0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول أحاديث (البداء)

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 61 ــ 78

2026-07-19

48

+

-

20

الحديث الخامس: [في البَداء]

ما رويته بأسانيدي السالفة عن ثقة الإسلام، وعلم الأعلام، محمّد بن يعقوب الكلينيّ رحمه الله في الكافي بإسناده الصحيح عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد ابن عيسى، عن الحجّال، عن أبي إسحاق ثعلبة، عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «ما عُبِد اللَّه بشيء مثل البَداء» (1).

قال: وفي رواية ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «ما عظّم اللَّه بمثل البَداء» (2).

توضيح:

للبداء معانٍ يُطلق عليها، بعضها يجوز عليه تعالى، وبعضها يمتنع، وهو - بالفتح والمدّ - أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه، وحصول العلم به بعد الجهل، واتّفقت الأمّة على امتناع ذلك على اللَّه سبحانه إلّا مَن لا يعتدُّ به، ومن نسب ذلك إلى الإماميّة من النواصب فقد افترى عليهم كذباً، والإماميّة منه بُراء.

وقد يُطلق على النسخ، وعلى القضاء المجدّد، وعلى مطلق الظهور، وعلى غير ذلك من المعاني الآتية، وقد تظافرت الأخبار من طرقنا بثبوت البَداء، ورواه جملة من المخالفين أيضاً (3).

قال ابن الأثير في النهاية - في حديث الأقرع والأبرص والأعمى -: بدا للَّه ‌أن يبتليهم، أي قضى اللَّه بذلك؛ وهو معنى البَداء ههنا؛ لأنّ القضاء سابق، والبداء استصواب شيء علم بعد أن لم يُعلم، وذلك على اللَّه غير جائز (4). انتهى.

وورد أيضاً: أنّ الصدقة والدعاء يغيّران القضاء (5)، وورد خبر دعاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) على اليهودي وخبر عيسى الآتيين، وغير ذلك.

ومع ورود ذلك في أخبارهم فقد شنّعوا على الإماميّة بذلك، فقال إمامهم ورئيس المشكّكين في خاتمة كتاب المحصّل حاكياً عن سليمان بن جرير عاملهما اللَّه بعدله: إنّ أئمّة الرافضة وضعوا لشيعتهم أصلين لا يقدر عليهم معهما: التقيّة والقول بالبَداء، فإذا قالوا: إنّه سيكون لهم أمر وشوكة، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبرا به، قالوا: بدا للَّه ‌تعالى فيه، وإذا رووا عن أئمّتهم فعلًا أو تركاً يخالف ما هم عليه، قالوا: إنّه صدر تقيّة واستصلاحاً (6) وأجاب سلطان المحقّقين، نصير الملّة والحقّ والدين في نقد المحصّل: بأنّ الإماميّة لا يقولون بالبداء وإنّما ورد في رواية رووها عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه جعل إسماعيل القائم مقامه بعده، فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم مقامه موسى (عليه السلام)، فسُئل عن ذلك، فقال: «بدا للَّه‌ في إسماعيل». وهذه رواية واحدة، وعندهم أنّ الخبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملًا (7). انتهى.

واستغرب هذا الجواب جماعة من المحقّقين ممّن تأخّر، ومنهم السيّد السند الداماد (8)، والعلّامة المجلسيّ (9) وغيرهما، والأخبار في ثبوت البداء ووجوب الإقرار به مستفيضة من طرقنا كادت أن تبلغ حدّ التواتر، وقد عقد لها في الكافي باباً، ورواها الصدوق والشيخ (10) وغيرهم من أئمّة الحديث وأساطينهم، فكيف خفي ذلك على المحقّق الطوسيّ ولم يطّلع إلّا على تلك الرواية التي لم نعثر عليها بعد الفحص؟!

ويمكن دفع هذا الاستبعاد بأنّ البداء الذي نسبه رئيس المشكّكين إلى الإماميّة إنّما هو البداء في أخباراهم الجزميّة البتّيّة بوقوع بعض الحوادث، وأصحابنا لا يقولون بذلك، والروايات المستفيضة بمعزل عن هذا المعنى كما يأتي، والرواية التي ذكرها المحقّق الطوسيّ من ذلك القبيل الذي اتّفق على منعه أصحابنا، فلذلك ردّوها، فلم توجب عندهم علماً ولا عملًا.

مع أنّها بهذا اللفظ لم نقف عليها في كتب الأخبار، ومع أنّ فيها إشكالات أخر تنافي أصول المذهب من وقوع البداء في التبليغات والأحكام الدينيّة والعقائد الأصوليّة ممّا لا نقول به، ومن منافاتها لما استفاض من الأخبار بين الفريقين من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قد نصّ على خلفائه الإثني عشر، واحداً بعد واحد بأسمائهم (11)، وأنّ جبرئيل نزل بصحيفة من السماء فيها أسماؤهم واحداً (12) بعد واحد، فكيف تصحّ هذه الرواية؟! نعم، روى الصدوق في التوحيد عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما بدا للَّه‌ أمر كما بدا له في إسماعيل ابني»، قال: يقول (عليه السلام): ما ظهر للَّه ‌أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني إذ اخترمه قبلي ليُعلم بذلك أنّه ليس إمام بعد أبيه (13). انتهى. وكيف كان، فلأصحابنا - رضوان اللَّه عليهم - في تحقيق البداء الذي تظافرت به الأخبار معانٍ صحيحة:

