هنا حيث حول «الصحيفة السجّاديّة» وراوٍ من رواتها - وهو زيد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام - من المناسب أن يكون لنا حديث لتستبين مكانة زيد ومدى علمه وفضله وتقواه. وكذلك لمّا ورد في مقدّمة «الصحيفة» اسم يحيى بن زيد، واسم محمّد وإبراهيم ولدَي عبد الله المحض، لهذا ينبغي أن يحوم حولهم حديث مجمل. وأيضاً ينبغي أن يكون لنا حديث موجز جدّاً عن أشخاص من العلويّين ثاروا في عصر الأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين كالحسين بن عليّ شهيد فَخّ، وعبد الله بن جعفر الصادق، وزيد بن موسى ابن جعفر المُسَمّى زيد النار، ويحيى بن عبد الله المحض الذي دعا الإمامَ الكاظم إلى بيعته واتّباعه، فتتبيّن بذلك مكانة كلّ واحد منهم.
ونذكر فيما يأتي مطالب مختارة عنهم بنحو متفرّق، ثمّ نظمّ بعضها إلى بعض في نهاية المطاف، فنبلغ النتيجة الغائيّة إن شاء الله تعالى:
نقل محمّد بن يعقوب الكلينيّ قدّس سرّه روايات كثيرة في كتاب «الكافي»، باب مَا يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ دَعْوَى المُحِقِّ والمُبْطِلِ في أمْرِ الإمَامَةِ، ومحصّلها وخلاصتها: في عصر كلّ إمام من الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين كان عدد من العلويّين يدعون الناس وأئمّة الوقت إلى البيعة: فقد دعا محمّدُ ابن الحنفيّة الإمام زين العابدين عليه السلام إلى إمامته.
ودعا زيدُ بن عليّ بن الحسين باقر العلوم عليه السلام إلى الخروج بالسيف.
ودعا عبد الله المحض وابنه محمّد الإمام الصادق عليه السلام إلى اتِّباع محمّد وبيعته.
وكان عبد الله بن جعفر يرى الإمامة له.
ودعا يحيى بن عبد الله المحض الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام إلى نفسه.[1]
قال العلّامة الأمينيّ: أمّا عبد الله المحض، فالأحاديث في مدحه وذمّه وإن تضاربت غير أنّ غاية نظر الشيعة فيها ما اختاره سيّد الطائفة السيّد ابن طاووس في إقباله، ص51 من صلاحه وحسن عقيدته وقبوله إمامة الصادق عليه السلام.
وذكر من أصل صحيح كتاباً للإمام الصادق عليه السلام وصف فيه عبد الله بالعبد الصالح، ودعا له ولبني عمّه بالأجر والسعادة.
ثمّ قال: وهذا يدلّ على أنّ الجماعة المحمولين يعني عبد الله وأصحابه الحسنيّين كانوا عند مولانا الصادق عليه السلام معذورين وممدوحين ومظلومين وبحقّه عارفين. وقد يوجد في الكتب أنّهم كانوا للصادقين عليهما السلام مفارقين. وذلك محتمل للتقيّة لئلّا يُنسَب إظهارهم لإنكار المنكر إلى الأئمّة الطاهرين.
وممّا يدلّك على أنّهم كانوا عارفين بالحقّ وبه شاهدين ما رويناه (و قال بعد ذكر السند وإنهائه إلى الصادق عليه السلام): ثمّ بكى عليه السلام حتى علا صوته وبكينا، ثمّ قال: حدّثني أبي عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها أنّه قال: يُقْتَلُ مِنْكِ - أوْ يُصَابُ - نَفَرٌ بِشَطِّ الفُرَاتِ مَا سَبَقَهُمُ الأوَّلُونَ ولَا يَعْدِلُهُمُ الآخِرُونَ. ثمّ قال:
أقول: وهذه شهادة صريحة من طرقٍ صحيحة بمدح المأخوذين من بني الحسن عليه وعليهم السلام؛ وأنّهم مضوا إلى الله جلّ جلاله بشرف المقام، والظفر بالسعادة والإكرام.
وأمّا محمّد بن عبد الله بن الحسن الملقَّب بالنفس الزكيّة فعدّهُ الشيخ أبو جعفر الطوسيّ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. وقال ابن المُهَنَّا في «عمدة الطالب» ص 91: قُتِل بأحجار الزيت، وكان ذلك مصداق تلقيبه النَّفْس الزَّكِيَّة، لأنّه روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: يُقْتَلُ بِأحْجَارِ الزَّيْتِ مِنْ وُلْدِي النَّفْسُ الزَّكِيَّة - إلى آخره.
وأمّا إبراهيم بن عبد الله قتيل باخمرى المكنّى بأبي الحسن، فعدّهُ شيخ الطائفة من رجال الصادق عليه السلام[2] إلى آخر الحديث.
وبعد أن تحدَّث العلّامة الأمينيّ مفصّلًا عن زيد بن عليّ بن الحسين عليهم السلام، وذكر أخباراً في مدحه وفضيلة شأنه، ونقل شعراً عن عدد من كبار الشعراء في رثائه، استنتج في آخر كلامه قائلًا: والشيعة على بكرة أبيها لا تقول فيه إلّا بالقداسة. وترى من واجبها تبرير كلّ عمل له من جهاد ناجع، ونهضة كريمة، ودعوة إلى الرضا من آل محمّد.
تشهد لذلك كلّه أحاديث أسندوها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم وأئمّتهم عليهم السلام، ونصوص علمائهم، ومدائح شعرائهم وتأبينهم له، وإفراد مؤلّفيهم أخباره بالتدوين.
