لمَّا ذهب إلى ملك يان من سعى في الوشاية بسوتشين لدى جلالته، قائلًا: «إن سوتشين واحد من أكثر الناس غشًّا ورياء تحت السماء (ومع ذلك …) فإن جلالتك تسرف في تدليله والتكرم عليه بالمراتب الرفيعة، وتبذل له الاحترام والتبجيل على نحوٍ مفرط وملحوظ، حتى بَدَا الأمر للناس وكأن جلالتك تتواضع كثيرًا مع من لا يستحقون، وتتنازل كثيرًا لتُصادق (واحدًا) من السفلة والأوغاد.» فلما عاد سوتشين من دولة تشي (أهمل الملك شأنه …) فلم يأمر بالاحتفاء به وإعداد ما يلزم لإقامته [كما قد جرت بذلك العادة!] فتكلم سوتشين إلى جلالته قائلًا: «كنت حين قدمت على بلادك من جو الشرقية، يا مولاي، مجرد زائر حقير الشأن، وضيع المنزلة، ليس لي ما يستحق الذكر في سجل المآثر، ومع ذلك، فقد خرجتَ جلالتك إلى مشارف العاصمة لاستقبالي، مما كان له أكبر الأثر في تعظيم شأني داخل القصر. ثم إذا عدت إليك اليوم وقد حققتُ إنجازًا طيبًا بما توصلت إليه من إعادة المدن العشر إليك، وتصفية أجواء الخطر التي كانت تحيط بدولة يان، أجدك غير عابئ بما حققتُ من إنجاز، وقد داخلك الشك والارتياب من جهتي، فلا بد من أن أحدهم أوغر صدرك، وألقى في روعك ما يجعلني موضع اتهام، لربما قد طعن فيَّ الطاعن بأني غير ذي ثقة، فلئن كان قد قيل لك شيء من ذلك، فهو أمر يُبشر بالخير على كل حال، واسمح لي أن أسألك إذا كنت توافق أن ألتزم مع جلالتك سلوك الصدق والنزاهة (التي جُبل عليها «ويشنغ» — أشهر من اتسم بالصدق، بين الناس جميعًا) وبمنتهى الأمانة (التي اتصف بها «بوييي») وخالص الطاعة والبر (على نحو ما اشتهر به «تسنغ سن»؟) فأجابه الملك بأنه يوافق بالطبع، وعندئذٍ قال له سوتشين: «(لكني) لو كنت أملك هذه الخصال ما استطعت أن أقوم على خدمتك.» ثم أضاف قائلًا: «(اعلم أني لو كنتُ جُبلت على البر والطاعة — مثل «تسنغ سن» — لما تركت أبي وأمي، بل كنت بقيت إلى جوارهما، أعمل على خدمتهما …) فكيف كان يمكن أن تُوفدني إلى دولة تشي؟ ولو كنت مثل بوييي في أمانته وزهده، لما أكلتُ وشربت، ولكنت أحجمتُ عن خدمة ملك وي بحجة أن مثل هذا العمل تشوبه الأغراض الذاتية، ورفضت مثل بوييي أن أكون أميرًا في البلاط الحاكم، وأقمت في الوديان والجبال [حرفيًّا: «جبل شويان»] فكيف كنت أملك — مع ذلك الزهد — أن أقصد إلى بلدكم [حرفيًّا: دولة يان الضعيفة، الضئيلة] البعيد، الذي يُحدِق به الخطر من كل الجوانب؟
ولو تصورت أني يمكن أن أكتسب خصال «ويشنغ» في الثقة وحفظ العهود، لكنت تصرفت مثله … (حيث ظل ينتظر الفتاة التي ضرب لها موعدًا للقاء، فلما تأخرت ولم تحضر في الموعد، ظل مكانه مُمسكًا بأحد الأعمدة أسفل الجسر، حتى فاض النهر فأغرقه وهو واقف مكانه منتظر فتاته) وما كنت أتيت مناصرًا لرفعه شأن دولتَي يان وتشين، وبذلت في كل جهدي، حتى صار بمثابة الإنجاز الأكبر الذي أعتز به كثيرًا!
ثم إن أولئك السالكين بخصال الإخلاص والثقة إنما يصدرون — في ذلك — عن رغبة في امتلاك صفاتٍ طيبة، وليس عن مراعاة حقيقية لمصالح الآخرين، ومن ثم فهو جهدٌ شخصي غايته اجتلاب الرضا عن النفس، وليس محاولة للارتقاء والتعلم والنهوض بإمكانات الترقي والتطور.