أحدها: ما ذكره الفيلسوف النحرير، والمحقّق الخبير السيّد السند العماد محمّد باقر الداماد، في نبراس الضياء، قال: البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعيّ والأحكام التكليفيّة (14) نسخ، فهو في الأمر التكوينيّ والمكوّنات الزمانيّة بداء، فالنسخ كأنّه بداء تشريعيّ، والبداء كأنّه نسخ تكوينيّ، ولا بداء في القضاء بالنسبة إلى جناب القدّوس الحقّ، والمفارقات المحضة من الملائكة القدسيّة، وفي متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القارّ والثبات الباتّ، ووعاء عالم الوجود كلّه. وإنّما البداء في القدر وفي امتداد الزمان الذي هو أفق التقضّي والتجدّد، وظرف التدريج والتعاقب، وبالنسبة إلى الكائنات الزمانيّة ومن في عالم الزمان والمكان، وإقليم المادّة والطبيعة. وكما أنّ حقيقة النسخ عند التحقيق: انتهاء الحكم التشريعيّ وانقطاع استمراره، لا رفعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء - عند الفحص البالغ - [انبتات] (15) استمرار الأمر التكوينيّ، وانتهاء اتّصال الإفاضة، ومرجعه إلى تحديد زمان الكون وتخصيص وقت الإفاضة، لا أنّه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه وبطلانه في حدّ حصوله (16).

وثانيها: ما ذكره بعض المحقّقين في شرحه على الكافي، وتبعه المحدّث الكاشانيّ في الوافي، وهو: أنّ القوى المنطبعة الفلكيّة لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة؛ لعدم تناهي تلك الأمور، بل إنّما ينتقش فيها الحوادث شيئاً فشيئاً، وجملة فجملة، مع أسبابها وعللها على نهج مستمرّ ونظام مستقرّ، فإنّ ما يحدث في عالم الكون والفساد إنّما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخّرة للَّه، ونتائج بركاتها، فهي تعلم أنّ كلّما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه، فينتقش فيها ذلك الحكم.

وربّما تأخّر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحوادث على خلاف ما يوجبه بقيّة الأسباب لولا ذلك السبب، ولم يحصل لها العلم بذلك بعد؛ لعدم اطّلاعها على سبب ذلك السبب، ثمّ لمّا جاء أوانه واطّلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأوّل، فينمحي عنها نقش الحكم السابق، ويثبت الحكم الآخر.

مثلًا: لمّا حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب تقتضي ذلك، ولم يحصل لها العلم بتصدُّقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت لعدم اطّلاعها على أسباب التصدُّق بعد ثمّ علمت به، وكان موته بتلك الأسباب مشروطاً بأن لا يتصدّق، فتحكم أوّلًا بالموت، وثانياً بالبرء.

وإذا كانت الأسباب لوقوع أمر أو لا وقوعه متكافئة ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد - لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد - كان لها التردّد في وقوع ذلك الأمر أو لا وقوعه، فينتقش فيها الوقوع تارة، واللاوقوع أخرى، فهذا هو السبب في البداء والمحو والإثبات والتردّد، وأمثال ذلك في أمور العالم.

فإذا اتّصلت بتلك القوى نفس النبيّ (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه السلام) فرأى فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمعه بأذن قلبه.

وأمّا نسبة ذلك كلّه إلى اللَّه سبحانه فلأنّ كلّ ما يجري في العالم الملكوتيّ إنّما يجري بإرادة اللَّه تعالى، بل فعلهم بعينه فعل اللَّه، إنّهم لا يعصون ما أمرهم ويفعلون ما يُؤْمَرون؛ إذ لا داعي لهم إلى الفعل إلّا إرادة اللَّه (عزّ وجلّ)؛ لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى.

ومثلهم كمثل الحواسّ للإنسان، كلّما همّ بأمر محسوس امتثلت الحواسّ لما همّ به، فكلّ كتابة تكون في هذه الألواح والصحف فهو أيضاً مكتوب للَّه ‌تعالى (عزّ وجلّ) بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأوّل، فيصحّ أن يوصف اللَّه نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار، وإن كان مثل هذه الأمور تشعر بالتغيُّر والنسوخ، فهو تعالى منزّه عنه، فإنّ كلّ ما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيّته (17). انتهى.

وقال في الوافي بعد ذلك: ونظير ذلك ما مضى في الحديث في باب تأويل ما يوهم التشبيه من أنّ نسبة الأسف والمظلوميّة ونحوهما إلى نفسه تعالى إنّما هو باعتبار خلطه بعض عباده بنفسه، وللَّه الحمد على ما فهّمنا من غوامض علمه (18). انتهى.

ولا يخفى بُعده، ويظهر منه جواز البداء فيما يصل علمه إلى الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام) بسبب اتّصال نفوسهم بتلك القوى المنطبعة التي هي موطن البداء، وإن أخبروا بالوقوع أو اللاوقوع، كما يرشد إليه بعض الأخبار الآتية.

