لغة الإذاعة والتليفزيون:
عندما نتحدث عن لغة الإذاعة والتليفزيون، فنحن نقصد بها تلك اللغة المرئية أو المكتوبة أو المنطوقة، وقد حاول عديد من العلماء والباحثين تحديد المقصود بكلمة لغة "Language" ووضعوا العديد من التعريفات لهذه الكلمة نذكر منها:
اللغة نسق من الرموز الصوتية التي شاعت وانتشرت بوسائل شتى ليتعامل بها الأفراد.
اللغة مجموعة الإجراءات الفسيولوجية والسيكولوجية التي في حوزة الإنسان لتمكنه من الكلام.
اللغة هي وظيفة التعبير اللفظي عن الفكر سواء كان داخليا أو خارجيًا.
اللغة هي استعمال وظيفة التعبير اللفظي عن الفكر في حالة معينة، فيقال فلان يستعمل لغة غامضة، وفلان يتكلم بلغة العقل.
اللغة كل نظام من العلاقات الدالة يمكن أن يستخدم وسيلة اتصال.
اللغة هي القدرة على اختراع العلاقات الدالة أو استعمالها قصدًا أو عمدًا.
ويرى العالم السويسري فرديناند دي سوسيير أن ما نسميه لغة يتخذ مظهرين مختلفين: أحدهما واقعي والآخر ذهني، وقد أطلق على الأول الكلام وعلى الثاني اللغة والكلام عند سوسيير هو ما يحدث فعلا من أصوات لغوية صادرة من الإنسان، أما اللغة فهي مجموعة الصور الذهنية التي توجد في عقل جماعة من الجماعات والتي يمكن أن تخرج إلى الوجـود علـى شكل كلام، ويرى أن الصورة الذهنية هي في الواقع صورتان صورة اللفظ أي كيفية النطق، وصورة الدلالة وهي فهم معنى اللفظ، ومجموع هاتين الصورتين هو ما يسميه دي سوسيير باسم الرمز اللغوي.
واللغة هي أداة الاتصال، كما أن الاتصال هو الرباط الوثيق الذي يبرزه علماء اللغة في معرض حديثهم عن تحليل العلاقة بين اللغة والمجتمع، فطرق التفكير تشيع في المجتمع بواسطة الاتصال الذي يتم من خلال اللغة، سواء كانت لغة منطوقة أو غير منطوقة Nonverbal، وهذه اللغة الأخيرة (غير المنطوقة) تستخدم كمرادف للاتصال غير اللفظي Nonverbal communication ومنها تعبيرات الوجه وحركات اليد أو حركات بعض أجزاء الجسم الأخرى، والإشارات والإيماءات وغير ذلك من أدوات الاتصال غير اللفظي التي كانت محل اهتمام العديد من علماء الاتصال، غير أن الفكرة ذات الدلالة للغة البرنامج الإذاعي هي التي أوردها برنت روبين Brent D. Ruben تحت مسمى "اللغة المماثلة"، أي ما يحدث أثناء الكلام من تعبيرات مثل طبقة الصوت والسرعة في الإلقاء والوقفات والصمت وغير ذلك من التعبيرات، والتي سنتناولها في هذه الدراسة من خلال الجزء الخاص بالإلقاء، وعلى الرغم من أهمية اللغة اللفظية، إلا أن اللغة المنطوقة (الكلام) هي الوسيلة الرئيسية للاتصال كما أنها الوسيلة الأساسية للتأثير في الإدراك علاوة على ذلك فإن اللغة المنطوقة هي رباط تذكر الماضي عند الفرد والجماعة، ورباط الوعي بالحاضر، ورباط التنبؤ بالمستقبل، فالفرد يكتسب - بواسطة اللغة - طرق التفكير الشائعة في المجتمع الذي نشأ فيه.
وقد كانت اللغة ولم تزل محل اهتمام من جانب دراسات الاتصال الجماهيري بصفة عامة وظهر العديد من القضايا ذات الأهمية في هذا الشأن نذكر منها التعدد اللغوي وانعكاساته على النظم الإذاعية، فعلى مستوى العالم أمكن تحديد 3500 لغة، وإن كان المكتوب منها لا يزيد على 500 لغة فقط، وهناك ما يقرب من 1250 لغة تستخدم في القارة الإفريقية وحدها، وفي أوربا توجد 28 لغة قومية، أما شعوب جنوب آسيا فإنهم يستخدمون 23 لغة رئيسية، كما يوجد عدد كبير من دول العالم تتحدث عددا كبيرا من اللغات، ففي الاتحاد السوفيتي يوجد 89 لغة ويوجد بالهند أكثر من 1650 لغة ولهجة وإن كانت لا تعترف إلا بخمس عشرة لغة فقط، وفي غانا يوجد 56 لغة، ويتحدث الهنود المكسيكيون أكثر من 200 لغة وقد أمكن تدوين عدد كبير من هذه اللغات، ولكن معظمها لم يدون بعد.