(ومن المعلوم …) أن الملوك الثلاثة الذين تعاقبوا على عرش المجد، والإمبراطوريات الخمس التي أخذ كل منها بنصيب وافر من الرقي والازدهار، لم يكونوا جميعهم يطمحون إلى إرضاء أنفسهم (… العمل لما فيه تحقيق غاياتهم الذاتية)، ومع ذلك فها أنت تريد أن تسلك ذلك الطريق (فهل يصح هذا، وهل هو مما يجدُر بك؟) وعلى أية حال، فلو كنت تستهدف الشعور بالرضا عن النفس … فلا أظنك تستطيع أن تدفع بقواتك أبعد من منطقة «إينغ تشو»، بل لا أعتقد بأنك يمكن أن تتجاوز حدود دولة تشو [هكذا] ولن تستطيع أن تمد عينيك وأذنيك [حرفيًّا: تتجسس على …] خارج أسوار بلادك.
وفوق كل ما تقدم، فقد فارقت والدتي وهي شيخة مُسنة، وحللت عليكم عاملًا في خدمة جلالتكم، وقد خلفت ورائي كل غرض في الرضا عن النفس، لا لشيء إلا (للعمل على النهوض بالأمم، وإيقاظ حافز التقدم والتطور) وهكذا فإن طموحاتنا وأهدافنا تختلف في هذه النقطة باعتبار أن جلالتك تسعى للرضا عن نفسك، أما أنا، فمجرد وزير يجتهد (في الحث على) التطور؛ فهذا هو ما يُطلقون عليه ما صفته: (… الإساءة إلى جلالة الملك بواسطة المزيد من الإخلاص والتفاني في حفظ العهد).»
وتكلم ملك يان فقال: «وكيف يمكن أن يكون في الإخلاص وحفظ العهد ما يوجب الأذى؟» فأجابه سوتشين: «ألا تعرف أن من الإخلاص وحفظ العهد ما يعود بسوء العاقبة؟ إن لي جارًا يعمل في إحدى الوظائف الحكومية ببلد بعيد، وحدث أن نشأت علاقة سرية بين زوجته وأحد الأشخاص، فلما عاد الزوج، وقع القلق والارتباك في نفس الرجل الآخر ذي العلاقة السرية، وقالت له الزوجة: «لا عليك، دعك من القلق، فقد أعددتُ له قدح الدواء (بعد أن أفرغت فيه السم).» فلما عاد الزوج بعد يومين، طلبت الزوجة إلى الجارية أن تذهب بالقدح إلى سيدها، وكانت الجارية تعرف أن الدواء مسموم وأن جرعة واحدة منه ستودي بحياة الرجل، فهي إن أعطته إياه، فهو مقتول من ساعته وإن أفشت إليه أمر زوجته، فسيطردها خارج البيت، فلم تجد إلا أن تتظاهر بأن قدمَيها تعثرتا، فانبطحت على الأرض فانكسر القدح، وصاح بها سيدها وضربها ضربًا مبرحًا، لكنها استطاعت بما فعلته أن تُنقذ الرجل من الموت المحقق، وتحمي الزوجة من الطرد والتشرد والضياع، وعلى الرغم من إخلاصها لأسيادها فلم تنجُ من آلام الضرب الموجع فذلك ما يقال له: «جناية المرء على نفسه باستجلاب حتفه بظلفه (اقرأ … بإخلاصه).»
فكذلك أجدني، بما قدمت يداي، أقرب شبهًا بما فعلته الخادمة من إلقاء قدح السم (فيما حدثتك به الساعة) وليس هذا بالشيء الغريب، فقد قمتُ على خدمتك واجتهدت في الإخلاص لك والتفاني في القيام على شئونك وتعظيم مكانتك، راجيًا أن يكون الإخلاص موجبًا لما فيه النفع والخير للبلاد، وها أنا ذا أجد عاقبة أمري قد انتهت إلى الخسران وأخشى أن يمتدَّ أثر ذلك إلى القادمين لزيارتك والعمل في خدمتك من الوزراء والخبراء، فعساهم (وقد عرفوا ما لحق بي) أن يحجموا عن انتهاج سبل الإخلاص والثقة والتفاني في القيام على شئونك وتعظيم قدرك، ثم إني — لمَّا سافرت إلى تشين (داعيًّا للخطط السياسية)، فقد تحدثت إلى المسئولين هناك بكل صدق وصراحة؛ فلم أخدع أحدًا ولم أتحايل بالغش والخديعة على أي فرد، فإذا تصادف أن ذهب إليها — من طرفك — من تحدثوا إلى المسئولين هناك بغير ما انتهجته معهم من الصدق والإخلاص، فلن أكون ملزمًا باتباع مسلكهم، حتى لو كانوا من الحكماء والقديسين …(أمثال «ياو»، و«شون»).»