ثالثها: ما يحكى عن الفاضل المدقّق الميرزا رفيعا، وهو: أنّ الأمور كلّها - عامّها وخاصّها، ومطلقها ومقيّدها، ومنسوخها وناسخها، ومفرداتها ومركّباتها، وإخباراتها وإنشاءاتها، بحيث لا يشذّ عنها شيء - منتقشة في اللوح [المحفوظ] (19)، والفائض منه على الملائكة والنفوس العلويّة والنفوس السفليّة قد يكون الأمر العام أو المطلق، أو المنسوخ حسبما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، ويتأخّر المبيّن إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، وهذه النفوس العلويّة وما يشبهها يعبّر عنها بكتاب المحو والإثبات.

والبداء: عبارة عن هذا التغيّر في ذلك الكتاب، من إثبات ما لم يكن مثبتاً، ومحو ما يثبت (20) فيه، والروايات كلّها تنطبق عليه، وبملاحظة جميعها يهتدى إليه (21). انتهى.

رابعها: ما ذكره السيّد المرتضى في جواب مسائل أهل الريّ، وهو: أنّ المراد بالبداء: النسخ نفسه، وادّعى أنّه ليس بخارج عن معناه اللغويّ (22)، وقريب منه ما ذكره الشيخ في العدَّة، إلّا أنّه صرّح بأنّ إطلاقه على النسخ على ضرب من التوسّع والتجوّز، وحمل الأخبار عليه (23)، ويمكن إرجاعه إلى المعنى الأوّل.

خامسها: ما ذكره الصدوق في كتاب (التوحيد)، حيث قال: ليس البداء كما تظنّه جهّال النّاس بأنّه بداء ندامة، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، ولكن يجب علينا أن نقرّ للَّه ‌(عزّ وجلّ) بأنّ له البداء، معناه: أنّ له أن يبدأ بشيء من خلقه، فيخلقه قبل كلّ شيء، ثمّ يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلق غيره، ويأمر بأمر ثمّ ينهى عن مثله، أو ينهى عن شيء ثمّ يأمر بمثل ما ينهى عنه، وذلك بمثل نسخ الشرائع، وتحويل القبلة، وعدّة المتوفّى عنها زوجها، ولا يأمر اللَّه عباده بأمر في وقت إلّا وهو يعلم أنّ الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، ويعلم في وقت آخر لهم الصلاح في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم.

فمن أقرّ بأنّ للَّه‌ (عزّ وجلّ) أن يفعل ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويخلق مكانه ما يشاء، ويقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويأمر بما يشاء كيف يشاء، فقد أقرّ بالبداء، وما عظّم اللَّه بشيء أفضل من الإقرار بأنّ له الخلق والأمر، والتقديم والتأخير، وإثبات ما لم يكن، ومحو ما كان.

والبداء: هو ردٌّ على اليهود؛ لأنّهم قالوا: إنّ اللَّه قد فرغ من الأمر، فقلنا: إنّ اللَّه كلّ يوم هو في شأن، يحيي ويميت، ويرزق ويفعل ما يشاء.

والبداء ليس من ندامة، وإنّما هو ظهور أمر. تقول العرب: بدا لي الشخص في طريقي، أي ظهر. قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47] أي ظهر لهم، ومتى ظهر للَّه - تعالى ذكره - من عبده صلة لرحمه زاد في عمره، ومتى ظهر له منه قطيعة رحم نقّص من عمره، ومتى ظهر له من عبده إتيان الزنا نقّص من عمره ورزقه، ومتى ظهر له منه التعفّف عن الزنا زاد في رزقه وعمره.

ومن ذلك قول الصادق (عليه السلام): «ما بدا للَّه ‌كما بدا له في إسماعيل ابني»؛ يقول: ما ظهر له أمر كما ظهر له في إسماعيل ابني؛ إذ اخترمه قبلي ليعلم بذلك أنّه ليس بإمام بعدي.

وقد روي لي من طريق أبي الحسين الأسدي في ذلك شيء غريب، وهو أنّه روى أنّ الصادق (عليه السلام) قال: «ما بدا للَّه‌ بداء كما بدا له في إسماعيل أبي، إذ امر أباه بذبحه، ثمّ فداه بذبح عظيم».

وفي الحديث على الوجهين عندي نظر، إلّا أنّي أوردته لمعنى لفظ البداء (24). انتهى.

أقول: وجه النظر ما أشرنا إليه سابقاً في توجيه كلام المحقّق الطوسيّ رحمه الله.

سادسها: ما ذكره شيخ الطائفة في كتاب [الغيبة] (25) حيث قال - بعد إيراد بعض أخبار البداء -: الوجه في هذه الأخبار - إن صحّت - أنّه لا يمتنع أن يكون اللَّه تعالى قد وقّت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلمّا تجدّد ما تجدّد تغيّرت المصلحة، واقتضت تأخيره إلى وقت آخر، وكذلك فيما بعد، ويكون الوقت الأوّل وكلّ وقت يجوز أن يؤخّر مشروطاً بأن لا يتجدّد ما يقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لم يغيّره شيء، فيكون محتوماً.

وعلى هذا يتأوّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها والزيادة فيها عند الدعاء، وصلة الأرحام، وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم، وقطع الرحم وغير ذلك، وهو تعالى وإن كان عالماً بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط والآخر بلا شرط، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل.