أمّا الأحاديث، فمنها قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم للحسين السبط: يَخْرُجُ مِنْ صُلْبِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: زَيْدٌ يَتَخطَّا هُوَ وأصْحَابُهُ رِقَابَ النَّاسِ، يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ.[3]
إلى أن قال: ويُعربُ عن رأى الشيعة جمعاء قول شيخهم بهاء الملّة والدين العامليّ في رسالة إثبات وجود الإمام المنتظر: إنّا معشر الإماميّة لا نقول في زيد بن عليّ الّا خيراً، والروايات عن أئمّتنا في هذا المعنى كثيرة.
لمّا اتّهم ابن تيميّة في «منهاج السُّنّة»، والسيّد محمود الآلوسيّ في رسالته المطبوعة في كتاب «السُّنّة والشيعة» ص 52، والقصيميّ في كتاب «الصراع بين الإسلام والوثنيّة» الشيعة بأنّهم رفضوا زيد بن عليّ، وشهدوا عليه بالكفر والفسق، وساحة الشيعة منزّهة عن وصمة هذه التهمة، بل الشيعة على الإطلاق ترى أنّ زيداً شهيد، رفيع المنزلة، مجاهد في سبيل الله، لهذا خاطبهم المرحوم الأمينيّ رحمه الله مؤاخِذاً إيّاهم بقوله: وكأنّ هؤلاء المدافعين عن ساحة قدس زيد يحسبون القرّاء جهلاء بالتأريخ الإسلاميّ، وأنّهم لا يعرفون شيئاً منه، وتخفى عليهم حقيقة هذا القول المزوَّر.
ألا مِن مُسائِلٍ هؤلاء عن أنّ زيداً إن كان عندهم وعند قومهم في جانبٍ عظيم من العلم والزهد، فبأيّ كتاب أم بأيّة سنّةٍ حاربه أسلافهم وقاتلوه وقتلوه وصلبوه وأحرقوه وداروا برأسه في البلاد؟!
أليس منهم ومن قومهم أمير مناوئيه وقاتله يوسف بن عمر؟!
أو ليس منهم صاحب شرطته: العبّاس بن سعد؟!
أو ليس منهم قاطع رأسه الشريف: ابن الحكم بن الصلت؟
أو ليس منهم مبشِّر يوسف بن عمر بقتله: الحجّاج بن القاسم؟!
أو ليس منهم خراش بن حوشب الذي أخرج جسده من قبره؟!
أو ليس من خلفائهم الآمر بإحراقه: وليد أو هشام بن عبد الملك؟!
أو ليس منهم حامل رأسه إلى هشام: زهرة بن سليم؟!
أو ليس من خلفائهم هشام بن عبد الملك وقد بعث رأس زيد إلى مدينة الرسول فنصب عند قبر النبيّ يوماً وليلة؟!
أو ليس هشام بن عبد الملك كتب إلى خالد القسريّ يقسم عليه أن يقطع لسان الكميت شاعر أهل البيت ويده بقصيدة رثى بها زيدَ بن عليّ وابنَه ومدح بني هاشم؟!
أو ليس عامل خليفتهم بالمدينة: محمّد بن إبراهيم المخزوميّ، كان يعقد حفلات بها سبعة أيّام ويخرج إليها ويُحضر الخطباء فيها فيلعنون هناك عليّاً وزيداً وأشياعهم؟!
قال العلّامة الأمينيّ في يحيى بن زيد: وأمّا يحيى بن زيد، فقتله الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة 125 هـ. وقاتله سلم بن أحوز الهلاليّ، وجهّز إليه الجيش نصر بن سيّار، ورماه عيسى مولى عيسى بن سليمان العنزيّ وسلبه. (سلب درعه وخاتمه وثيابه وكلّ ما كان معه). («الطبريّ» ج 8، «مروج الذهب» ج 2، «تاريخ اليعقوبيّ» ج 3).[4]
وقال أيضاً: وفي وسع الباحث أن يستنتج ولاء الشيعة ليحيى بن زيد ممّا أخرجه أبو الفرج في «مقاتل الطالبيّين» ص 62، طبعة إيران.
قال: لمّا اطلق يحيى بن زيد وفُكَّ حديده، صار جماعة من مياسير الشيعة إلى الحدّاد الذي فكّ قيده من رِجله فسألوه أن يبيعهم إيّاه وتنافسوا فيه وتزايدوا حتى بلغ عشرين ألف درهم، فخاف أن يشيعَ خبره فيؤخذ منه المال، فقال لهم: اجمعوا ثمنه بينكم! فرضوا بذلك وأعطوه المال فقطعه قطعةً قطعةً وقسّمه بينهم فاتّخذوا منه فصوصاً للخواتيم يتبرّكون بها.[5]
وقال أيضاً: والحسن بن الحسن المُثَنَّى، كتب وليد بن عبد الملك إلى عامله عثمان بن حيّان المريّ: انظر إلى الحسن بن الحسن فاجلده مائة ضربة! وقِّفه للناس يوماً! ولا أراني إلّا قاتله!
فلمّا وصله الكتاب بعث إليه فجيء به والخصوم بين يديه. فعلَّمهُ عليّ بن الحسين عليه السلام بكلمات الفرج ففرّج الله عنه وخلّوا سبيله.
فخاف الحسن سطوة بني اميّة فأخفى نفسه وبقي مختفياً إلى أن دسّ إليه السمّ سليمان بن عبد الملك وقتله سنة 97 هـ.
[1] «اصول الكافي» ج 1، ص 343 إلى 367، طبعة المطبعة الحيدريّة.
[2] «الغدير» ج 3، ص 271 و272.
[3] «عيون أخبار الرضا» للشيخ الصدوق.
[4] «الغدير» ج 3، ص 69 إلى 77.
[5] «الغدير» ج 3، ص 274 و275.