هنا لابد من ذكر نماذج من ازدهار العلوم في ضوء الوحي لبيان تأثير المعطيات السماوية في العلم والمعرفة البشرية.
بيان كيفية استخدام القوة بواسطة الوحي
إن ما يُوفّره الإنسان عبر الفكر هو القوة والقدرة، ولكن لا يعرف جيداً كيفية استخدامها وتشخيص مواطن الانتفاع بها ومعرفة منافعها ومضارّها بيد أن الوحي السماوي يبيّن جيداً طريقة استخدامها فيقول مثلاً كأصل شامل وأمر عام: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]؛ فقد أوضح عبر هذه الهداية الشاملة والقيادة العامة كيفية استخدام جميع القوى المادية والمعنوية.
صناعة أفضل الأدوات الدفاعية من أشد الوسائل الهجومية
بعد أن لان الحديد الصلب للنبي داود (عليه السلام) بالإعجاز الغيبي، جاءه أمر الوحي الإلهي أن يستخدمه في صناعة الأسلحة الدفاعية لا المخربة قائلاً: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 10، 11]. فأمره أن يصنع دروعاً وسيعة بحلقات هندسية وثقوب متناسقة.
النقطة المهمة هي أن يُصنع من أشدّ الوسائل التخريبية أفضل الأدوات الدفاعية ومن أقوى القدرات الهجومية أدق الصناعات الدفاعيـة ومـن أقــسـى مظاهر الهجوم والقمع أفضل أسباب المقاومة والصمود. وزبدة البحث أنـه قـد انصب السعي في الكلام عن الحديد الذي فيه ((بأس شديد)) وفيه ((منافع للناس))؛ {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25]، في بعده النافع لا في بعده الخشن والقاتل والمُخرّب.
إرشاد الإسلام في بيع السلاح للفئات الباطلة والمتخاصمة
إن شب القتال بين فئتين من أهل الكفر والباطل واندلعت نيران الحرب وراجت سوق السلاح في خضم هذه الأزمة، يتصدى في هذا المجال العلم البشري الذي يُستعمل في خدمة الأرباح الدنيوية العابرة لتصنيع الأسلحة المُخرّبة ويبذل واسع جهده لبيعها للطالبين، بيد أن الوحي السماوي قـد بـين مسار الإنسان في هذه الكارثة الرهيبة والحدث المرّ بشكل جيد ويقول في هذا الشأن بأن هاتين الفئتين وإن كانتا من أهل الباطل على الافتراض المذكور ولم تكونا من المسلمين وأهل الحق، ولكن لا ينبغي بيع السلاح المخرب والقاتل لهما، بل لابد من وضع الأسلحة الدفاعية بين أيديهما.
فقد روي عن هشام عن محمد بن قيس أنه قال: سألت أبا عبد الله عـن الفئتين يلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال: ((بعهما ما يُكنّهما؛ الدرع والخفين ونحو هذا(1).
فإن هذا أمر إسلامي إنساني حيث لا يُجيز لأحد أن يستغل هذه الفرصة المرّة حيث نيران الحرب مستعرة أو أن يُهياً أرضية الدمار والقتل عبر بيـع الأسلحة الهجومية أو أن يتسبب من خلال التمييز والانحياز إلى عرق خاص أو صنف مشخص أو حزب معين أو جمع محدد استعلاء فئة على أخـرى وتأمين طموحها التوسعية وبالتالي يقوم بإرساء ركائز الاستكبار، بيد أن الإنسان الحر المتحرر من أغلال الحرص وشراك الطمع وسلاسل اكتناز الأموال وفخ الجشع مكلف بالبيع لكلا الفئتين المتخاصمين المتقاتلين لا البيع لفئة واحدة وأن يبيعهما سلاحاً دفاعياً لا مُدمّراً وذلك لصيانة دماء الناس من أبناء جنسه والحؤول دون التخريب والهجوم والدمار، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): ((بعهمـا ما يُكنّهما؛ الدرع والخفين ونحو هذا))؛ أي بع كلا الفئتين ما يكون حافظاً وحارساً لهما وحائلاً دون إراقة الدماء كالدرع وما شابهه.
ازدهار العلوم السياسية في ضوء الوحي
لقد رسم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) الهندسة الإسلامية ونموذج السياسة الإلهية في كتابه إلى مالك الأشتر حيث بين فيه كيفية استخدام القدرة المركزية وحدد طريقة استعمال القوة السياسية واعتبر مجال نفوذ الحكومة محدوداً بحدود العدالة قائلاً: ((ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق))(2).
فقد تجلى في هذا الأمر السياسي الذي هو مظهر للوحي الإلهي ازدهار جزء من العلوم الإنسانية بشأن الحكمة العملية. وهي سياسة المجتمع بوضوح لأن الإمام (عليه السلام) قد حصر كيفية استخدام العلم السياسي وحقوق الناس بدائرة العدل ولم يسمح بتاتاً اجتياز حدوده المقدسة حتى بالنسبة لغير المسلمين وهذا هو ازدهار علم سياسة المجتمع في ضوء الوحي الإلهي.
فمن الواجب أن تحوم رسالة الثورة الثقافية حول هذه المسائل المذكورة لكي تنال العلوم الإنسانية ذروة ازدهارها وتصل العلوم التجريبية أيضاً إلى قمة سموّها وبالتالي فكما يُدوّن ويُدرّس ((النظام الداخلي)) في الفروع التخصصية، ينبغي التعرض أيضاً لنظامها ((الفاعلي)) و ((الغائي)) الذي يوجب التعهد والتعبد الديني ويتم تطبيقهما جنباً إلى جنب ليظهر العلم بمظهر العقل ويقترن التخصص بالتعهد الإلهي.
_________________________
(1) وسائل الشيعة، ج 17، ص 102.
(2) نهج البلاغة، الكتاب 53.