وعلى هذا يتأوّل أيضاً ما روي من أخبارنا المتضمّنة للفظ البداء، وتبيّن أنّ معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل فيما يجوز فيه النسخ، أو تغيّر شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات؛ لأنّ البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال اللَّه تعالى ما كنّا نظنّ خلافه، أو يعلم ولا نعلم شرطه.

فمن ذلك ما رواه سعد بن عيسى عن البزنطيّ، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «قال عليّ بن الحسين، وعليّ بن أبي طالب قبله، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد: كيف لنا بالحديث مع هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، فأمّا من قال: إنّ اللَّه تعالى لم يعلم الشيء إلّا بعد كونه فقد كفر وخَرج عن التوحيد».

وقد روى سعد بن عبد اللَّه عن أبي هاشم الجعفري، قال: سأل محمّد بن صالح الأرمني أبا محمّد العسكري عليه السلام عن قول اللَّه عزّ وجل: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فقال أبو محمّد (عليه السلام): «وهل يمحو إلّا ما كان، ويثبت ما لم يكن؟» فقلت في نفسي: هذا خلاف ما يقول هشام؛ لأنّه لا يعلم الشيء حتّى يكون، فنظر إليّ أبو محمّد عليه السلام فقال: «تعالى الجبّار العالم بالأشياء قبل كونها» الحديث.

والوجه في هذه الأخبار ما قدّمنا ذكره من تغيّر المصلحة فيه، واقتضائها تأخيره الأمر إلى وقت آخر على ما بيّنّاه دون ظهور الأمر له تعالى، فإنّا لا نقول به، ولا نجوّزه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً (26) انتهى.

سابعها: ما صار إليه بعض الفضلاء من أنّ البداء عبارة عن القضاء السابق - تعويلًا على كلام ابن الأثير في النهاية - وهو بعيد لا تنطبق الأخبار عليه.

ثامنها: ما يحكى عن الفاضل المحقّق ابن أبي الجمهور الإحسائيّ في حواشي عوالي اللآلي، وهو موقوف على تمهيد مقدّمة، هي: أنّ القضاء: هو الأمر الكلّيّ الواقع في العالم العقليّ، المسمّى بعالم الملكوت، وعالم الغيب، وعالم الأمر، واللوح المحفوظ. والقدر: هو تفصيل ذلك القضاء الواقع في الوجود الخارجيّ، والعالم الحسّيّ المسمّى بعالم الملك، وعالم الشهادة، وعالم التقدير. والفرق بين الأمرين لا يكاد يشتبه.

وبهذا يظهر معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ لمّا مرّ يوماً بجنب حائط فأسرع في المشي، فقيل له: أتفرّ يا أمير المؤمنين من قضاء اللَّه تعالى؟ فقال (عليه السلام): «أفرّ من قضاء اللَّه إلى قدره».

ويتّضح أنّ مراده أنّي أفرّ من ذلك الأمر الكلّيّ المشروط بشرائطه إلى ما هو مقدّر تابع لتلك الشرائط على ما يقتضيه العلم الإلهي المتعلّق به.

ويتّضح معنى قول النبيّ (صلى الله عليه وآله): «فرغ اللَّه من أربع: الخلق والقضاء والرزق والأجل»، فلمّا سمع اليهود هذا قالوا: فإنّ اللَّه تعالى الآن معطّل؛ لأنّه قد فرغ من الأمور كلّها، فقال (عليه السلام): «كلّا ليس الأمر كذلك، فإنّه يوصل القضاء إلى القدر» ومعناه: أنّ الأمر التفصيليّ الجزئيّ يجب مطابقته للأمر الكلّيّ ووقوعه على ترتيبه، ويسمّى الأوّل عالم القضاء والثاني عالم القدر، ويجوز الفرار (27) من القضاء الإلهيّ، ولكن لا يجوز الفرار من القدر التابع له، فإنّ إيصال القضاء إلى القدر ووقوع القدر بموجب القضاء [واجب، بل] هو فعله وشأنه بحكم قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]، والقدر هو موطن البداء، وتلك التجدّدات والتقضّيات نتائجه (28).

تاسعها: ما حكي عن الفاضل الطيّبيّ في شرح مشكاة المصابيح، وهو من أعلام المخالفين، قال: إذا علم اللَّه تعالى أنّ زيداً يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها أو بعدها، فاستحال أن تكون الآجال - التي عليها علم اللَّه - أن تزيد أو تنقص، فتعيّن تأويل زيادة العمر ونقصانه الواردين في الأخبار النبويّة بأنّهما بالنسبة إلى ملك الموت أو غيره ممّن وكّل بقبض الأرواح وأمر بالقبض بعد آجال محدودة، فإنّه تعالى بعد أن يأمره بذلك أو يثبته في اللوح المحفوظ ينقص منه أو يزيد على ما سبق به علمه في كلّ شيء، وهو معنى قوله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]، وعلى ما ذكر يحمل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2]، فالإشارة بالأجل الأوّل إلى ما في اللوح المحفوظ وما عند ملك الموت، وبالأجل الثاني إلى ما في قوله: «وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ»، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] (29). انتهى.

