الحديث الثالث والعشرون: [في أسمائه تعالى]
ما رويناه بالأسانيد السالفة عن ثقة الإسلام في الكافي، عن عليّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن عليّ بن أبي حمزة، عن إبراهيم بن عمر، عن أبي عبد اللَّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه تبارك وتعالى خلق اسماً بالحروف غير متصوّت، وباللفظ غير منطق، وبالشخص غير مجسّد، وبالتشبيه غير موصوف، وباللون غير مصبوغ، منفيّ عنه الأقطار، مبعّد عنه الحدود، محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم، مستتر غير مستور، فجعله كلمة تامّة على أربعة أجزاء معاً، ليس منها واحد قبل الآخر، فأظهر منها ثلاثة أسماء؛ لفاقة الخلق إليها، وحجب منها واحداً، وهو الاسم المكنون المخزون، فهذه الأسماء التي ظهرت، فالظاهر هو اللَّه تبارك وتعالى.
وسخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء أربعة أركان، فذلك اثنا عشر ركناً، ثمّ خلق لكلّ ركن منها ثلاثين اسماً فعلًا منسوباً إليها، فهو الرحمن الرحيم، الملك، القدّوس، الخالق، البارئ، المصوّر، الحيّ، القيّوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، العليم، الخبير، السميع، البصير، الحكيم، العزيز، الجبّار، المتكبّر، العليّ، العظيم، المقتدر، القادر، السلام، المؤمن، المهيمن، البارئ، المنشئ، البديع، الرفيع، الجليل، الكريم، الرزّاق، المحيي، المميت، الباعث، الوارث؛ فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى حتّى تتمّ ثلاثمائة وستّين اسماً، فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، فهذه الأسماء الثلاثة أركان، وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، وذلك قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] (1).
ورواه الصدوق في التوحيد بتفاوتٍ مّا تأتي الإشارة إليه (2) وهذا الخبر من متشابهات الأخبار ومعضلات الآثار، ولا يعلم تأويله إلّا اللَّه والراسخون في العلم من الأئمّة الأطهار، فالاعتراف بالعجز عن إدراك معناه أحوط وأولى، وإيكال علمه إلى قائله أسلم وأقوى، ولكنّا نتكلّم فيه على سبيل الاحتمال دون الجزم في المقال، مقتصرين على ما احتمله جملة من علمائنا الأبدال.
قوله (عليه السلام): (خلق اسماً) بصيغة المفرد، وقد قيل في تعيينه أقوال وكلّها رجم بالغيب بلا ريب: فقيل: هو اللَّه. وقيل: هو اسم دالّ على صفات ذاته جميعاً، ولعلّه يرجع إلى الأوّل. وأورد عليهما: أنّ اسم اللَّه من توابع هذا الاسم المخلوق أوّلًا كما يدلّ عليه هذا الحديث.
واحتمل بعضهم: أن يكون المراد به اسماً دالّاً على مجرّد ذاته تعالى من غير ملاحظة صفة من الصفات معه، قال: وكأنّه هو، وهو أشرف الأسماء؛ لأنّه إشارة إلى الذات من حيث هي هي، وغيره من الأسماء يعتبر معه صفات ومفهومات لها إضافة إلى عالم الحدوث. وأيضاً إذا قلت: هو اللَّه الرحمان الرحيم الغفور الرحيم كان هو بمنزلة الذات، وغيره من الأسماء بمنزلة الصفات.
واحتمل أيضاً: أن يراد به العليّ العظيم؛ لقوله (عليه السلام): «فأوّل ما اختار لنفسه: العليّ العظيم».
وفيه: أنّه ذكره في أسماء الأركان فهو ينافي هذا الاحتمال، إلّا أن يقال: إنّه (عليه السلام) مزج الأصل مع الفرع، للإشعار بالارتباط لكمال الملائمة.
واحتمل أيضاً: أن يكون المراد به اسماً آخر غير معروف عندنا؛ لأنّ له تعالى أسماءً مكنونة لا يعلمها إلّا هو وخواصّ أوليائه، وهذا أقرب، وحينئذٍ فيراد بالأوّليّة المذكورة: الأوّليّة الإضافيّة بالنسبة إلى الأسماء الظاهرة.
