خصائص التحقيق الإذاعي:
1- إنه يتناول "الموضوعات" المطروحة على ساحة الاهتمام الجماهيري، أو الموضوعات الطريفة والموضوعات هنا بالمعنى الواسع، فقد تكون عبارة عن مشكلة هامة، أو شخصية متميزة، أو مواقف وأفكار أو أماكن إلخ. وهكذا يتسع مفهوم التحقيق ليستوعب الجوانب الحياتية والمجتمعية بأبعادها المتعددة، كما يستوعب الموضوعات المختلفة في أبعادها الماضية والحالية والمستقبلية في بعض الأحيان، ولهذه الأسباب فإن التحقيق الإذاعي يساهم في تنفيذ وظائف الإذاعة كوسيلة اتصال جماهيرية من إعلام وتثقيف وتوجيه وخدمات وترفيه.
2- إن التحقيق الإذاعي، شأنه شأن بقية القوالب الإذاعية يتماشى مع سياسة وشخصية الخدمة الإذاعية من حيث المضمون والإعـداد والتقديم، وبالتالي فإن هناك بعض الموضوعات التي لا يجوز تناولها، أو يتعين أن يقتصر تناولها على جوانب معينة دون أخرى، وهذا في حد ذاته يمثل نوعا من القيود على التحقيق الإذاعي في بعض الأحيان سواء لاعتبارات سياسية أو أمنية أو أخلاقية.
3- إن التحقيق الإذاعي شأنه شأن بقية القوالب الإذاعية الأخرى أيضا يتماشى مع معايير الجودة الفنية المطلوب توافرها في البرامج، وهذا ما يشير إليه التعريف السابق "بالأسلوب الإذاعي" وبالتالي فإن التحقيق الإذاعي يتطلب مهارات فنية ولغوية واتصالية لأنه يمزج بين أكثر من شكل إذاعي، وكثيرا ما يتعرض لقضايا وموضوعات تكون معالجتها الإذاعية نوعا من العبث إذا لم تلتزم بالأسلوب الإذاعي القادر على جذب اهتمام المستمع وإثارة انتباهه والمحافظة عليه.
4- إن التحقيق الإذاعي يقوم على المزج الفني بين النص المكتوب والتسجيلات الصوتية بأشكالها المختلفة، فالتحقيق الإذاعي شكل مركب فهو يحتوي على الحديث المباشر الحديث الحواري، الحوار المتعمق، الموسيقى، المؤثرات الصوتية، ولكن ليس بالضرورة أن تتضمن الحلقة الواحدة كل هذه العناصر وإن كان المستخدم منها يوظف بطريقة تمكن من التوصيل الفعال للرسالة وتجذب انتباه المستمع.
5- التحقيق الإذاعي يستند على التحليل الواقعي للمشكلات، أي أنه يلتزم بالحقيقة، فهو ينتمي إعلاميا إلى ما يعرف بمواد الحقيقة Reality Materials، وهي المواد التي تتناول المشكلات في دنيا الحقيقة بما يثير اليقظة والجهد والنشاط ويشجع على التفكير ويتيح المعلومات، بل إن معنى كلمة "تحقيق" في اللغة العربية مشتقة من الحق والحقيقة كما أن هذا المعنى – إعلاميا - يدمع محاولات تعريف التحقيق الإعلامي وفي اللغة الإنجليزية نجد العديد من محاولات التعريف التي تدل على هذا المعنى مثل: إن التحقيق الاستقصائي يتمثل في الكشف عن شيء يريد شخص ما أن يظل سريا، أو هو تقرير عن معلومات محجوبة، فالهدف هنا إظهار الحقيقة ونقلها إلى الجماهير، ولعل هذا واضح في إحدى خصائص التحقيق الإذاعي، وهي خاصية العمق كإحدى الملامح الرئيسية له.
6- التحقيق الإذاعي يتسم بالعمق، فهو يغوص في أعماق الموضوع ويقتحم الواقع الحقيقي واصفا ومحللا ومفسرا له من حيث المظاهر والأسباب والنتائج والاحتمالات، كما يتناول الموضوع من جوانبه المختلفة الهامة والطريفة، وتوضيح ما هو غير ظاهر منها، ويعتمد في ذلك على الأرقام والإحصائيات والمعلومات والآراء من مصادرها المختلفة ويتعامل مع الفاعلين والظروف والملابسات، ومن هنا فإن التحقيق الإذاعي يتضمن بعض خصائص البحث والدراسة، كما أنه يتطلب وقتا للتعمق في خلفيات الموضوع وبذل الجهد في مناقشة جوانبه المختلفة واستخدام أساليب غير تقليدية في عرض الموضوع.