عاشرها: ما اختاره العالم العلم الربّانيّ المحقّق الثالث، والعلّامة الثاني المحدّث الفاضل المجلسيّ في الأربعين، ومرآة العقول وغيرهما، وهو أوضح الطرق وأقربها لانطباق جميع الأخبار الواردة في ذلك عن الأئمّة الأطهار عليهم صلوات اللَّه الملك الغفّار، وهو: أنّهم (عليهم السلام) إنّما بالغوا في البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إنّ اللَّه قد فرغ من الأمر، وعلى النظّام وبعض المعتزلة القائلين: إنّ اللَّه خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، معادن ونباتاً، وحيواناً وإنساناً، ولم‌ يتقدّم خلق آدم على خلق أولاده، والتقدّم إنّما يقع في ظهورها، لا في حدوثها ووجودها، وإنّما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون والبروز من الفلاسفة.

وعلى بعض الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكيّة، وبأنّ اللَّه تعالى لم يؤثّر حقيقة إلّا في العقل الأوّل، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه وسلطانه، وينسبون الحوادث إلى هؤلاء. وعلى آخرين منهم قالوا: إنّ اللَّه سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة دهريّة لا ترتيب فيها باعتبار الصدور، بل إنّما ترتّبها في الأزمان فقط، كما أنّه لا تترتّب الأجسام المجتمعة زماناً، وإنّما ترتّبها في المكان فقط، فنفوا عنه كلّ ذلك، وأثبتوا أنّ اللَّه تعالى كلّ يوم في شأن، من إعدام شيء وإحداث آخر، وإماتة شخص وإحياء آخر إلى غير ذلك؛ لئلّا يترك العباد التضرّع إلى اللَّه ومسألته وطاعته والتقرّب إليه بما يصلح أمور دنياهم وعقباهم، وليرجوا عند التصدُّق على الفقراء وصلة الأرحام وبرّ الوالدين والمعروف والإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر، وزيادة الرزق وغير ذلك (30). انتهى كلامه رفع مقامه.

وتوضيحه: أنّ البداء المنسوب إليه تعالى معناه: أن يبدو له في الشيء فيثبته بعد عدمه، أو عكس ذلك مختاراً مع علمه بأصله، وعلمه بأنّه سيفعله في المستقبل لأغراض ومصالح وغايات سبق العلم بها على التفصيل، ولا يحدث له من معلومها شيء لم يكن معلوماً له سابقاً؛ لئلّا يلزم نسبة الجهل إليه تعالى، كما نطقت به الأخبار، ففي الصحيح عن الصادق (عليه السلام) قال: «ما بدا للَّه ‌في شيء إلّا كان في علمه قبل أن يبدو له» (31)، وعنه (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه لم يبد له من جهل» (32).

فالبداء منه سبحانه لمحو المثبت وإثبات غير المثبت مسبوق بعلمه الأزليّ، وليس البداء مخصوصاً بالمحو فقط، بل يشمل الإثبات كما دلّت عليه الآية والرواية.

وبالجملة، فمرجع البداء المذكور إلى أنّه سبحانه مختار على الإطلاق في عامّة الأفاعيل والتكوينات، مستمرّ التصرّف والإرادات في كلّ الأمور وكافّة الأحوال والشؤون، فعلها وتركها، وإحكامها ونقضها، وتقديمها وتأخيرها، جليلها وحقيرها، وقبيلها ودبيرها، ولهذا لم يعبد اللَّه ولم يعظّم بشيء مثل البداء؛ لأنّ المدار استجابة الدعاء والرغبة إليه سبحانه والرهبة منه، وتفويض الأمور إليه، والتعلّق بين الخوف والرجاء، والتصدّق والرحم والأعمال الصالحة وأمثالها من أركان العبوديّة، كلّها على البداء.

حادي عشرها: أنّه ترجيح أحد المتقابلين، والحكم بوجوده بعد تعلّق الإرادة بها تعلّقاً غير حتميّ؛ لرجحان مصلحته وشروطه على مصلحة الآخر وشروطه، ومن هذا القبيل إجابة الداعي، وتحقيق مطالبه، وتطويل العمر بصلة الرحم، وإرادة إبقاء قوم بعد إرادة إهلاكهم، وقد قال مولانا الرضا (عليه السلام) لسليمان المروزيّ - وهو كان منكراً للبداء وطلب منه (عليه السلام) ما يدلّ عليه من القرآن -: «قوله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وآله): ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: 54]، ثمّ بدا للَّه ‌تعالى فقال: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55] (33) يريد (عليه السلام) أنّه أراد إهلاكهم؛ لعلمه بأنّهم لا يؤمنون، وأراد بقاءهم لعلمه بأنّه يخرج من أصلابهم المؤمنون، فرجّح بقاءهم فحكم به؛ تحقيقاً لمعنى الإيمان.

تتمّة مهمّة: [في تحقيق اللوحين]

قال خاتمة المحدّثين العلّامة المجلسيّ:

اعلم أنّ الآيات والأخبار تدلّ على أنّ اللَّه تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات:

أحدهما: اللوح المحفوظ الذي لا تغيُّر فيه أصلًا، وهو مطابق لعلمه تعالى.

والآخر: لوح المحو والإثبات، فيثبت فيه شيئاً، ثمّ يمحوه لحِكَمٍ كثيرة لا تخفى على اولي الألباب.