واحتمل: أن يكون المراد بالاسم هو المسمّى، يعني أنّه تعالى خلق مفهوماً عظيماً من مفهومات الأسماء وجعل ما بعده صفة؛ لدلالة الحديث على أنّ ذلك الاسم ليس من باب الحرف والصوت.
واعلم أنّ في بعض النسخ «أسماء» بصيغة الجمع، قيل: ولعلّه مبنيٌ على أنّه مجزّأ بأربعة أجزاء وكلّ منها اسم، فلذا أطلق عليه صيغة الجمع (بالحروف غير متصوّت). وفي أكثر نسخ التوحيد: «غير منعوت»، وهو وما بعده من الفقرات حال من فاعل (خلق)، والجارّ متعلّق بمتصوّت، والمعنى: أنّ اللَّه سبحانه خالق هذا الاسم والحال أنّه لم يتصوّت بالحروف... إلى آخره.
وبالجملة، فيكون المقصود بيان المغايرة بين الاسم والمسمّى بعدم جريان صفات الاسم بحسب ظهوراته النطقيّة والكتبيّة فيه تعالى.
ويؤيّد ذلك ما في أكثر نسخ التوحيد: خلق أسماء بالحروف (3)، وهو (عزّ وجلّ) بالحروف غير منعوت، هذا هو الظاهر.
ويحتمل أن يكون قوله: «غير متصوّت... إلخ» حالًا من قوله: اسماً، ويكون الخلق بمعنى التقدير والعلم، والمعنى: أنّ اللَّه خلق، أي قدّر وعلم اسماً، حال كون هذا الاسم عند حصوله في العلم الأقدس لم يكن ذا صوت ولا ذا صورة ولا ذا شكل ولا ذا صبغ.
واحتمل أن يكون إشارة إلى أنّ أوّل خلقه كان بالإفاضة على أرواح النبيّ والأئمّة بلا نطق وصبغ ولون وخطّ بقلم.
و(متصوّت) إمّا على البناء للفاعل، أي لم يكن خلقها بإيجاد حرف وصوت، أو على البناء للمفعول، أي هو تعالى ليس من قبيل الأصوات والحروف حتّى يصحّ كون الاسم عينه تعالى.
(وباللفظ غير منطق) قيل: هو بضمّ الميم وكسر الطاء، من نطق بالكلام إذا تلفّظ به، أي لم يجعل الحروف ناطقة على الإسناد المجازي كقوله تعالى: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} [الجاثية: 29]، وقيل: بفتح الطاء، أي ناطق، أو أنّه غير منطوق باللفظ كالحروف ليكون من جنسها، وتطبيق الفقرات على الاحتمالين السابقين ظاهر.
(وبالشخص غير مجسّد) الجسد: البدن، والمجسَّد: من أكملت خلقته البدنيّة وتمّت تشخّصاته العينيّة الجسميّة.
(وبالتشبيه غير موصوف) الظرف متعلّق بموصوف.
(وباللون غير مصبوغ) كلّ ذلك لاستحالة ذلك عليه سبحانه على الأوّل، واستحالة وجود ذلك في علمه على الثاني.
(منفيّ عنه الأقطار) أي الأبعاد؛ لاستحالة الجسميّة عليه تعالى وعلى علمه.
(مبعد عنه الحدود) أي التركيب والانقطاع والانتهاء.
(محجوب عنه حسّ كلّ متوهّم)؛ لأنّ الحسّ يتوهّم إدراكه بالجسم والجسمانيّات، واللَّه تعالى وصفاته منزّه عن الجسميّة ولواحقهما.
(مستتر غير مستور) أي كنه ذاته تعالى مستتر عن الحواس، غير مستور عن القلوب الصافية، أو أنّه تعالى مستور عن الخلق، ومن حيث الآثار غير مستور، بل هو أظهر من كلّ شيء؛ إذ في كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد.
أو أنّه تعالى مستتر بكمال ذاته وغير مستور بستر وحجاب.
أو أنّه غير مستور بل هو في غاية الظهور، والنقص إنّما هو من قِبَلنا، فإنّ عدم إدراك الخفافيش نور الشمس لقصورها، هذا كلّه على الاحتمال الأوّل.
وعلى الثاني يحتمل أن يكون المعنى: أنّ هذا الاسم أو هذه الأسماء مستورة عن الخلق وغير مستورة عنه تعالى.
(فجعله كلمة تامّة) أي جعل ذلك الاسم كلمة تامّة لكماله وتمامه بالذات، وعدم كونه تابعاً لغيره من الأسماء الحسنى، أو لتمامه باعتبار كونه أصلًا ومبدأ لجميع تلك الأسماء، كما أنّ المسمّى به هو اللَّه تعالى مبدأ لجميع الأشياء أو لتمامه في الدلالة على ذاته الحقّة من غير ملاحظة صفة من الصفات معه، وقيل: لتمامه باعتبار دلالته على ذات جامعة لجميع صفات الكمال.
(على أربعة أجزاء معاً، ليس واحد منها قبل الآخر) بل تلك الأسماء في مرتّبة ذواتها ملحوظة معاً من غير ترتّب بعض على بعض، كترتّب الخالق والرازق على العالم والقادر.
أو أنّها لمّا كان تحقّقها في العلم الأقدس لم يكن بينها تقدّم وتأخّر.
أو أنّ إيجادها لمّا كان بالإفاضة على الأرواح المقدّسة لا بالتكلّم لم يكن بينها وبين أجزائها تقدّم وتأخّر في الوجود كما يكون في تعلّم الخلق.
ولعلّ المراد بالأجزاء الأربعة: أنّ أسماءه تعالى ترجع إلى أربعة؛ لأنّها إمّا أن تدلّ على الذات، أو على الصفات الثبوتيّة الكماليّة، أو السلبيّة التنزيهيّة، أو صفات الأفعال، فجرى ذلك الاسم الجامع إلى أربعة أسماء جامعة.
(وحجب منها واحداً، وهو الاسم المكنون المخزون) الذي لا يعلمه إلّا هو تعالى، فعن الصادق (عليه السلام): أنّ «اسم اللَّه الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً؛ أعطي محمّد (صلى الله عليه وآله) اثنين وسبعين حرفاً، وحجب عنه حرف واحد» (4).
والمراد بالحرف: الاسم، وإطلاقه عليه شائع.
وفي نسخ التوحيد: «وحجب واحداً منها، وهو الاسم المكنون المخزون بهذه الثلاثة التي أظهرت، فالظاهر هو اللَّه تبارك وتعالى».
وعليه فيكون المعنى: أنّ هذه الثلاثة حُجُب ووسائط بين الخلق وبين هذا الاسم المكنون؛ إذ بها يتوسّلون إلى الذات وإلى الاسم المختصّ بها.
(فالظاهر هو اللَّه تعالى) أي الظاهر البالغ إلى غاية الظهور وكماله من بينها هو اللَّه تعالى؛ لأنّه يضاف غيره إليه ويعرف به، فيقال: الرحمان اسم اللَّه تعالى، ولا يقال اللَّه اسم الرحمان مثلًا، ولم يبيّن الآخرين.
ويحتمل أن يراد بهما: الرحمان الرحيم؛ لاقترانهما مع اللَّه في التسمية، ورجوع سائر الأسماء الحسنى إلى هذه الثلاثة؛ لأنّ بعضها دالّ على المجد والثناء، فهو تابع للَّه، وبعضها دالّ على إفاضة الوجود والخيرات الدنيويّة، فهو تابع للرحمان، وبعضها دالّ على إفاضة الخيرات الأخرويّة، فهو تابع للرحيم.
ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ الظاهر بهذه الأسماء هو اللَّه تعالى، وهذه الأسماء إنّما جعلها ليظهر بها على الخلق، فالمظهر هو الاسم والظاهر به هو الربّ سبحانه. ونقل العلّامة المجلسيّ رحمه الله أنّ في أكثر نسخ الكافي: «هو اللَّه تبارك وتعالى»، وفي بعضها: «هو اللَّه وتبارك وتعالى» (5)، فعلى أكثر النسخ يكون ذلك بياناً للأسماء الثلاثة، ويؤيّده نسخة «الواو».
فأوّلها: اللَّه، وهو الدالّ على النوع الأوّل؛ لكونه موضوعاً للذات الجامعة للصفات الذاتيّة الكماليّة.
والثاني: تبارك؛ لأنّه من البركة والنموّ، وهو إشارة إلى معدن الفيوض ومنبع الخيرات التي لا تتناهى، وهو رئيس جميع الصفات الفعليّة من الخالقيّة والرازقيّة والمنعميّة، وسائر ما هو منسوب إلى الفعل، كما أنّ الأوّل رئيس الصفات الوجوديّة من العلم والقدرة وغيرهما.
