عزلة الراشي وانفصاله عن الامة الاسلامية
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص574-576
2026-07-14
42
يستفيد من عبارة (أَمْوَالِ النَّاسِ) بأن الراشي يتسبب بفعلته تلك بانفصاله عن المجتمع الاسلامي وعدم مراعاته لحرمة ذلك المجتمع فالراشي اذا ليس سوى فرد غريب عن الامة الاسلامية ولهذا نرى بأن القرآن الكريم تحدث أولا عن مسألة حفظ الاموال بشكل عام قائلا: (أَمْوَالَكُم) باعتبار أن أموال الاخرين هي بمثابة أموالنا نحن كذلك وأموالنا هي أموال الاخرين ولكن عند الاشارة الى موضوع التجاوز والاعتداء قال القرآن الكريم: (أَمْوَالِ النَّاسِ) (فميز بين الفئة الاولى المنتمية الى المجتمع الاسلامي وبين الفئة الثانية التي انفصلت عن ذلك المجتمع بتجاوزها على أموال الاخرين[1]).
ويشير القرآن الكريم الى أفراد الامة الاسلامية كوحدة منسجمة ومتآلفة ومتماسكة الاجزاء واستنادا الى هذه الحقيقة نراه تارة يسمي أولئك الافراد بالإخوة في الدين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[2])، أو شيئا أرفع و أسمى من ذلك تارة أخرى وهو أنهم أبعاض حقيقة واحدة وجسد واحد حيث يقول: (وَلَا يَغۡتَب بَّعضُكُم بَعضًا[3]) لأن أبعاض الهيكل الواحد لا يمكن أن تنفصل عن بعضها البعض وفي أحيان أخرى يعبر عن ذلك بدقة أكبر حيث يسمي الامة الاسلامية بالنفس ويقول: (وَلَا تقتلوا أَنفُسَكُم[4]) و(وَلَا تَلمِزُوا أَنفُسَكُم[5]). ويبدو من ذلك أنه لو قتل شخص ما شخصا آخر بغير حق فإن ذلك يمثل انتحارا وقتلا للذات[6]، وإذا فضح المسلم أخاه المسلم فكأنما قد فضح نفسه هو، بل لو قتل أحدا بغير نفس أو حق فكأنما قتل القاتل الناس جميعا بما فيهم نفسه هو والعكس صحيح كذلك: (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[7]): لأن الامة السلامية تمثل نفسا واحدة.
وفي الاية التي نقوم بتفسيرها يقول الله عز وجل: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) وهذا يعني أن أموال بعض المسلمين هي أموال البعض الاخر منهم لأن كل واحد منهم يعتبر عضوا في جسد واحد حيث يشكل جميعهم الامة الاسلامية إذن فلا يجب على أي منهم أكل مال الاخر بالباطل فلكل واحد منهم سهم معين وحد مقرر لذلك لا ينبغي لهم الاعتداء على حدود الاخرين لأن ذلك يعد اعتداء على حدوده هو وتجاوزا على حقوقه هو. فالقرآن الكريم يريد إفهام المسلمين أن جميعهم يمثلون واقعا أو حقيقة واحدة منسجمة ومتراصة وعليه لا يحق لأي منهم خيانة تلك الحقيقة.
ولو قال الله تعالى مثلا في الاية المذكورة: لا يأكلن أحدكم مال غيره لكان معنى ذلك هو الغصب فقط لا كن العبارات المذكورة بشأن المال: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم) أو النفس: (وَلَا تقتلوا أَنفُسَكُم) أو العرض والسمعة: (وَلَا تَلمِزُوا أَنفُسَكُم) أو ما يتعلق بمراعاة التقاليد والآداب: (فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُم[8]) كل تلك العبارات يفهم منا بأن أفراد المجتمع الاسلامي يشكلون بمجموعهم الامة الاسلامية الكبرى فضلا عن أن الاية المذكورة تتضمن أحكاما تكليفية أخرى.
إلماعة: يستفيد من نسبة الاموال الى الجميع: (أَمولَكُم) بأن المجتمع الاسلامي ككل يمتلك حقا في تلك الاموال كامتلاك الفرد الواحد لذلك الحق.
[1] الزيادة بين الاقواس من المترجم.
[6] أي: كأن القاتل يقتل نفسه هو
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في المعاملات
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة