(الإحصار) في (أُحْصِرْتُمْ) من المصطلحات القرآنية، وهو يشمل كلا المنعين الظاهري والباطني[1]، ومن هنا صار إطلاقه شاملاً للمصدود والمحبوس اللذين هما في مقابل (المحصور) في اصطلاح الفقهاء. ف(المحصور) هو الشخص الذي لم يتمكن من إتمام الحج أو العمرة لمانع داخلي كالمرض، بينما (المصدود) هو من عجز عن إتمام هذا العمل لمانع خارجي كالعدو. وعلى المحصور أن يبعث أُضحيته إلى مكة أو منى، فإذا ذبح خرج عن جميع محرمات الإحرام باستثناء تحريم النساء الذي لا يرتفع إلا بطواف النساء؛ في حين يختلف الأمر مع المصدود الذي عليه أن يذبح في نفس مكان (الصد)، فإذا ذبح خرج عن جميع المحرّمات حتى حرمة النساء[2]. وعلى أي حال، فهذه الآية[3] آية مطلقة، ولا علاقة لها بالإحصار الفقهي، والأدلة القرآنية والروائية على ذلك هي:
1. الدليل القرآني وينقسم إلى قسمين: داخلي وخارجي. فالدليل الداخلي هو تقابل (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) مع (فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)، حيث جاء الأمن في مقابل الإحصار. وهكذا يتأكد شمول أحْصِرْتُمْ للمصدود والمحبوس أيضاً؛ لأنهما غير آمنين أيضاً.
وقد قصر بعض المفتين من أهل السنّة معنى الإحصار في هذه الآية على المصدود والممنوع من قبل العدو[4]، وربما استند في ذلك إلى ما أشرنا إليه من التقابل بين الإحصار والأمن، إلّا أنّ المشهور بين مفسّري الشيعة هو أن إطلاق هذه الآية يشير إلى شمولها للمحصور والمصدود أيضاً[5].
وربما قيل بأن معنى (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) هو معناها الفقهي المصطلح، أي الابتلاء بمانع داخلي كالمرض، ويقابله المصدود، أي المبتلى بالمانع الخارجي كالعدو. ومما يؤيد ذلك عبارة (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)؛ إِذ إن من منعه العدو من إتمام الحج لا بد وأن يكون ممنوعاً أيضاً من تقديم الهدي، وعليه أن يضحي بهديه في نفس المكان الذي صد فيه، كما فعل الرسول الاكرم ﷺ عندما اضطر نتيجة صدّ العدو إلى تقديم أضحيته في نفس مكان الصد - أي الحديبية - وخرج من ثمّ عن حالة الإحرام بصورة مطلقة[6]، في حين أن هذه الآية تفيد عدم جواز حلق الرأس إذا لم تصل الذبيحة إلى مكة أو منى، وهذا يعني أن (حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) تفيد أن المقصود بـ(أُحْصِرْتُمْ) هو خصوص المرض، لا خصوص الصدّ أو عموم المرض والصدّ معاً[7].
وجواباً على ذلك يمكن القول إن جملة (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) هي جملة مستقلة تتضمن حكماً مستقلاً ولا علاقة لها بالجملة السابقة. بل حتى لو افترضنا إثبات العلاقة فربما أمكن القول إن المحصور يجب ألا يحلق رأسه حتى يصل الهدي إلى محله، سواء كان محل الهدي مكة ومنى أم محبسه. أما الدليل الخارجي، فهو الآيات التي يكون الإحصار فيها شاملاً للمصدود وللمحبوس أيضاً:
أ. (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ[8]). و(الحصر) هنا هو أخذ المشركين وحبسهم، بعد انقضاء مهلة أربعة أشهر[9].
ب. (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ[10]). أي أعط الصدقة للفقراء الذين مرضوا حين سلوكهم سبيل الله، أو أحصر وا نتيجة للحرب. إذن، ف (الإحصار) هنا لا يختص بالمرض، بل يشمل الصدّ من قبل العدوّ أيضاً.
2. الدليل الروائي: لا يختلف حكم المحصور عن حكم المصدود في روايات الأئمة الأطهارعليهم السلام، إذ يجب على كل واحد منهما أن يقدم أضحيته للخروج من إحرامه. ومن ذلك ما قاله الإمام الباقر عليه السلام من أن رسول الإسلام ﷺ عندما كان مصدوداً في الحديبية قصر شعره وخرج من إحرامه وضحى: «إنّ رسول الله ﷺ حين صُدَّ بالحديبية قصر وأحل ونحر ثم انصرف منها، ولم يجب عليه الحلق حتى يقضي النُسُك فأما المحصور، فإنّما يكون عليه التقصير[11]».
وقد حمل الفقهاء الأمر بالتقصير عند الحصر على الاستحباب. إذن، فالمصدود أيضاً يجب عليه الهدي إذا أراد الإحلال، وإن كان يختلف في بعض الفروع - كحلية النساء وحرمتها عن حكم المحصور.
[1] مفردات ألفاظ القرآن، ص239، حصر.
[2] انظر: فقه القرآن الراوندي، ج 1، ص319 - 320.
[3] نقل القرطبي عن ابن العربي قوله: هذه آيةٌ مشكلة، عُضلةٌ من العُضَل الجامع لأحكام القرآن، مج 1، ج 2، ص 346.
[5] التبيان، ج 2، ص 155 ؛ مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 519 .
[6] السيرة النبوية ابن هشام، ج 3، ص 333.
[7] راجع: زبدة البيان، ص 235 - 236.
[8] سورة التوبة، الآية 5.
[9] المقصود من الأشهر الحرم في هذه الآية هي تلك الأشهر الأربعة التي أُمهل المشركون فيها والني عينتها الآية الثانية من سورة التوبة، وهي عشرون يوماً من شهر ذي الحجة، وأشهر محرم وصفر وربيع الأول، والأيام العشرة الأولى من شهر ربيع الثاني؛ وليس الأشهر الحرام، أي شهر رجب وذي القعدة وذي الحجة ومحرم راجع التبيان، ج 5، ص 173؛ مجمع البيان، ج 5 - 6، ص 12. ولمزيد التوضيح يمكن مراجعة تفسير الآية نفسها.
[10] سورة البقرة، الآية 273 .
[11] الكافي، ج 4، ص 368؛ وسائل الشيعة، ج 13، ص 186.