لا يعرف نوع الابوة إلا من كان اباً، بالنسبة إلى الاب، لا نجاح في العالم أعظم من نجاح ولده، ولا شيء أكثر الماً في الحياة من سقوط هذا الابن. على أن حب الاب لم يسلم هو الاخير من النكبات، هو ما يقابل به الابن اباه من نكران الجميل بل العداوة في كثير من الاحيان.
الاب في عيده حنان وامان وتضحية صامتة.
الاب مصدر توفير الأمن لطفله: يحمل الطفل غالباً انطباعاً عن والده بأنه الأقوى والأعلم والأقدر في محيط الأسرة، وهو الذي يصدر الأوامر ويواجه مختلف الاحداث والطفل يلجأ الى ابيه ويعتبره مدينا له في توفير أمنه، فهو قد شاهد عدة مرات كيف أن جميع افراد الأسرة يلجأون الى الاب عند الحالات الصعبة والظروف الحساسة، ولا يعتقد - عملياً - بوجود من هو أكثر كفاءة أو قدرة منه.
ويحتاج الطفل بشدة الى الامن في كل اقسامه، فهو يحتاج الى الامن في المجال الاقتصادي، والانضباط لدى مواجهته لمختلف الحوادث والأمن الفكري والعاطفي وغير ذلك.
لذا يمكن القول إن وظيفة الاب لا تقتصر على توفير نفقات الاسرة وما تحتاج اليه من المأكل والملبس فقط بل عليه التواجد بين افراد اسرته لتوفير الأمن لهم.
ويمكن وصف الاب في محيط اسرته كالبطل الذي ينجز جميع المهمات ويعوض عن جميع النواقص. اذ ما فائدة توفير الحاجات فيما لو لم يتمكن الاب من توفير الأمن الى جانبها؟
كما يعتبر الاب الرابط بين البيت وخارجه، يهدئ من روع الافراد ويحثهم على الصبر والاستقامة.
والاب هو ملاذ الاسرة وحاميها، وعليه أن يترجم هذا المفهوم عملياً لأطفاله، لأن الأولاد بحاجة الى دعمه وحمايته في جميع امورهم، وسوف يشعرون باليأس فيما لو أدركوا أن الاب عاجز عن تحقيق ذلك.
ينبغي على الأب أن يتصرف في محيط أسرته بصورة تسمح للطفل بأن يرتمي في احضانه متى ما أدركه الخطر، وأن يشعر بالاستقرار عندما يكون الى جانب ابيه، وهذه من ضروريات نمو الطفل وسلامته. لذا يجب على الاب أن يكون شجاعاً جريئاً ومقاوماً لمختلف الحوادث. فالأب الذي يعتريه الخوف والاضطراب عندما ينظر الى مشهد مخيف أو تواجهه مشكلة معينة لا يمكنه أن يوفر الأمن لطفله، وعليه أن لا يكشف عن اضطرابه امام طفله ابداً. ويحتاج الطفل الى اب شجاع وقوي يقف الى جانبه في الازمات والمشاكل، ويكون قادرا على ممارسة وظيفته ومسؤوليته في توفير الأمن والاستقرار النفسي والخلقي. وهذه من حاجات الطفل الضرورية حتى في السنوات الأولى من عمره.
وتقول الابحاث والدراسات إن الاطفال الذين ينشأون بدون أب يكونون أكثر استعدادا للانحراف بنسبة تصل الى 70 % عن غيرهم. كما أن غياب الاب يؤثر على تقدير الطفل لذاته وثقته بنفسه. أما غياب الاب في حياة الطفلة الانثى فيؤدي غالبا الى شعورها بالاكتئاب المبكر، ولظهور انماط سلوكية غير سوية في حياتها حيث تعبر عن فقدانها الوجود الذكوري من خلال الميل لمصاحبة الفتيان أو ما يؤدي إلى ظهور عقدة الكترا في الكبر.
الاب المتسلط: السلوك التسلطي (أو الابوية) وحب السيطرة يشكل النموذج التقليدي الابوي وهو الى حد ما لا يزال مقبولاً ومتبعا في العديد من المجتمعات ويمارس في غالب الأحيان من خلال العادات والتقاليد المهيمنة على المجتمع والأسرة.
المخاوف والمحاذير التي يثيرها السلوك التسلطي عند الاب كثيرة وخطيرة، والسيطرة التي يمارسها من خلال أبوته تجعله يتبنى مواقف معينة ليس لاقتناعه بها ولكن فقط لأن وظيفته الابوية تفرضها عليه. وبذلك تطغى صورة الاب كمؤسسة اجتماعية وتقليدية... على صورة الاب الحقيقية، الشيء الذي يجعل منه اسيراً لصورة معينة تفقده ذاتيته الفعالة وتدخله احياناً كثيرة في متاهات صراع نفسي داخلي بين ما تفرضه قناعاته وما تحتمه العادات والتقاليد. وكثيراً ما يعتقد هذا الصنف من الآباء أن التنازل عن السلوك التسلطي ولو بابتسامة خفيفة سيسقطهم من على عروشهم ويسحب منهم الوقار.
ولا تنتهي سلبية التسلط عند الاب بل تنتقل للأبناء فنجد اباً شاباً يمارس ابوته بتسلّط شديد بفعل ترسيخ نموذج الاب التقليدي في لا وعيه.