هذه الخاصية، وأعني بها "العمق"، هي التي تميز التحقيق الإذاعـي عن التقرير Report، فالتقرير لا يعتنى بما كتب في الموضوع من أبحاث ودراسات وتقارير، ولا يعني بتسجيل الحقائق بالأرقام والبيانات والإحصائيات، كما أن التقرير يقوم على مجرد وصف الوضع الحالي للموضوع، أما التحقيق فإنه يشرح ويفسر ويعلق ويبحث في الأسباب والعوامل الكامنة وراء الموضوع إن كلمة Report تعني نقل الشيء، أو نقل ما يحدث، فكل شيء منقول يطلق عليه هذا اللفظ، وتشير إلى عدة أشكال، فهي تستخدم مقرونة بالخبر أو التحقيق أو المجلة الإذاعية .. إلخ ، ويتسع معنى هذه الكلمة Report ليشمل كل المواد التي يتم جمعها أو تصويرها من مواقعها الأصلية، كما أنها ارتبطت بالتحقيق، بل واستخدمت كثيرا كمرادف لها على اعتبار أنه إذا كان التحقيق يسعى للحقيقة والتوثيق فإن المادة المنقولة من الواقع هي التي تحمل – أكثر من غيرها - معاني الواقعية والتوثيق، وعلى الرغم من ذلك، فإنه ليس كل تحقيق تليفزيوني مثلا يعتبر تقريرا لأنه قد يحتوي على مواد غير منقولة من مواقعها الأصلية.
ويتصل بهذه النقطة استخدام "التحقيق الإذاعي" و "الريبورتاج الإذاعي" بمعنى واحد، ذلك أن الصحافة الفرنسية كانت تطلق كلمة Reportage على فن التحقيق، رغم أن معناها الأصلي "تقرير مصور" وقد انتشرت هذه الكلمة انتشارا كبيرا في وسائل الإعلام العربية، حيث راحت تطلقها على مواد كثيرة سواء في الصحف أو المجلات، أو الراديو أو التليفزيون، حتى وإن كانت لا تمت بصلة إلى التقارير المصورة، ومن كل ذلك يتضح الفرق بين التقرير والتحقيق ومدى تأثر تسمية كل منها بتسمية الآخر، كما يتضح أصل استخدام كل من التحقيق الإذاعي والريبورتاج الإذاعي بمعنى واحد.
وإذا كانت الخصائص السابقة هي التي تحدد شخصية التحقيق الإذاعي إلا أن أساليب الممارسة – في أحيان كثيرة – لا تعكـس هـذه الخصائص، قد يكون ذلك راجعا لأسباب تتعلق بكفاءة القائمين بالاتصال وتأهيلهم، وقد يكون راجعا لأسباب تتعلق بالضغوط التي يعملون في ظلها بدرجة لا تمكنهم من إنتاج التحقيق الإذاعي بالمواصفات التي يجب أن يكون عليها في كثير من الأحيان، بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض عناصر شخصية التحقيق الإذاعي نفسه تتيح إمكانية الإفلات من المواصفات السابقة، وتتمثل هذه العناصر بصفة خاصة في الواقعية أو ما يعرف بالحقيقة، وكذلك في العمق، فهاتان الخاصيتان من أبرز خصائص التحقيق الإذاعي.
فبالنسبة "للحقيقة" نجد أن أبعادها تتراوح ما بين التطلع للحقيقة كاملة والقناعة ببعض جوانبها، كما تتراوح بين الالتزام بالتفسير ومجرد محاولة التفسير، كما تتراوح بين عمق الرؤية ومجرد وضوحها، وتشير الصياغات المختلفة لفن التحقيق إلى ذلك بوضوح، فالتحقيق هدفه الإجابة على السؤال "لماذا؟" أو استكشاف ليس فقط ما حدث، ولكن بقدر الإمكان استكشاف الأسباب وراء ما حدث، كما أن هدفه رسم صورة مطابقة للواقع أو صورة بكل ظلالها أو بجوانبها المختلفة أو عرض أمين لقصة حقيقية أو اكتشاف الحقيقة أو إظهار الحقيقة بعمق أو سبر غور الحياة وتحليلها وإلى حد ما تفسيرها أو تقديم تصور جلي لما يحدث، غير أن هـذا الهدف يتأثر ليـس فقط بالرؤية الذاتية للمسؤول عن التحقيق، ولكن أيضا بسياسة البرامج الخاصة بالخدمة الإذاعية مما يجعل الهدف نسبيا، وتختلف الرؤى حوله على مستويات مختلفة.
كما أن خاصية "عمق" التناول كأحد خصائص التحقيق الإذاعي ينطبق عليها نفس الفكرة، لأن العمق هو الآخر مسألة نسبية تختلف من شخص إلى آخر، وما يعتبره شخص ما تفسيرا أو تحليلا يعتبره الآخرون غموضا، وبالتالي فإن هذه الخصائص حسبما يرى البعض: "لا يمكن أن تكون شروطا يتحدد على أساسها كون الشكل تحقيقا أم لا، بل هي - أكثر من أي شيء آخـر – تطلعات للقائم بالاتصال لإحداث تأثيرات على الملتقى، وإذا ناقشنا مسألة عمق التناول من خلال التحقيق الإذاعي - سنجدها في الواقع العملي مقيدة ببعض العوامل أولها خصائص الإذاعة نفسها كوسيلة اتصال، فلا يمكن للإذاعة مثلا أن تعرض أحد الموضوعات بنفس العمق الذي تعرضه به مجلة متخصصة أو كتاب متخصص.
