المشكلات الناجمة عن استخدام المبيدات الكيميائية
لقد أدى الاستخدام المكثف والعشوائي لمبيدات الآفات الكيميائية في الزراعة إلى العديد من المشاكل الخطيرة، فبجانب زيادة تكلفة الإنتاج ظهرت خاصية المقاومة resistance في عدد من الآفات الهامة ومسببات الأمراض الميكروبية ضد بعض المبيدات الكيميائية، وكذلك وجود متبقيات المبيدات pesticide residues السامة في المنتجات الزراعية مثل منتجات الألبان وعودة ظهور الآفات والميكروبات الضارة، وارتفاع معدلات تكاثرها، والقضاء على الكائنات الحية النافعة، إلى جانب التأثيرات البيئية الأخرى. وتشير الإحصاءات إلى أن هناك ( 25 ) مليون شخص على مستوى العالم يعانون من التسمم بالمبيدات في كل عام على أثر دخولها في السلسلة الغذائية food chain ، وفي الوقت الذي تستخدم فيه دول العالم الثالث حوالي ( 20 % ) فقط من الإنتاج العالمي للمبيدات فإن (99 ٪) من وفيات المبيدات على مستوى العالم توجد في دول العالم الثالث.
وقد بدأ ظهور صفة المقاومة في كثير من الآفات الهامة للمبيدات الكيميائية مثل مبيد د. د.ت DDT ومشتقات الدايين الحلقية الكلورية HCH بشكل ملفت للنظر في الستينيات من القرن الماضي، ثم تطورت خاصية مقاومة المبيد الكيميائي في عدد كبير من الآفات المختلفة، وقد تطورت المقاومة في أول الأمر في الآفات الحشرية، ثم تلاها بعد ذلك آفات أخرى؛ ففي الستينيات كان عدد أنواع الآفات الحشرية المقاومة حوالي مائتين، إلا أنه بمرور الوقت زاد عدد آفات المن والذباب والحشرات القشرية والقراد المقاومة إلى جانب الميكروبات التي ظهرت فيها صفة المقاومة بشكل كبير منذ ذلك الحين، وتقدر الأنواع المقاومة من الحشرات والحلم بما يزيد على ( 600 ) نوع تقاوم مبيد حشري أو كثر، أما بين الحشائش فهناك ( 216 ) نوع من الحشائش تقاوم على الأقل أحد أقسام مبيدات الحشائش.
ويعني نمو ظاهرة المقاومة في الآفات الخطيرة ضد المبيدات الكيميائية (الشكل التالي) فقد جزء كبير من الإنتاج الزراعي، وتشير بعض التقديرات إلى أن هذا الفقد يصل إلى (20 - 50%) من الإنتاج الكلى.

شكل يبين تطور المقاومة في الحشرات والحلم لمبيدات الآفات الحشرية
وبصفة رئيسية تحدث ظاهرة المقاومة في الآفات ضد المبيدات الكيميائية نتيجة الإفراط في الاستخدام العشوائي لهذه المركبات وتعرض الآفة لمبيد معين بشكل متتابع، وقد ساهمت المبيدات ذات المواصفات غير القياسية في ظهور صفة المقاومة في حالات كثيرة بسبب تكرار تعرض الآفات لتركيزات منخفضة من المبيد، حيث يساهم ذلك في تطور ظاهرة المقاومة دون القضاء على الآفة. تظهر الآفات المقاومة للمركبات الكيميائية على أثر سلوك خاص بالآفة يعوق المبيد الكيميائي من القيام بتأثيره مثل إغلاق الفوهات التنفسية بمجرد الإحساس بوجود المبيد وحتى تبدده من حولها، وسرعة إخراج جزيئات المبيد الكيميائي من أمعائها، والطيران قبل امتصاص جسمها الكمية الكافية لقتلها وتحليل جزيئات المادة السامة وإزالة مفعولها بشكل سريع، ويجب توقع أن الآفات تطور ميكانيكيات مقاومة ودفاعات فعالة لمعظم المبيدات الكيماوية التقليدية كجزء من استراتيجيتها في البقاء، وتشمل هذه الميكانيكيات آليات مختلفة متخصصة مورفولوجية وسلوكية وفسيولوجية وبيوكيميائية وبيوتكنولوجية ووراثية، إلى جانب آليات غير متخصصة مثل المناعة.
أما المشكلة الهامة الثانية الناتجة عن الاستخدام المكثف وغير الملائم لمبيدات الآفات الكيميائية فهي وجود متبقيات هذه المبيدات السامة في الغذاء، فالكثير من مبيدات الآفات المستخدمة تستطيع البقاء في النباتات لمدة طويلة، وتدخل ضمن السلسلة الغذائية Food chain، وتوجد في اللحوم ومنتجات الألبان، وتعتبر متبقيات المبيدات بمثابة تهديد خطير لصحة الإنسان وسلامة البيئة والحياة البرية والأسماك. وتكمن الخطورة الأساسية في تراكم كميات ضئيلة من هذه المبيدات بالجسم بشكل مستمر مما يؤدى إلى تسمم مزمن لا يشعر به الفرد إلا عند وصول مستوى المبيد أو أثره إلى حد معين.
وهناك مشكلة ثالثة تنشأ من تأثير المبيد الكيميائي على النبات العائل وهي ارتفاع معدلات تكاثر الأنواع الضارة من الآفات المتطفلة على تلك النباتات، وترجع أسباب هذه المشكلة إلى أن المبيد يحدث تغيرات بيوكيميائية في النبات العائل تؤدى إلى زيادة بعض العناصر الغذائية والأحماض الأمينية والسكريات والنظم الإنزيمية في الأنسجة الورقية ويثير مثل هذا التأثير الغذائي عملية التكاثر في الآفات.
ومن المشاكل الأخرى لاستخدام المبيدات الكيميائية القضاء على الكائنات غير المستهدفة مثل الكائنات الحية النافعة مما يؤدى إلى حدوث نوع من الخلل في الاتزان البيولوجي بالنظام البيئي، فالمبيدات الكيميائية تضر بالمجاميع الميكروبية المفيدة في التربة مما يؤدى إلى نقص خصوبة التربة الزراعية، كما تضر المبيدات بالحشرات النافعة كنحل العسل وكذلك الأعداء الطبيعية natural enemies ذات الدور الهام في حفظ التوازن البيئي.
وثمة مشكلة أخيرة وهي عودة ظهور الآفات الخطيرة إذ يؤدى استخدام المبيد الكيميائي في مكافحة آفة معينة إلى القضاء على معظم أفرادها كما هو متوقع، ويؤدى ذلك إلى وضع البقية الباقية ضمن الشروط البيئية التي يكون فيها الكمون التكاثري في أقصى درجاته فتعود الآفة إلى نفس تعدادها - وربما تتجاوزه - إلى مستوى أعلى من ذلك الذي كانت عليه قبل استخدام المبيد ومن ثم تكون هناك حاجة ماسة لاستعمال المبيد من جديد للقضاء على الأعداد الكبيرة العائدة.
وبجانب التأثير غير المستهدف والطبيعة الخطيرة لمبيدات الآفات الكيميائية فإن هذه المبيدات مكلفة كثيرًا في الزراعة، وقد فقد بعضها تأثيره بسبب تطور السلالات المقاومة resistant strains كما أن بعضها لا يتم تحليله مما يؤدى إلى تلوث النظم البيئية.