مثلًا: يكتب فيه: أنّ عمر زيد خمسون سنة، ومعناه أنّ مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره، فإذا وصل الرحم - مثلًا - يمحى الخمسون ويكتب مكانه الستّون، وإذا قطعها يكتب مكانه أربعون، وفي اللوح المحفوظ أنّه يصل عمره ستّون، كما أنّ الطبيب الحاذق إذا اطّلع على مزاج شخص يحكم بأنّ عمره بحسب هذا المزاج يكون ستّين سنة، فإذا شرب سمّاً ومات أو قتله إنسان فنقص من ذلك، أو استعمل دواء قوي مزاجه فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب.

والتغيير الواقع في هذا اللوح مسمّى بالبداء؛ إمّا لأنّه مشبّه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء والاستهزاء والسخرية وأمثالها، أو لأنّه يظهر للملائكة أو للخلق - إذا أخبروا بالأوّل - خلاف ما علموا أوّلًا.

وأيّ استبعاد في تحقّق هذين اللوحين؟ وأيّ استحالة في هذا المحو والإثبات حتّى يحتاج إلى التأويل والتكلّف، وإن لم تظهر الحكمة فيه لنا؛ لعجز عقولنا عن الإحاطة بها، مع أنّ الحِكَم فيها ظاهرة:

منها: أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح والمطّلعين عليه لطفه تعالى بعباده، وإيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقّونه، فيزداد به معرفة.

ومنها: أن يعلم العباد - بإخبار الرسل والحجج (عليهم السلام) - أنّ لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم، ولأعمالهم السيّئة تأثيراً في فسادها، فيكون داعياً لهم إلى الخيرات، صارفاً لهم عن السيّئات.

فظهر أنّ لهذا اللوح تقدّماً على اللوح المحفوظ من جهة؛ لصيرورته سبباً لحصول بعض الأعمال، فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله، فلا يتوهّم أنّه بعدما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو والإثبات.

ومنها: أنّه إذا أخبر الأنبياء والأوصياء أحياناً من كتاب المحو والإثبات، ثمّ أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به، ويكون في ذلك تشديداً للتكليف عليهم، تسبيباً لمزيد الأجر لهم، كما في سائر ما يبتلي اللَّه عباده به من التكاليف الشاقّة وإيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها، وبها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين.

ومنها: أن تكون هذه الأخبار تسلية لقوم من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء اللَّه وغلبة الحقّ وأهله، كما روي في قصّة نوح حين أخبر بهلاك القوم، ثمّ أخّر ذلك مراراً، وكما روي في فرج أهل البيت (عليهم السلام) وغلبتهم؛ لأنّهم (عليهم السلام) لو كانوا أخبروا الشيعة في أوّل ابتلائهم باستيلاء المخالفين وشدّة محنتهم أنّه ليس فرجهم إلّا بعد ألف سنة أو ألفي سنة ليئسوا ورجعوا عن الدين، ولكنّهم (عليهم السلام) أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج، وربّما أخبروهم بأنّه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين، ويثابوا بانتظار الفرج، كما سيأتي في باب كراهية التوقيت من كتاب الحجّة، عن عليّ بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «الشيعة تربّى بالأمانيّ منذ مئتي سنة». قال: وقال يقطين لابنه عليّ بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له عليّ: إنّ الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير أنّ أمركم حضر فأعطيتم محضه، فكان كما قيل لكم، وأنّ أمرنا لم يحضر فعلّلنا بالأمانيّ، فلو قيل لنا: إنّ هذا الأمر لا يكون إلّا إلى مئتي سنة أو ثلاثمئة سنة لقست القلوب، ورجع عامّة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه؛ تألّفاً لقلوب الناس، وتقريباً للفرج.

ومعنى قوله: «قيل لنا» أي خلافة العبّاسيّة، وكان من شيعتهم، أو في دولة آل يقطين، و«قيل لكم»، أي في أمر القائم وظهور فرج الشيعة.

وبالجملة، فإخبارهم بما يظهر خلافه ظاهراً من قبيل المجملات والمتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحِكَم، ثمّ يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها وبيانها.

ومعنى قولهم (عليهم السلام): «ما عُبِد اللَّه بمثل البداء» أنّ الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبيّة؛ لصعوبته ومعارضة الوساوس الشيطانيّة فيه، ولكونه إقراراً بأنّ له الخلق والأمر، وهذا كمال التوحيد.

أو المعنى: أنّه من أعظم الأسباب والدواعي لعبادة الربّ تعالى كما عرفت، وكذا قولهم (عليهم السلام): «ما عظّم اللَّه بمثل البداء» يحتمل الوجهين، وإن كان الأوّل فيه أظهر.

وأمّا قول الصادق (عليه السلام): «لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه» فلمّا مرّ أيضاً من أنّ أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء؛ إذ لو اعتقدوا أنّ كلّ ما قدّر في الأزل فلابدّ من وقوعه حتماً لَما دعوا اللَّه في شيء من مطالبهم، وما تضرّعوا إليه، وما استكانوا لديه، ولا خافوا منه، ولا رجعوا إليه، إلى غير ذلك ممّا قد أومأنا إليه.