العامل الثاني: يتمثل في طبيعة الموضوعات ذاتها، فهناك العديد من الموضوعات التي تتسم بالتعقيد والتداخل بين جوانبها المختلفة وعمق كـل جانب على حدة، فلا يمكن لتحقيق إذاعي ساعة أو نصف ساعة مدته ربع مثلا أن يتناول مشكلة الإسكان بأبعادها المتعددة وإنما يكون على منتج التحقيق تناول المشكلة من عدة زوايا وفي هذه الحالة يجنح التناول إلى التبسيط (وليس العمق)، أو يختار زاوية واحدة يتناولها بعمق، وفي هذه الحالة تكون هناك جوانب أخرى لم يتم التعرض لها، وإذا ما تم تناول مشكلة الإسكان من خلال سلسلة من التحقيقات الإذاعية فإن ذلك يناقض في أحيان كثيرة ما تتطلبه برامج الإذاعة من تنوع وتوازن، فالتنوع يقتضي تناول موضوعات مختلفة، والتوازن يقتضي عدم التركيز على موضوع معين أو موضوعات معينة، وإهمال الموضوعات الأخرى، وحتى إذا حرص المنتج على مبدأ التنوع في إطار الموضوع الواحد، فإن وحدة الإطار العام الموضوع علـى امتداد حلقات برامجية كثيرة تفضي إلى الملل على المدى الطويل.
المسألة إذن تقتضي أن يكون لدى منتج التحقيق الإذاعي رؤيـة تقـوم على مبدأ الأهمية بحيث يختار الموضوعات التي تتصف بالأهمية والتحديـد مثل: ارتفاع أسعار الشقق عزوف القطاع الخاص عن الاستثمار في مجال الإسكان الغش في مواد البناء، تأخير استلام شقق التعاونيات وزيادة أسعارها عن بداية التعاقد انهيار بعض العمارات بمجرد إنشائها العلاقة بين الملاك والمستأجرين.. إلخ، هذا التعدد في جوانب المشكلة أو الموضوع يقتضي اختيار أكثرها أهمية في ضوء ظروف المجتمع، وفي بعض الأحيان تكون هناك ضرورة لتناول جانب معين دون سواه، فعند انهيار إحدى العمارات بشكل مفاجئ وتسفر عن عديد من الضحايا مثل هذا الموضوع جدير بأن يكون مجـالا لتحقيق إذاعي، أما في الظروف العادية، فإن الأمر متروك للقائم على التحقيق كي يختار الموضوعات الأكثر أهمية، وإلحاحا أو التي تتوافر فيـهـا عنـاصر الجاذبية والطرافة، أو التي تشبع احتياجات الجماهير ورغباتهم .. إلخ. العامل الثالث الذي يحدد مدى العمق في تناول الموضوعات المختلفة يتمثل في السياسة الإعلامية للخدمة الإذاعية فعلى الرغم من أن معد التحقيق يختار الموضوعات التي تتماشى مع هذه السياسة منذ البداية، إلا أن هناك جوانب معينة في بعض الموضوعات لا يجب تناولها، كما أن السياسة الإعلامية تنعكس على الوقت المتاح للبرامج، وهذا بدوره قد يكون محدودا بمـا لا يمكن معه التعمق في تناول الموضوع.
أما العامل الرابع، فإنه يتمثل في صعوبة الحصول علــى بعـض المعلومات اللازمة لتعميق التناول الإذاعي للموضوع، سواء كانت هذه الصعوبة بسبب حظر تداول المعلومات، أو بسبب قلة المصادر، أو عدم إمكانية الوصول إليها في الوقت المتاح لإنجاز التحقيق وتلعب البيئة السياسية والثقافية دورا كبيرا في مدى فاعلية هذه العوامل كمحددات تفرض نفسها على مدى التعمق في تناول الموضوعات المختلفة، كما أن البيئة الاقتصادية والإعلامية لا تقل تأثيرا في هذا الشأن.
غير أن الأمانة المهنية تقتضي من القائمين بالاتصال ألا تتخذ العوامل السابقة كمبررات للإخلال بالمواصفات الأساسية للتحقيق الإذاعي أو غيره من البرامج، فالصحافة (بمعناها الواسع) تتشابه مع العلم من حيث وصف الحقيقة والنزوع نحو الموضوعية والاعتماد على ما يمكن التأكد من صحته في غمار عملية جمع الحقائق، هذه الفكرة من ألزم ما يكون في البرامج الحيوية التي تستوعب مضامين وأشكالا متنوعة ويمكنها المساهمة بكفاءة في خدمة المجتمع مثل التحقيقات الإذاعية.