ولأن يفتح الإنسان عين قلبه ويشهد ميتة الدنيا عليه السعي لأن لا يصبح ميتة بنفسه، فالإنسان المغترّ بالدنيا الذي يُشبع بطنه بالأكل ويكثر نومه لا يتيسر لـه الوقوف على أسرار العالم وباطنه لأن مصير البدن إلى الميتة: ((فصار جيفة بـين أهله))(2) وكل أفراد العائلة يضعون أيديهم على أنفهم من ريح الشخص الميت المتعفنة ويفرون منه ويسعون لدفنه في أسرع فرصة.
فمن المؤسف أن يتبدل الإنسان إلى ميتة قبل أن يفهم بأن الطبيعة ميتة في حقيقتها، كما يقول الإمام علي (عليه السلام): ((إنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلي منا وليس ببال))(3). فإن الإنسان يستطيع عبر الابتعاد عن الدنيا أن ينجو من التبدل إلى ميتة وأن يبقى بعد الموت أيضاً حياً نورانياً.
وقد عرّف الله الدنيا المذمومة قائلاً: {كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد: 20].
وبما أن المَثَل غير المُمثّل، يتضح أن الأمور الطبيعية لا تماثل فصول الدنيا الأربعة، فإنها آيات الله المنتظمة والحسنة، أي أنّ الخريف في موضعه يتصف بالحسن والجمال كالربيع في موضعه، إذ لو لم يكن الخريف والشتاء لما كان الربيع، بيد أن الأنانيات التي تبعث على النشوة أياماً قليلة ثم تؤول إلى الأفول والخمول هي الدنيا التي لها جاذبية كاذبة.
____________________________
(1) نهج البلاغة الخطبة 151.
(2) نهج البلاغة الخطبة 109.
(3) نهج البلاغة. الخطبة 87.