وأمّا أنّ هذه الأمور من جملة الأسباب المقدَّرة في الأزل أن يقع الأمر بها لا بدونها فممّا لا يصل إليه عقول أكثر الخلق؛ فظهر أنّ هذا اللوح وعلمهم بما يقع فيه من المحو والإثبات أصلح لهم من كلّ شيء (34). انتهى.

تبصرة: [في أنّ للَّه‌ علمين]

روى ثقة الإسلام بإسناده عن الفضيل بن يسار عن الباقر (عليه السلام) قال: «العلم علمان: فعلم عند اللَّه مخزون، لم يطلع عليه أحداً من خلقه، وعلم علّمه ملائكته ورسله، فما علَّمه ملائكته ورسله فإنّه سيكون، لا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله، وعلم عنده مخزون، يقدّم منه ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، ويثبت ما يشاء» (وعنه عليه السلام قال: «من الأمور أمور موقوفة عند اللَّه، يقدّم منها ما يشاء، ويؤخّر منها ما يشاء» (35)، وعن أبي بصير عن أبي عبداللَّه (عليه السلام) قال: «إنّ للَّه‌ علمين: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو، من ذلك يكون البداء، وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه، فنحن نعلمه» (36)، وهذه الأخبار تدلّ على أنّ البداء لا يقع في أخبار الأنبياء والأئمّة معلّلة، ويؤيّده العقل السليم والفهم المستقيم من أنّ وقوع البداء في إخباراتهم (عليهم السلام) يؤدّي إلى عدم الاعتماد عليها والوثوق بها والركون إليها، ويكون عدم وقوع ما أخبروا بوقوعه أو العكس موجباً لتنفّر الناس عنهم، إلّا أنّ بإزاء هذه الأخبار أخباراً أخر تدلّ على وقوع البداء في إخباراتهم:

ومنها: ما رواه الصدوق في العيون عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) أنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ اللَّه (عزّ وجلّ) أوحى إلى نبيّ من أنبيائه أن أخبر فلاناً المَلِك أنّي متوفّيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النبيّ فأخبره، فدعا اللَّه الملك وهو على سريره حتّى سقط من السرير، وقال: يا ربّ، أجّلني حتّى يشبّ طفلي وأقضي أمري، فأوحى اللَّه تعالى إلى ذلك النبيّ: أن ائتِ فلاناً الملك فأعلمه أنّي قد أنسأت أجله وزدت في عمره خمسة عشر سنة، فقال ذلك النبيّ: يا ربّ، إنّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ، فأوحى اللَّه تعالى إليه: إنّما أنت عبد مأمور وأبلغه ذلك، واللَّه لا يُسئَل عمّا يفعل» (37)، وما رواه الكلينيّ في باب الصدقة عن الصادق (عليه السلام) قال: «مرّ يهوديّ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله)، فقال: السام عليك، فقال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): وعليك، فقال أصحابه: إنّما سلّم عليك بالموت، فقال: الموت عليك، قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): وكذلك رددت. ثمّ قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): إنّ هذا اليهوديّ يعضّه أسود في قفاه فيقتله. قال: فذهب اليهوديّ فاحتطب كثيراً فاحتمله، ثمّ لم يلبث أن انصرف، فقال له رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله): ضعه، فوضع الحطب، فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود، فقال (صلى الله عليه وآله): يا يهوديّ، أيّ شيء عملت اليوم؟ فقال: ما عملت عملًا إلّا حطبي هذا احتملته وجئت به، وكان معي كعكتان فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين. فقال رسول اللَّه (صلّى الله عليه وآله): بها دفع اللَّه عنك» (38)، وقال (صلى الله عليه وآله): «إنّ الصدقة تدفع ميتة السوء عن الإنسان» (39)، ويمكن الجمع بوجوه:

الأوّل: أن يكون المراد بالأخبار الأولى عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على سبيل التبليغ، بأن يؤمروا بتبليغه؛ ليكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ.

وفيه: أنّه لا ينطبق على الخبر الأوّل.

الثاني: أن يكون المراد بالأولى الوحي، ويكون ما يخبرون به من جهة الإلهام واطّلاع نفوسهم عن الصحف السماويّة يقع فيه البداء. وهو كالذي قبله.

الثالث: أن تكون الأولى محمولة على الغالب، فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة.

الرابع: ما أشار إليه الشيخ رحمه الله في كتاب الغيبة من أنّ المراد بالأخبار الأولى عدم وصول الخبر إليهم وإخبارهم على سبيل الحتم، فتكون أخبارهم على قسمين:

أحدهما: ما أوحي إليهم أنّه من الأمور المحتومة، فهم يخبرون كذلك، ولا بداء فيه.

وثانيهما: ما يوحى إليهم لا على هذا الوجه، فهم يخبرون كذلك، وربّما أشعروا أيضاً باحتمال وقوع البداء فيه، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الإخبار بالسبعين: و﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾. وهذا وجه قريب.

الخامس: أن يكون المراد بالأخبار الأولى أنّهم لا يخبرون بشيء لا تظهر وجه الحكمة فيه على الخلق؛ لئلّا يوجب تكذيبهم، بل لو أخبروا بشيء من ذلك يظهر وجه الصدق فيما أخبروا به كخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ونحوه خبر عيسى، حيث ظهرت الحيّة دالّة على صدق مقالتهما (40).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي، ج 1، ص 14، باب البداء، ح 1؛ التوحيد، ص 331، ح 1؛ بحار الأنوار، ج 4، ص 107، ح 19.