هذا التعدد في اللغات وإن كان تعبيرا عن الثراء والتنوع الثقافي والحضاري في العالم إلا أنه يضع نوعا من القيود على الإذاعة والتليفزيون وغيرهما من وسائل الاتصال الجماهيرية، ويتطلب غالبا أن تزيد هذه الوسائل من إمكاناتها بحيث نتمكن من تقديم الرسالة بأكثر من لغة، سواء كانت الرسالة تستهدف الجمهور الداخلي أو الجماهير الأجنبية، فعلى مستوى الدولة الواحدة نجد أن التعدد اللغوي Languistic plurality في مقدمة المتغيرات التي تؤثر على النظام الإذاعي (راديو وتليفزيون)، فإذا كان بالدولة جماعات لغوية متعددة بحيث لا يمكن إنشاء خدمة إذاعية أو تليفزيونية خاصة بكل جماعة، تضطر الدولة إلى استخدام أو بمعنى أصح فرض لغة أو لغتين أو أكثر، وفق إمكاناتها التي غالبا ما تكون محدودة بحيث يستحيل الإذاعة بكل اللغات الوطنية الموجودة هذه المشكلة التعدد اللغوي وانعكاساتها على النظام الإذاعي في الدولة توجد في العديد من دول العالم المتقدمة والنامية على السواء، ففي أوربا نجد التعدد أو الازدواج اللغوي، حيث توجد اللغتان الإنجليزية والفرنسية بجانب اللغات واللهجات المحلية، نفس المشكلة في العديد من المناطق الأخرى بالعالم وتزداد مشكلة التعدد أو الازدواج اللغوي تفاقما إذا ما كانت الجماعة اللغوية ذات اتجاهات سياسية معينة، ففي هذه الحالة يكون في مقدمة مطالبها الأساسية و وجود خدمة إذاعية أو تليفزيونية تعبر عن ثقافتها الذاتية وتنطق بلغتها حتى في حالة وجود خدمات إذاعية وتليفزيونية مركزية تذيع بلغة مشتركة.
ومن جهة ثانية تنعكس مشكلة اللغة على النظام الإذاعي في الدولة إذا وجدت جماعات تنطق بلغات غير مدونة أي غير مكتوبة، أو تنقصها المفردات اللغوية المتطورة في هذه الحالة يصبح النظام الإذاعي مجال خصومة بين الحكومة والأقليات أو الجماعات اللغوية، وقد يصل الأمر إلى حد التهديد بالانفصال والتمزق الداخلي، ولا يكون هناك مفر من وجود نظـام إذاعـي يتناسب مع التركيب اللغوي في المجتمع ، فسويسرا مثلا بها عدة جماعات لغوية، أهمها الألمانية والفرنسية والإيطالية ، لذلك ظهر بها ثلاثة نظم إذاعية مستقلة تقريبا، تذيع بهذه اللغات بالإضافة إلى عدد آخر من اللغات المحلية الموجودة، وفي بلجيكا جماعتان لغويتان الأولى فرنسية والثانية فلمنكية، والجماعتان متعاديتان، الأمر الذي قام معه نظام إذاعي لكل جماعة، كما أن الاتحاد السوفيتي يذيع إلى الجمهور الداخلي بستين لغة.
وفي العالم العربي نجد انعكاس مشكلة اللغة على النظم الإذاعية العربية، فإذا كانت اللغة العربية هي السائدة، إلا أن هناك ما يمكن تسميته بؤر اختراق لهذه اللغة، ففي شمال أفريقيا مثلا نجد لغـة البربر، واللغة الفرنسية، وفي العراق نجد اللغة الكردية وفي جنوب السودان نجد عديد من اللغات واللهجات الأفريكانية، وجود هذه اللغات اقتضى وجود برامج وخدمات إذاعية تذيع بها، ففي تونس والجزائر والمغرب توجد إذاعات وبرامج تليفزيونية تقدم بالفرنسية ولغة البربر وفي العراق توجد الإذاعة الكردية، وكذلك الإذاعة التركمانية، وفي جنوب السودان حيث التعددية اللغوية، كجزء من التعددية الثقافية، ظهرت العقبات الرئيسية أمام وسائل الاتصال السودانية لصهر الثقافات الجنوبية في بوتقة واحدة، وذلك على الرغم من وجود إذاعة ركن الجنوب كبرنامج موجه إلى المديريات الجنوبية منذ عام 1955م عقب موجة التمرد في هذه المديريات، كما تبث الإذاعة السودانية برامج باللغات الإنجليزية والفرنسية. كل ذلك يعكس مدى تأثير التعدد اللغوي على أساليب الممارسات الإذاعية، خاصة إذا كان هذا التعدد له أبعاد سياسية تهدد كيان الدولة كما هو الحال في جنوب السودان.
من هذه الأمثلة يتضح لنا أن اللغـة ليست مجرد أداة للتعبير عن الرسالة أو البرامج التي تقدمها الخدمات الإذاعية والتليفزيونية في أي بلـد مـن بلاد العالم، وإنما هي قضية أو مشكلة بكل معاني الكلمة لدرجة أنها تمثل أحد المتغيرات الرئيسية التي تؤثر في النظام الإذاعي ككل لما لها من أبعاد سياسية واجتماعية عميقة الأبعاد وبما يخرج عن نطاق الأهداف المبتغاة مـن هذه الدراسة.