والثالث: تعالى؛ لدلالته على تعاليه سبحانه عن مشابهة الممكنات وما يوجب نقصاً أو عجزاً، فيدخل فيه جميع صفات التنزيه.
ولمّا كان المراد بالاسم ما دلّ على الذات والصفات أعمّ من أن يكون اسماً أو فعلًا أو جملة، فلا محذور حينئذٍ في عدّ تبارك وتعالى من الأسماء.
ويؤيّد هذا المعنى: رواية التوحيد حيث قال فيها: «فالظاهر هو اللَّه وتبارك وسبحانه» وهو صريح في أنّ ذلك بيان الأسماء الثلاثة.
وهذا بالنسبة إلى اللَّه وتبارك كما قدّمنا، وأمّا بالنسبة إلى «سبحان» فمن حيث إنّه دالّ على تنزيهه تعالى عن جميع النقائص، فيندرج فيه ويتبعه جميع الصفات السلبيّة والتنزيهيّة.
ولمّا كان لكلّ من تلك الأسماء الثلاثة الجامعة شعب أربع ترجع إليها، جعل لكلّ منها أربعة أركان، فقال (عليه السلام): «وسخّر سبحانه لكلّ اسم من هذه الأسماء الثلاثة الظاهرة أربعة أركان» هي بمنزلة الدعائم: فأمّا (اللَّه) فلدلالته على الصفات الكماليّة الوجوديّة له أربعة دعائم، هي: وجوب الوجود المعبّر عنه بالصمديّة، والقيّوميّة، والعلم، والقدرة، والحياة، أو مكان الحياة: اللطف أو الرحمة أو العزّة.
وإنّما جعلت هذه الأربعة أركاناً؛ لأنّ سائر الصفات الكماليّة إنّما ترجع إليها كالسميع والبصير والخبير - مثلًا - فإنّها راجعة إلى العلم، والعلم يشملها، وهكذا. وأمّا (تبارك) فله أربعة أركان وهي: الإيجاد، والتربية في الدارين، والهداية في الدنيا، والمجازاة في الآخرة، أي الموجد أو الخالق، والربّ، والهادي، والديّان. ويمكن إدخال الهداية في التربية، وجعل المجازاة ركنين: الإثابة والانتقام، ولكلّ منهما شُعبٌ من أسماء اللَّه الحسنى كما لا يخفى بعد التأمّل والتتبّع.
وأمّا (سبحان) على نسخة التوحيد أو (تعالى) على نسخة الكافي فلكلّ منهما أربعة أركان؛ لأنّه إمّا تنزيه الذات عن مشابهة الممكنات، أو تنزيهه عن إدراك الحواس والأوهام والعقول، أو تنزيه صفاته عمّا يوجب النقص، أو تنزيه أفعاله عمّا يوجب الظلم والعجز والنقص.
ويحتمل وجه آخر وهو: تنزيهه عن الشريك والأضداد والأنداد، وتنزيهه عن المشاكلة والمشابهة، وتنزيهه عن إدراك العقول والأوهام، وتنزيهه عمّا يوجب النقص والعجز من التركيب والصاحبة والولد والتغيّرات والعوارض والظلم والجور والجهل وغير ذلك.
(فذلك اثنا عشر ركناً) حاصلة من ضرب ثلاثة في أربعة على ما تقدّم.
(ثمّ خلق لكلّ ركن منها - أي من الاثني عشر - ثلاثين اسماً فعلًا) أي أسماء دالّة على صفات الأفعال.
(منسوباً إليها) أي إلى تلك الأفعال، أو إلى تلك الأركان الأربعة، بأن يقال لها: أسماء الأركان أو إلى الأسماء الثلاثة الظاهرة، ويحصل من ذلك ثلاثمائة وستّون اسماً. ثمّ شرع (عليه السلام) في بيان بعض أسمائه الحسنى على التمثيل وأجمل الباقي، فقال:
(فهو الرحمان) لجميع الخلق في الدنيا.
(الرحيم) بالمؤمنين في الآخرة.
(الملك) في عالم الملك والملكوت، يتصرّف كيفما يشاء.
(القدّوس) الطاهر عن النقائص والأضداد، المنزّه عن الأولاد والأنداد.
(الخالق) الموجد للخلائق من العدم، المقدّر لهم؛ لأنّ الخلق ورد بمعنى التقدير. (الباري) بمعنى الخالق بلا همّة ولا رويّة.
(المصوّر) وهو الخالق للخلق على صور مختلفة.
ولا يتخيّل أنّ هذه الأسماء الثلاثة مترادفة حيث إنّها بمعنى الإيجاد والإنشاء، بل هي متخالفة في المعنى، ونظيرها أنّ البنيان يحتاج إلى تقدير في الطول والعرض، وإلى إيجاد بوضع الأحجار والأخشاب على نهج خاصّ، وإلى تزيين ونقش وتصوير؛ فهذه أمور ثلاثة مترتّبة تصدر عنه جلّ شأنه في إيجاد الخلائق من كتم العدم، فله سبحانه باعتبار كلّ منها اسم على ذلك الترتيب.
(الحيّ) المدرك الدائم بلا زوال.
و(القيّوم) على كلّ شيء بالحفظ والرعاية.
(لا تأخذه سنة) وهي الفتور والنعاس المتقدّم على النوم
(ولا نوم) وهو ترقٍّ من الأدنى إلى الأعلى.
(العليم) بجميع الأشياء - كلّيّاتها وجزئيّاتها - قبل وجودها، كعلمه بها بعد وجودها.
(الخبير) بدقائقها وحقائقها.
(السميع) العليم بمسموعاتها.
(البصير) العالم بمبصراتها.
(الحكيم) الموجِد للأشياء على وفق المصالح والحكم.
(العزيز) الذي لا يعادله شيء ولا يغلبه أحد.
(الجبّار) وهو الذي يجبر الخلق على ما ليس لهم فيه اختيار من الصحّة والمرض، والموت والحياة، والغنى والفقر، والشباب والهرم، والقوّة والضعف، أو يجبر حالهم ويصلح نقائصهم.
(المتكبّر) المنزّه عن الحاجة والنقص.
(العليّ) العالي عن الخلق بالقدرة عليهم أو المترفّع عن الأشياء والاتّصاف بصفاتها.
(العظيم) الذي لا يدرك أحد كنه جلاله، ولا يعرف نهاية كماله.
(المقتدر) الذي له اقتدار تامّ بحيث لا يجري شيء في ملكه بخلاف حكمه.
(القادر) الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.
(السلام) مصدر معناه السلامة من كلّ عيب ونقص وآفة، أو معناه المسلَم؛ لأنّ السلامة تنال منه تعالى.
(المؤمن) الذي يؤمن عباده من الظلم والجور، أو يؤمن من أطاعه من عذابه، أو الذي يصدق وعده، أو يصدّق ظنون عباده ولا يخيّب آمالهم.
(المهيمن) وهو الرقيب الحافظ لكلّ شيء، أو الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل، وأصله: مُؤءمِن، بهمزتين، من: أءمن، قلبت الثانية ياءً؛ لكراهة اجتماعهما، ثمّ صيّرت الأولى هاءً.
(البارئ) الظاهر أنّ تكراره من سهو القلم أو من الناسخ.
(المنشئ) للخلائق بلا مثال من الغير.
(البديع) بلا مثال سابق منه.
(الرفيع) لرفعة ذاته وصفاته عن ذوات الممكنات وصفاتها.
(الجليل) لجلال ذاته وقدرته على الإطلاق، بحيث يصغر دونه كلّ جليل.
(الكريم) المفيض للجود بلا استحقاق.
(الرزّاق) وهو المجري رزقه على عباده.
(المحيي) المفيض للحياة ابتداءً وبعد الموت.
(المميت) المزيل للحياة عن كلّ ذي حياة بلا ممارسة ولا آلات.
(الباعث) للخلائق بعد الممات والمعيد لهم بعد الوفاة.
(الوارث) لرجوع الأملاك إليه بعد فناء الملّاك، واسترداد أملاكهم ومواريثهم بعد موتهم كما قال جلّ شأنه: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16].
فهذه الأسماء وما كان من الأسماء الحسنى من غيرها حتّى يتمّ ثلاثمائة وستّون اسماً، فهي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وهو مؤيّد لما في نسخة التوحيد وبعض نسخ الكافي من أنّ الأسماء الثلاثة مذكورة في كلامه عليه السلام أشار إليها، وهذه الأسماء الثلاثة أركان لتلك الأسماء الحسنى التي أشار إلى بعضها وطوى بعضها.
ويحتمل أن يكون المراد بالأسماء الثلاثة ما يدلّ على وجوب الوجود والعلم والقدرة، وبالاثني عشر ما يدلّ على الصفات الكماليّة والتنزيهيّة التي تتبع تلك الصفات. والمراد بالثلاثين صفات الأفعال التي هي آثار تلك الصفات الكماليّة. ويؤيّده قوله: فعلًا منسوباً إليها.
ويحتمل أن يراد بالأسماء الثلاثة: اللَّه، الرحمان، الرحيم، كما تقدّم، ويراد بالأركان الأربعة حروفها، فإنّ الحروف المكتوبة في كلّ من هذه الأسماء الثلاثة أربعة، وسمّيت أركاناً باعتبار أنّ تمامها وقوامها إنّما يتحقّق بتلك الحروف.
وحكى العلّامة المجلسيّ عن والده رحمهما الله أنّه قال: الذي يخطر بالبال في تفسير هذا الخبر على الإجمال هو أنّ الاسم الأوّل كان جامعاً للدلالة على الذات والصفات، ولمّا كان معرفة الذات محجوبة عن غيره تعالى جزّأ ذلك الاسم إلى أربعة أجزاء، وجعل الاسم الدالّ على الذات محجوباً عن الخلق وهو الاسم الأعظم باعتبار، والدالّ على المجموع اسم أعظم باعتبار آخر.
ويشبه أن يكون الجامع هو اللَّه، والدالّ على الذات فقط هو، وتكون المحجوبيّة باعتبار عدم التعيين كما قيل: إنّ الاسم الأعظم داخل في جملة الأسماء المعروفة ولكنّها غير معيّنة لنا، ويمكن أن يكون غيرهما.
والأسماء التي أظهرها اللَّه للخلق على ثلاثة أقسام:
منها: ما يدلّ على التقديس مثل: العليّ العظيم العزيز الجبّار المتكبّر.
ومنها: ما يدلّ على علمه.
ومنها: ما يدلّ على قدرته تعالى.
وانقسام كلّ واحد منها إلى أربعة أقسام بأن يكون التنزيه إمّا مطلقاً، أو للذات، أو للصفات، أو للأفعال، أو يكون ما يدلّ على العلم، إمّا لمطلق العلم، أو للعلم بالجزئيّات كالسميع والبصير، أو الظاهر، أو الباطن. وما يدلّ على القدرة إمّا للرحمة الظاهرة، أو الباطنة، أو الغضب ظاهراً، أو باطناً، أو ما يقرب من ذلك التقسيم من الأسماء المفردة على ما ورد في القرآن والأخبار تقرب من ثلاثمئة وستّين اسماً، ذكرها الكفعميّ (رحمه الله) في مصباحه فعليك بجمعها والتدبّر في ربط كلّ منها بركن من تلك الأركان (6) انتهى كلامه.
وقال المحدّث الكاشانيّ في (الوافي) بعد ذكر هذا الخبر:
بيان: الاسم: ما دلّ على الذات الموصوفة بصفة معيّنة، سواء كان لفظاً أو حقيقة من الحقائق الموجودة في الأعيان، فإنّ الدلالة كما تكون بالألفاظ كذلك تكون بالذوات من غير فرق بينهما فيما يؤول إلى المعنى، بل كلّ موجود بمنزلة كلام صادر عنه تعالى وتمجيده، بل كلّ منهما عند اولي البصائر لسان ناطق بوحدانيّته، يسبّح بحمده ويقدّسه عمّا لا يليق بجنابه كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44].
بل كلّ من الموجودات ذكر وتسبيح له تعالى؛ إذ يفهم منه وحدانيّته وعلمه واتّصافه بسائر صفات الكمال، وتقدّسه عن سمات النقص والزوال.
قوله (عليه السلام): «مستتر» من الاستتار «غير مستتر» على البناء للمفعول، إشارة إلى أنّ خفاءه وعدم نيله إنّما هو لضعف البصائر والأبصار، لا أنّه جعل عليه ستراً أخفاه.
وكأنّ الاسم الموصوف بالصفات المذكورة إشارة إلى أوّل ما خلق اللَّه الذي مرَّ ذكره في باب العقل، أعني النور المحمّديّ والروح الأحمديّ (صلى الله عليه وآله) الذي هو العقل الكلّيّ.
وأجزاؤُه الأربعة إشارة إلى جهته الإلهيّة والعوالم الثلاثة التي تشتمل عليها أعني: عالم العقول المجرّدة عن المواد والصور، وعالم الخيال المجرَّد من المواد دون الصور، وعالم الأجسام المقارنة للمواد.
وبعبارةٍ أخرى: إلى الحسّ والخيال والعقل والسرّ.
وبثالثة: إلى الشهادة والغيب وغيب الغيوب.
وبرابعة: إلى الملك والملكوت والجبروت واللاهوت.
ومعيّة الأجزاء عبارة عن لزوم كلّ منها الآخر، وتوقّفه عليه في تماميّة الكلمة، وجزؤُه المكنون: السرّ الإلهيّ والغيب اللاهوتيّ.
قوله (عليه السلام): «فهذه الأسماء التي ظهرت» مبتدأ وخبر، أي فهذه الأسماء الشائعة بين الناس هي التي ظهرت من الأسماء الثلاثة (7).
قوله (عليه السلام): «فالظاهر هو اللَّه» يعني أنّ الظاهر بهذه الأسماء الثلاثة هو اللَّه، فإنّ المسمّى يظهر بالاسم ويعرف به.
ويحتمل أن يكون قوله عليه السلام): «فالظاهر هو اللَّه» خبر لقوله: (فهذه)، وقوله: «التي ظهرت» صفة له، أي فالظاهر بها هو اللَّه (8).
والأركان الأربعة: الحياة والموت والرزق والعلم التي وكّل بها أربعة أملاك: إسرافيل وعزرائيل وميكائيل وجبرئيل:
وفعل الأوّل: نفخ الصور والأرواح في قوالب المواد والأجساد، وإعطاء قوّة الحسّ والحركة لانبعاث الشوق والطلب، وله ارتباط مع المفكّرة، ولو لم يكن هو لم ينبعث الشوق والحركة لتحصيل الكمال في أحد.
وفعل الثاني: تجريد الأرواح والصور عن الأجساد والمواد، وإخراج النفوس من الأبدان، وله ارتباط مع المصوّرة، ولو لم يكن هو لم تكن الاستحالات والانقلابات في الأجسام، ولا الاستكمالات ولا الانتقالات الفكريّة في النفوس، ولا الخروج من الدنيا والقيام عند اللَّه للأرواح، بل كانت الأشياء كلّها واقفة في منزل واحد ومقام أوّل.
وفعل الثالث: إعطاء الغذاء والإنماء على قدر لائق وميزان معلوم لكلّ شيء بحسبه، وله ارتباط مع الحفظ والإمساك، ولو لم يكن هو لم يحصل النشوء والنماء في الأبدان، ولا التطوّر في أطوار الملكوت في الأرواح، ولا العلوم الجمّة للفطرة.
وفعل الرابع: الوحي والتعليم وتأدية الكلام من اللَّه سبحانه إلى عباده، وله ارتباط مع القوّة النطقيّة، ولو لم يكن هو لم يستفد أحد معنى من المعاني بالبيان والقول، ولم يقبل قلب أحد إلهام الحقّ وإلقائه في الروع، وهاهنا أسرار لا يحتملها المقام(9) انتهى.
أقول: ليته طوى هذا الكلام كما طوى تلك الأسرار، فإنّ هذا التأويل في كلامهم (عليهم السلام) جرأة عظيمة، بل هو رجم بالغيب.
وأعظم من ذلك تأويل بعضهم الاثني عشر في هذا الخبر بأنّها كناية عن البروج الفلكيّة، والثلاثمائة والستّين عن درجاتها.
ومنهم من جعل الاسم كناية عن مخلوقاته تعالى، والاسم الأوّل الجامع عن أوّل مخلوقاته وهو العقل، وما جعل بعد ذلك كناية عن كيفيّة تشعُّب المخلوقات وتعدُّد العوالم، وهو راجع إلى تأويل المحدّث الكاشانيّ، وأنا أستغفر اللَّه لي ولمن خاض في التأويل بغير برهان ولا دليل، وأكِلُ الأمر والعلم إلى اللَّه وأنبيائه ورسله وأوليائه.