والمشكلة الكبرى لا تكمن في تسلّط الاب الشاب ولكن في عدم تناسق شخصيته (غالباً) مع سلوك التسلّط مما يجعله يبالغ في التهديدات والأوامر والعقاب والاحراج والسخرية... الشيء الذي يجعل من الاسرة حلبة للصراع والاختلافات، ومحكمة لإصدار التهم والاحكام العقابية، ومحيطاً تصعب الحياة به وبيئة لا تعرف تواصلاً بين أفرادها في غير الاوامر والنواهي... وهنا يكون موقف الابناء وردّة فعلهم، اما العناد والدفاع عن النفس ضد هذا الاضطهاد، وإما الخضوع وتشرب السلوك ذاته. وفي كلتي الحالتين، نجد أنفسنا امام سلوكيات تحتاج إلى معالجة وتصحيح. وشعور الابناء بالاضطهاد اثناء طفولتهم نتيجة تسلط الاب يكون له تأثير كبير على معاملتهم لأبنائهم لاحقاً. فأما انهم تشربوا هذا السلوك فيعيدون انتاجه من جديد وإما تغلبت عليهم نزعات انتقامية يحاولون افرازها مع ابنائهم، وإما يحاولون جهدهم عدم نقل هذا الاضطهاد لأبنائهم، فيؤثر ذلك على مواقفهم اذ ينطلقون دوما من هذا الشعور بدل الانطلاق من معايير الحق والصواب.
الاب الغائب: إن سبب غياب الاب وتقصيره في اداء مهمته التربوية قد يرجع للظروف المحيطة به وانشغاله اللامتناهي خارج الاسرة أو قد يكون انبهارا بالنهج الغربي المطلق الذي يحدد دور الوالدين في توفير الحاجات الضرورية للحياة من مأكل وملبس، ويعطي الحرية المطلقة للأبناء ويلغي الرقابة الأبوية ويكتفي بالتوجيهات الباهتة التي لا تقدم ولا تؤخر فيستقيل الاب من وظيفته التربوية معتقداً انه يسلك الطريق الصحيح ويتبع التربية الحديثة. وفي ذلك جهل كبير بأساليب التربية الحديثة التي تعد منظومة متكاملة وليست مجرد شعار (دع الطفل يفعل ما يشاء).
وكثيراً ما يرجع الآباء آخر ليلهم ليجدوا ابناءهم في نوم عميق ويصحون والابناء في مدارسهم، وهكذا ... ولربما مضت ايام دون أن تقع انظار الآباء على ابنائهم هؤلاء الابناء في حقيقة الأمر يملكون ابا لا تتعدى صلتهم به كونه كان سبب وجودهم، ولكنهم لا يملكون أبوة الاب بمعناها التربوي الواسع... أبوة التوجيه، أبوة التربية، أبوة العطاء والتجربة والخبرة. إن وجود هذا الاب بين ابنائه ولو صامتاً، فيه من عمق التربية ما فيه، فيه من التضحية بوقته، فيه التقدير لهم، فيه احساس المشاركة، فيه الطمأنينة... فما بالك إذا نطق الاب وهو بينهم خيراً أو حل مشكلة أو ناقش همومهم؟ أنه بذلك يكسر الحواجز بينه وبينهم ويسبر اغوار نفوسهم بل يصبح مخططاً لحياتهم خارج هذه الأسرة بما يعود عليهم بالنجاح.
الاب (الام): إن ولادة طفل جديد تعني عنصراً جديداً داخل الاسرة. هذا الحدث قد يصيب بعض الآباء بالحيرة والغموض حول دورهم الجديد تجاه المولود، ويصابون بفقدان التوازن، فهم لا يتصورون أنهم قد أصبحوا آباء، ولا يدرون كيف ينبغي أن يتعاملوا مع الوضع الجديد، ولا كيف يجب أن يتصرفوا. وهذا السلوك قد يصيب ذوي الشخصيات الهشة ومنعدمي الثقة بالنفس، وغير المؤهلين اجتماعيا لتحمل أعباء اسرة متعددة الأفراد.
امام هذا الوضع المحير، يجد الاب نفسه امام خيارين إما الانسحاب وهو صنف الاب الغائب الذي أشرنا اليه سابقاً، وإما ينسخ دور الام نسخاً كاملاً، يؤدي نفس اعمالها ويتصرف بنفس سلوكها كأم، ينقل لنفسه صلاحيات وادوار الام... وهذا هو الصنف الذي اصطلحنا عليه بـ (الاب).
الأب المحارب: تعيش العائلة احياناً صراعاً معلناً بين الأب والأولاد. في هذه الحال يكون الأب من الصنف الذي لا يتصور نفسه (رجلاً) إلا بممارسة العنف والغطرسة والتعجرف وإعلان الحرب على الأبناء، ويعتقد أن رجولته مرتبطة بالعنف والمشاجرة والنزاعات التي يختلقها مع ابنائه، ويُبرز من خلالها قدرته وقوته وعضلاته. وبهذا الاسلوب يقدم صورة أو نموذجاً إيجابياً لأبنائه، والاب المحارب ينطلق دوماً من شعور داخلي أن أبناءه اعداء، ومن حساسية شديدة نحوهم، مثله كمثل السائق الذي يعد كل اصحاب السيارات من حوله منافسين له على حلبة السباق فيأخذ كل التدابير كي لا يتعدى أحد على حق له أو يسعى لتجاوزه ويركز كل اهتمامه على ملاحظة الآخرين ليرد بقوة وعنف. وابسط خطأ ينقلب الى معركة حامية بينه وبين ابنائه يسمعهم خلالها الشتائم. وهذا السلوك بدل أن يقدم للأبناء قيمة تربوية أو اخلاقية، يجعلهم يعيشون على اعصابهم في حالة من التوتر والترقب.