(2) الكافي، ج 1، ص 146، باب البداء، ح 1؛ التوحيد، ص 333، ح 2؛ بحار الأنوار، ج 4، ص 107، ح 20.

(3) معنى البداء ثابت عند جمهور أهل السنة، وهو: أنّ اللَّه قد ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحّة و...، وقد روى ذلك جابر عن رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله). راجع: التفسير الكبير، ج 5، ص 210.

(4) النهاية (لابن الأثير)، ج 1، ص 109 (بدا).

(5) انظر: من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 368، ح 5762؛ وعنه في وسائل الشيعة، ج 9، ص 384، ح 12296. هذا في الصدقة، وأمّا الدعاء فانظر: الكافي، ج 2، ص 469، باب أنّ الدعاء يرد البلاء والقضاء، ح 1؛ وسائل الشيعة، ج 7، ص 26، ح 8613، وغيرها من الأحاديث المتعدّدة.

(6) راجع: تلخيص المحصّل، ص 421 - 424.

(7) راجع: تلخيص المحصّل، ص 421 - 424.

(8) نبراس الضياء، ص 8.

(9) راجع: بحار الأنوار، ج 4، ص 123؛ مرآة العقول، ج 2، ص 124.

(10) راجع: الغيبة، للشيخ الطوسي، ص 427 - 432.

(11) راجع: بحار الأنوار، ج 36، ص 192، باب نصوص اللَّه عليهم.

(12) راجع: بحار الأنوار، ج 36، ص 192، باب نصوص اللَّه عليهم.

(13) التوحيد، ص 336، ح 10.

(14) في المصدر: «التشريعيّة التكليفيّة والوضعيّة والمتعلّة بأفعال المكلّفين» بدل قوله: «التكليفيّة».

(15) أثبتناه من المصدر، وهو بمعنى الانقطاع، وفي نسخ الكتاب ومطبوعه: «إثبات استمرار...» وهو سهوٌ.

(16) نبراس الضياء، ص 55 - 57، مع اختلاف يسير وتلخيص لبعض العبائر.

(17) نقله المجلسي عن بعض الأفاضل في شرحه على الكافي. راجع: بحار الأنوار، ج 4، ص 128؛ الوافي، ج 1، ص 507 - 509؛ عين اليقين، ج 1 ص 405 - 406.

(18) الوافي، ج 1، ص 510 - 509.

(19) أضيف من المصدر.

(20) في المصدر: «أثبت».

(21) الحاشية على أصول الكافي، (الميرزا رفيعا)، ص 475.

(22) حكاه عنه المجلسي في بحار الأنوار، ج 4، ص 125.

(23) حكاه عنه المجلسي في بحار الأنوار، ج 4، ص 129؛ ومرآة العقول، ج 2 ص 131.

(24) التوحيد، ص 335 - 336، ذيل حديث 9.

(25) في النسخ الخطّية والمطبوع: «العُدّة»، وهو سهو.

(26) في نسخ الكتاب والمطبوع في الموردين: «الفراغ» وما أثبت من المصدر.

(27) عوالي اللآلي، ج 4، ص 114 مع اختلاف في بعض الألفاظ، أثبتناها كما في العوالي، وليس فيه: «وتلك التجدّدات والتقضّيات نتائجه».

(28) حكاه عنه في تحفة الآحوذي، ج 6 ص 290.

(29) الأربعين، ص 59 - 60؛ مرآة العقول، ج 2، ص 131.

(30) الكافي، ج 1، ص 148، باب البداء، ح 9 و10.

(31) الكافي، ج 1، ص 148، باب البداء، ح 9 و10.

(32) التوحيد، ص 443، ح 1. وفيه: «قول اللَّه (عزّ وجلّ)» بدل «قوله تعالى».

(33) مرآة العقول، ج 2، ص 132 - 135.

(34) الكافي، ج 1، ص 147، باب البداء، ح 6؛ تفسير العيّاشي، ج 2، ص 217، ح 67.

(35) المحاسن، ج 1، ص 243، ح 232؛ الكافي، ج 1، ص 147، باب البداء، ح 7؛ تفسير العياشي، ج 2، ص 217، ح 65، وعن المحاسن في بحار الأنوار، ج 4، ص 113، ح 37.

(36) بصائر الدرجات، ص 109، ح 2؛ الكافي، ج 1، ص 147، باب البداء، ح 8؛ وعن البصائر في بحار الأنوار، ج 4، ص 109 - 110، ح 27.

(37) عيون الأخبار، ج 2، ص 161؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 4، ص 95 - 96، ح 2.

(38) الكافي، ج 4، ص 5، باب أن الصدقة تدفع البلاء، ح 3؛ وعنه في وسائل الشيعة، ج 12، ص 78، ح 15689.

(39) الكافي، ج 4، ص 2، باب فضل الصدقة، ح 1 و2 باختلاف يسير؛ وسائل الشيعة، ج 2، ص 433، ح 2566. وفيه: «صاحبها» بدل «الإنسان».

(40) وهذه الوجوه الخمسة ذكرها المجلسي في بحار الأنوار، ج 4، ص 133؛ ومرآة العقول، ج 2، ص 135.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد