بعد بيان منشأ الاختلاف في الدين وذكر الداعين إليه، أشار الله سبحانه في آخر الآية إلى أنه يهدي أهل الإيمان والمنادين للوحدة نحو الحق، بمعنى أنه يوصلهم إلى المقصد في الشؤون الحياتية الثلاثة (الفردية والاجتماعية والطبيعية) وفي المعارف الدينية؛ لأنه هو الذي يهدي - على أساس حكمته كلّ من يشاء إلى الصراط المستقيم: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وهو لا يرزق أهل البغي والعاد توفيق الاهتداء ولا يوصلهم إلى المقصد؛ لأنّ هؤلاء تجاهلوا تعاليم الأنبياء واختلفوا في أصل الدين ونص الكتاب: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[1])، (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[2]).
وأبرز الملاحظات على العبارة الأخيرة في الآية هي:
1. أن المقصود بالهداية الخاصة بالمؤمنين هو هدايتهم التكريمية بمعنى (الإيصال إلى المطلوب) على غرار (وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ[3])، لا الهداية الابتدائية و(بيان الطريق)؛ لأن الهداية الابتدائية وتوجيهات أنبياء الله تشمل جميع الناس المؤمن منهم والكافر، مثلما ورد وصف القرآن الكريم بأنه هاد عالم (هُدًى لِّلنَّاسِ[4])، وكذلك مناظرات ومحاججات الرسول الكريم ﷺ: الملحدين والكفار ورسائله إلى زعماء الشرك والكفر أيضاً هي للهداية وإتمام الحجة عليهم؛ بينما تكون الهداية التكريمية، الإفاضة والهداية الخاصة والإيصال إلى المقصد خاصة بالمطيعين لتوجيهات العقل والنقل المعتبر والملبين لنداء الله. أما أولئك الذين لم يؤمنوا وضلّوا رغم امتلاكهم مصباح العقل الداخلي و مصباح الوحي الخارجي فلن يوصلهم إلى مقصدهم أبداً[5].
2. أن المراد من (الإيصال إلى المطلوب) هو إيجاد ذلك الميل الخاص ورفع المانع والأخذ باليد والإيصال إلى المقصد. فالمؤمنون الذين يقطعون نصف الطريق نتيجة اتباعهم تعاليم الأنبياء يوفقهم الله لإكمال ذلك الطريق بيسر وسهولة، نظير: (وإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا[6])؛ إذ ليس معنى هذه الجملة أنكم إذا أطعتموه فأنتم مطيعون، أو إذا اهتديتم فسوف تهتدون؛ لأن ذلك يستلزم اتحاد التالي والمقدم، وهو أمر غير معقول. بل هي بمعنى أن الشخص إذا التزم بالشريعة إلى حد ما، فإنّ الله سوف ييسر له العمل في مرحلة البقاء على الالتزام.
وأوضح من ذلك قوله إنّ كلّ من كان من أهل الزكاة ودفع الحقوق الإلهية وجعل التقوى نصب عينيه وصدّق بالمعارف الإلهيّة فإنّا سوف نيسر له أداء أعمال الخير ونيل العاقبة الحسنة: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ[7])، وأما من يزدري الشريعة رغم امتلاكه الحجتين الداخلية والخارجية فلا يدفع الحقوق الإلهية ويكذب بالقيامة، فإنا سوف نهيئ له أسباب أداء الأعمال القبيحة والعاقبة السيّئة والمصاعب (وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ[8]).
وانتخاب الطريق بيد الإنسان نفسه؛ لكن من اختار الطريق الصحيح فإنّ الله سوف يوفقه لسلوك الطريق المستقيم بالهداية التكريمية (وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
3. ذكر الله سبحانه في آخر الآية الهداية إلى الطريق المستقيم فقط، ولم يذكر باقي الهدايات (الهداية إلى الجنّة و...). من هنا تكون الهداية إلى (الصراط المستقيم) هي أعلى مراتب الهداية الالهية والتي هي الهداية الحقيقية والدائمية إذ بها يتمكن كل إنسان مؤمن من الوصول الى مقصده ومقصوده وما هو إلا العزة وسعادة الدنيا والاخرة[9].
4. أن المراد من (الصراط المستقيم) هو طريق الحق ألا وهو الدين والكتاب الالهي الذي لا يأتيه الخلاف والتخلف ولا إلاختلاف أي هو مطابق للواقع من الخارج ولا سبيل لنفوذ الباطل اليه: (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ[10])، مثلما هو متوافق ومتناسب مع الحق في الداخل ولا سبيل الى أي نوع من التناقض والابهام اليه لأن الدين الالهي نور والنور لا يحتمل الابهام أو الاختلاف.
[1] سورة المائدة، الآية 108.
[2] سورة المائدة، الآية 51.
[3] سورة التغابن الآية 11 .
[4] سورة البقرة، الآية 185.
[5] راجع لمزيد الاطلاع على موضوع الهداية الإلهية: تسنيم، ج 2، ص 515-521.
[6] سورة النور، الآية 54.
[7] سورة الليل الآيات 5 - 7
[8] سورة الليل الآيات 8 - 10 .