للحج والعمرة أركان وشروط ويجب تتميمهما باجتماع جميع هذه الاركان: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ).
وهناك رأيان مختلفان حول مضمون هذا الامر: أحدهما أن جملة (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) لا تفيد الا وجوب إتمام الحج والعمرة وأن آية (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا[1]) هي التي ورد فيها وجوب أصل الحج[2].
وهنا لا بد من القول بأن الحج إما أن يكون واجبا أو مستحبا إلا أن إتمام أي واحد منهما –سواء كان واجبا أم مستحبا هو من الامور الواجبة اذن فالحج المستحب ليس كالصلاة أو الصوم المستحب الذي يمكن الانصراف عن أحدهما دون اتمام أحدهما بل هو كالاعتكاف الذي يكون الشروع به مستحبا فإذا شرع المعتكف به وجب عليه إتمامه الى يومه الثالث[3].
والرأي الاخر يقول ان معنى (وَأَتِمُّوا) هو (أقيموا)، بمعنى وجوب اقامة الحج والعمرة بحيث يشمل الوجوب أصل أداء الحج كما يشمل إتمامه لا بمعنى وجوب اقامه فقط وهذا نظير آية (ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِ[4]) التي يفهم منها وجوب أصل الصوم ووجوب الاستمرار فيه الى الليل[5]، أي إن عبارة (أَتِمُّوا الصِّيَامَ) تكافئ القول ابتداء (صوموا) كما أن عبارة (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) تكافئ قوله (حجّوا واعتمروا). وبناءً على هذا تكون هيئة (وَأَتِمُّوا) أمراً ظاهراً في الوجوب، كما أنّ (الإتمام) فيها يعم الإحداث والإدامة.
ونخلص من كل ذلك إلى أنّ الآية التي هي مورد البحث تدلّ على وجوب أصل الحج والعمرة مثلما تدلّ أيضاً على وجوب إتمامهما بعد الشروع بهما، ونسبة العمرة إلى الحج كنسبة الزكاة إلى الصلاة؛ إذ كلّ واحد منهما عمل مستقل عن الآخر، وإن كانا مرتبطين في حج التمتع.
وهنا يجدر الالتفات إلى بعض النقاط: 1. إذا افترضنا أن (الإتمام) بمعنى (الإقامة)، فيكون وجوب العمرة معلوماً من هذه الآية، في حين أنّ وجوب العمرة بشكل مستقل كوجوب الحج من موارد تباين الآراء.
2. استدلّ كلّ واحدٍ من أصحاب الرأيين المذكورين ببعض الأدلة لإثبات ما يدعيه؛ إذ على الرغم من أن ظاهر عنوان (الإتمام) يفيد الإدامة لا الإحداث، مثل، (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي[6]) إلا أنه يستعمل بمعنى القيام بشيء بجميع شروطه وأجزائه، مثل (فَأَتَمَّهُنَّ[7]).
3. اعتبر الطبري والشيخ الطوسي وأمين الإسلام الطبرسي رحمهما الله[8] وكثير من المفسرين غيرهم أن الإتمام لا يعني الإقامة والإيجاد الابتدائي والاستمرار بعد الشروع، بل إنهم لم يستظهروا منه إلا معنى الاستمرار بعد الشروع.
4. وقال الفخر الرازي - طبقاً للمذهب الذي ينتسب إليه بإطلاق الأمر بالإتمام، بينما اعتبره مشروطاً بالشروع لدى الحنفية، وذكر أن ثمرة الخلاف بين الرأيين هي وجوب العمرة بشكل مستقل[9]. كما أن البيضاوي أيضاً قال بأنّ الإتمام بمعنى إتيان الحج والعمرة بصورة تامة دون عيب أو نقص، لانسجامه مع عنوان الإقامة، وابتلاء رواية عدم وجوب العمرة بالمعارض؛ لوجود رواية تدلّ على وجوبها[10].
5. ويرتفع هذا التضارب في الآراء بإيكال البحث النهائي إلى الفقه؛ لأنّ استقصاء الروايات الفقهية غير المعنية بتفسير معنى الآية ليس مقبولاً في فنّ التفسير، فلا يتيسر الوصول إلى الفتوى النهائية إلا بالتأمل فيها.
6. إنّ الذي يمكن استظهاره من هذه الآية بعنوان التفسير هو أن الإتمام بمعنى الاستمرار بعد الشروع، لا بمعنى الإقامة وإتيان الحج والعمرة بصورة تامة مستوفية لجميع الأركان والشروط.
[1] سورة آل عمران الآية 97.
[2] راجع: التبيان في تفسير القرآن، ج 2، ص 155.
[3] راجع فقه القرآن، الراوندي، ج 1، ص 263.
[4] سورة البقرة، الآية 187.
[5] التبيان في تفسير القرآن، ج 2، ص 155.
[6] سورة المائدة، الآية 3.
[7] سورة البقرة، الآية 124.
[8] جامع البیان، مج 2، ج 2، ص 280؛ التبيان، ج 2، ص 154؛ مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 518
[9] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 150 .
[10] أنوار التنزيل، ج 1، ص 109 - 110 .