والمقدار الذي يؤمن به من هذا الخبر: أنّ أسماءه تعالى مخلوقة حادثة، وأنّه تعالى خلق أوّلًا اسماً واحداً، ثمّ جعل هذا الاسم أصلًا لأربعة أسماء، وجعل واحداً من هذه الأربعة مكنوناً مخزوناً عنده، مستأثراً به في علم الغيب، وأظهر ثلاثة بين خلقه لحاجتهم إليها. ثمّ جعل هذه الثلاثة أصلًا لاثني عشر اسماً، وجعل كلَّ واحد من الاثني عشر أصلًا لثلاثين اسماً حتّى بلغ العدد ثلاثمائة وستّين اسماً؛ فالثلاثمائة والستّون ترجع إلى الاثني عشر، وترجع الاثنا عشر إلى ثلاثة، والثلاثة ترجع إلى ذلك الواحد، وذلك الواحد مبدأ ومرجع لجميع الأسماء. كما أنّ الواحد الحقّ سبحانه مبدأ ومرجع لجميع الأشياء، وما زاد على ذلك من التعيين والتشخيص والأسماء والأركان إنّما ذكر على سبيل الاحتمال، وإلّا فهو رجم بالغيب وكذب على اللَّه بلا ريب.
وقوله (عليه السلام): (وحجب الاسم المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة) لعلّ الباء للسببيّة، والظرف متعلّق بحجب؛ والمعنى - واللَّه أعلم -: أنّه تعالى حجب ذلك الاسم الواحد عن الخلق بسبب ظهور هذه الأسماء الثلاثة وكفايتها لهم.
وقوله (عليه السلام): وذلك قوله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] إمّا إشارة إلى فاقة الخلق وإثبات احتياجهم إلى هذه الأسماء، أو استشهاد بأنّ له تعالى أسماء حسنى وضعها ليدعوه الخلق بها، أو إشارة إلى كون الأسماء الثلاثة الظاهرة أركاناً للبواقي، ويكون فيه إيماء لطيف إلى تلك الثلاثة بناءً على أنّها اللَّه الرحمان الرحيم.
وإنّما لم يذكر الثالث إمّا للاختصار، أو لأنّه أراد بالرحمان المتّصف بالرحمة المطلقة الشاملة للرحمة الدنيويّة والأخرويّة.
وسبب نزول هذه الآية على ما قيل: إنّ المشركين سمعوا رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) يقول: يا اللَّه يا رحمان، فقالوا: إنّه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر، فنزلت الآية (10) أو في اليهود إذ قالوا: إنّك لتقلّ ذكر الرحمان وقد أكثره اللَّه في التوراة، فنزلت الآية ردّاً لما توهّم الأوّلون من التعدّد، أو عدم الإتيان بذكر الرحمان (11).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي، ج 1، ص 112، باب حدوث الأسماء، ح 1.
(2) التوحيد، ص 190، ح 3؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 4، ص 166، ح 8.
(3) في هامش التوحيد: في بعض النسخ: «خلق أسماء» بصيغة الجمع. وهو من خطأ الناسخ؛ لمنافاته مع الذيل، حيث قال: «فجعله كلمة تامة». التوحيد، ص 190.
(4) الكافي، ج 1، ص 230، باب ما أعطي الأئمّة (عليهم السلام) من اسم اللَّه الأعظم، ح 2.
(5) مرآة العقول، ج 2، ص 26.
(6) كتاب الأربعين، ص 71؛ مرآة العقول، ج 2، ص 28 - 29.
(7) هذا المقطع من قوله: «فهذه الأسماء» إلى قوله: «الثلاثة» غير موجود في الوافي، وإنّما جاء فيه بدل ذلك قوله (عليه السلام): «فهذه الأسماء التي ظهرت» كذا وجدت فيها رأيناه من نسخ الكافي والصواب: بهذه الأسماء، بالباء كما رواه الصدوق طاب ثراه في كتاب توحيده، ويدلّ عليه آخر الحديث حيث قال: وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة. الوافي، ج 1 ص 465.
(8) من قوله: «ويحتمل» إلى قوله: «هو اللَّه»، غير موجود في الطبعة المحقّقة من الوافي.
(9) الوافي، ج 1، ص 464 - 465.
(10) بحار الأنوار، ج 4، ص 172.
(11) بحار الأنوار، ج 4، ص 172.