الانبعاث بواسطة الغاز
المؤلف:
جيمس بيني
المصدر:
الفيزياء الفلكية مقدمة قصرية جدا
الجزء والصفحة:
ص18
2026-07-01
16
يعتمد جزءٌ كبير من معرفتنا بالغاز بين النجوم على دراسة الإشعاعات التي تنبعث من الذرات والجُزيئات البين نجمية. تتألف ذرات الهيدروجين من إلكترون في مدار حول بروتون وتُصدر بآليتَين مختلفتَين تمامًا إشعاعًا قابلًا للرصد. الآلية الأولى تحدث عندما يتغير دوران الإلكترون بالنسبة إلى دوران البروتون؛ حيث تكون طاقة الذرة أعلى قليلًا عندما تكون الدورات غير متوافقة، مقارنةً بحالتها عندما تكون متوافقة؛ ومن ثَم يمكن لذرة ذات دوراتٍ غير متوافقة أن تصدر فوتونًا من خلال عكس دوران الإلكترون. الطول الموجي لهذا الفوتون (21سم) أطول بكثير من حجم الذرة؛ لذا فالذرة هي مشعٌّ غير فعَّال للغاية لهذا الإشعاع ذي الطول الموجي الطويل. في الواقع، إذا تُركَت الذرة دون تدخل، فمن المحتمل أن تبقى في حالتها ذات الدوران غير المتوافق لأكثر من 100 مليون سنة قبل الانهيار إلى الحالة الأقل طاقة. لحسن الحظ، يمكن أن يكون الأمر هادئًا جدًّا في المناطق النائية من الفضاء بين النجوم، وهناك أعدادٌ هائلة من ذرات الهيدروجين في هذه المناطق تتهيأ للانتقال؛ لذلك إذا ضبطتَ هوائي راديو على التردُّد السحري، يمكنك التقاط إشارة قوية من الذرات ذات الدوران المنعكس. تنبأ بوجود هذه الإشارة فرانك فان دير هولست عندما كان طالبًا في ليدن، التي كانت محتلةً آنذاك من قِبل النازيين، في هولندا. أصبح اكتشاف هذه الإشارة ممكنًا بفضل أبحاث الرادار خلال الحرب، وفي عام 1951 أُعلن عن اكتشافها بشكلٍ متزامن من جانب مجموعات في هولندا، وأستراليا، والولايات المتحدة.
حسَّن اكتشاف إشعاع بطولٍ موجي 21سم من الهيدروجين الذري فهمنا لمجرَّتنا بدرجةٍ كبيرة؛ حيث استطعنا لأول مرة الحصول على صورةٍ واضحة لدوران مجرَّتنا. يُظهِر الإشعاع حالة حركة الذرات التي تبعثه؛ لأن التردد الذي تبُثه الذرة محدَّد بدقةٍ كبيرة بالنسبة إلى المراقب الثابت بالنسبة إلى الذرة. إذا كانت الذرة تتحرك بالنسبة إلى المراقب، يتغير التردُّد الذي يجري قياسه؛ حيث يرتفع التردُّد إذا كانت الذرة تتحرك نحو المراقب، وينخفض إذا كانت تبتعد عنه (تأثير دوبلر).
لا تتفاعل جُزيئات الهيدروجين مع الفوتونات التي تحتوي على طاقةٍ أقل من الفوتونات فوق البنفسجية، وهذه الفوتونات نادرة. لذا فالهيدروجين يكاد يكون غير مرئي. وهذه مشكلةٌ كبيرة للفلكيين لأن نحو نصف الغاز البينجمي في مجرَّتنا يتألف من الهيدروجين، وفي كثيرٍ من الأحيان هو النصف الأكثر أهمية؛ لأنه النصف البارد والكثيف الذي يمكن أن يتحول إلى نجوم وكواكب. لحسن الحظ، يوفِّر أول أكسيد الكربون (CO) مؤشرًا جيدًا لتعقُّب الهيدروجين. فجُزيء أول أكسيد الكربون «ثنائي الأقطاب الكهربية»؛ لأن ذرة الأكسجين (O) تجذب النصيب الأكبر من الإلكترونات، مما يجعل نهاية الكربون (C) من الجُزيء موجبة قليلًا ونهاية الأكسجين سالبة. وما لم تكن درجة حرارة الغاز منخفضة للغاية، تدور جزيئات أول أكسيد الكربون أثناء حركتها، ويشعُّ القطب الكهربائي الدوَّار موجاتٍ كهرومغناطيسية. تُصدَر هذه الموجات بتردداتٍ دقيقة جدًّا؛ لأن ميكانيكا الكم تحدِّد معدلات الدوران الممكنة بقيمٍ متقطعة؛ حيث يمكن للجُزيء أن يكون دون دوران (عدد كمي j يساوي صفرًا) أو بوحدة دوران واحدة (j يساوي واحدًا)، أو وحدتَين، وهكذا. علاوةً على ذلك، يمكن للجُزيء تغيير حالة دورانه بوحدةٍ واحدة فقط في كل مرة، وعندما يمُر من حالة الدوران j ال 1- j يصدر فوتونًا يحمل كمية من الطاقة تتناسب مع j لذا فجميع تردُّدات الفوتونات المنبعثة هي أضعاف التردُّد الأساسي المرتبط بالانتقال 0= j →1= jهذه الفوتونات الأساسية لها طولٌ موجي يبلغ 2٫3مم، وبما أن الطول الموجي يتناسب عكسيًّا مع التردد، فإن الطول الموجي للانتقال j-1→ j هو 2,3/j مم.
تعتمد احتمالية دوران جُزيء معيَّن بمعدل j على درجة حرارة الغاز؛ فإذا كانت درجة الحرارة منخفضة، تكون كمية الطاقة المتوفرة قليلة، مما يؤدي إلى دوران وتحرك عددٍ قليل من الجزيئات بسرعات عالية، بينما عند ارتفاع درجة الحرارة، تميل الجزيئات إلى الدوران والتحرك بسرعاتٍ عالية. ومن ثَم، فإن نسبة عدد الجزيئات في الحالة4= jعلى سبيل المثال، إلى تلك في الحالة 1= j تزداد مع ارتفاع الحرارة. يترتَّب على ذلك أنه مع ارتفاع الحرارة، تزداد أيضًا شدة الخط الطيفي ذي الطول الموجي 2٫3 / 4مم نسبيًّا إلى ذلك ذي الطول الموجي 2٫3مم. ومن ثَم، يمكن عن طريق قياس عدة خطوط طيفية من هذا النوع تقدير درجة حرارة الغاز.
في سبعينيات القرن الماضي، أصبح من الممكن إجراء مسح لمجرَّتنا باستخدام هذه الخطوط الطيفية الأولى، مما أتاح رسم خريطة للجزء الأكثر كثافة وبرودة في الوسط البينجمي.
رُسمَت منذ فترة طويلة خرائط للمجرَّات القريبة باستخدام الخطَّين الطيفيَّين بطولٍ موجي 21سم و2٫3مم. وأصبح الآن من الممكن اكتشاف أول أكسيد الكربون في المجرَّات البعيدة جدًّا، وجارٍ العمل على مستوى العالم لبناء تلسكوبٍ راديوي عملاق، وهو مصفوفة الكيلومتر المربع، التي ستجعل بالإمكان بدايةً من عام 2020، رسم خرائط لتوزيع الغاز المُشِعِّ بطول موجي 21سم قبل تشكُّل النجوم والمجرَّات الأولى.
لا يمتص الهيدروجين الذري، في حالته الأساسية، الفوتونات المرئية، ولكنه يمتص الفوتونات فوق البنفسجية ذات الطاقة العالية، التي تحمل أكثر من 10٫2 فولتات إلكترونية. تُسمى الفوتونات التي تحمل 10٫2 فولتات إلكترونية فوتونات لايمان ألفا α وتؤدي دورًا مهمًّا في علم الفلك؛ لأنها تتبعثر بسهولة عَبْر ذرات الهيدروجين؛ حيث تمتص الذرة الفوتون وتُعيد إطلاقه في اتجاهٍ مختلف.
أما الفوتونات التي تحمل طاقة أكثر من 13٫6 فولتًا إلكترونيًّا، فيمكنها أن تزيل الإلكترون تمامًا من ذرة الهيدروجين. أي إنه يمكنها أن تؤيِّن ذرة الهيدروجين، وتحوِّلها إلى إلكترون حر وبروتون. بعد ذلك، من المحتمل أن يلتقط البروتون إلكترونًا حرًّا مارًّا، ويصدر فوتونًا أثناء هذه العملية. ربما لا يحمل الفوتون الأول المنبعث سوى كميةٍ صغيرة من الطاقة؛ لأن الإلكترون يكون في البداية بالكاد مرتبطًا بالبروتون. ولكن بمجرد أن يصبح الإلكترون محاصرًا، من المحتمل جدًّا أن يسقط، مثل شخص ثَمِل يفقد توازنه على درَج، أعمق وأعمق في المجال الكهربائي للبروتون، ويصدر فوتونًا آخر مع كل خطوة ينزلق إليها. تُعرف الفوتونات المنبعثة أثناء سقوط الإلكترون إلى الخطوة ما قبل الأخيرة من الدرَج «بفوتونات بالمر». لفوتونات بالمر الأقل طاقةً، وهي فوتونات هيدروجين ألفا Hα لونٌ وردي جميل وتظهر بوضوحٍ في صور الأماكن التي تتشكل فيها النجوم؛ لأن النجوم الساخنة في هذه المناطق تؤيِّن الغاز حولها، مما يمهِّد الطريق لإعادة اتحاد البروتونات والإلكترونات.
للفوتونات فوق البنفسجية تأثيرٌ كبير على الجُزيئات بالإضافة إلى الذرات، لأنها تستطيع تفكيك الجُزيئات إلى ذراتها المُكوِّنة، فيما يُعرف «بتفكيك» الجُزيئات. في الواقع، هذه هي الطريقة الرئيسية لتدمير الجُزيئات؛ حيث تتشكل الجُزيئات على حُبيبات الغبار وتدمرها الفوتونات فوق البنفسجية. لذا، فإن التركيب الكيميائي للغاز البينجمي يعتمد بشكلٍ كبير على التوازن بين القوة التدميرية للفوتونات فوق البنفسجية والدور التحفيزي لحُبيبات الغبار. فكلما كانت كثافة الغاز أعلى، زادت احتمالية اصطدام الذرَّات بحُبيبات الغبار، وازدادت نسبة الذرَّات المرتبطة في شكل جُزيئات. علاوةً على ذلك، إذا كانت كثافة حُبيبات الغبار عالية، فإنها ستمتص جزءًا كبيرًا من الفوتونات فوق البنفسجية من النجوم الساخنة قبل أن تتمكن من تفكيك الجُزيئات. لذلك، تزداد نسبة الغاز في شكله الجُزيئي بسرعة مع زيادة كثافة الغاز.
إذا أصبحَت كثافة الغاز في منطقةٍ ما مرتفعة جدًّا، فيمكن أن ينشأ وضعٌ مُنفَلِت؛ حيث ترتفع الكثافة باستمرار تقريبًا بلا حدود. يحدث هذا الانفلات بسبب أنه مع زيادة كثافة الغاز، يخترق عددٌ أقل من الفوتونات فوق البنفسجية المنبعثة من النجوم القريبة عمق السحابة قبل امتصاصها. لكننا رأينا أن الحُبيبات هي المصدر الرئيسي لحرارة الغاز بين النجوم، وأن الجُزيئات مثل أول أكسيد الكربون تشعُّ الطاقة. ومن ثَم، يؤدي انخفاض كثافة الفوتونات فوق البنفسجية وزيادة الجزء الجُزيئي إلى تبريد الغاز. يبذل الغاز الأكثر برودة ضغطًا أقل عند الكثافة نفسها؛ لذا عندما يبرد، تنكمش السحابة تحت تأثير جاذبيتها الداخلية. ومع زيادة الكثافة، تصبح الفوتونات فوق البنفسجية أقل وفرة، مما يؤدي إلى استمرار تبريد الغاز وانكماشه أكثر. يؤدي هذا الانفلات في الكثافة إلى تكوين الكُرات المظلمة، كما هو مبيَّن في الشكل 1 التي تتحول لاحقًا إلى نجوم.

الشكل 1 كرة مظلمة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في النجوم
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة