لا بدّ لنا هنا من نقل شيء منها، ممّا ذكره في سياق كلامه عن أبي هريرة، أو عن دخول الإسرائيليّات والأخبار الكاذبة في الحديث، وذلك لتتبيّن هويّة «الصحيفة الصادقة»، وأحاديث عبد الله بن عمرو بن العاص. يقول أبو ريّة تحت عنوان: الإسرائيليّات في الحديث: لمّا قويت شوكة الدعوة المحمّديّة واشتدّ ساعدها، وتحطّمت أمامها كلّ قوّة تنازعها، لم ير من كانوا يقفون أمامها ويصدّون عن سبيلها، إلّا أن يكيدوا لها من طريق الحيلة والخداع، بعد أن عجزوا عن النيل منها بعدد القوّة والنزاع.
ولمّا كان أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود، لأنّهم بزعمهم شعب الله المختار، فلا يعترفون لأحد غيرهم بفضل، ولا يقرّون لنبيّ بعد موسى برسالة، فإنّ رهبانهم وأحبارهم لم يجدوا بدّاً- وبخاصّة بعد أن غُلبوا على أمرهم واخرجوا من ديارهم-[1] من أن يستعينوا بالمكر، ويتوسّلوا بالدهاء، لكي يصلوا إلى ما يبتغون، فهداهم المكر اليهوديّ إلى أن يتظاهروا بالإسلام ويطووا نفوسهم على دينهم، حتى يخفى كيدهم، ويجوز على المسلمين مكرهم. وقد كان أقوى هؤلاء الكهّان دهاءً وأشدّهم مكراً كعب الأحبار، ووهب بن منبّه، وعبد الله بن سلام.
ولمّا وجدوا أنّ حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأنّ المسلمين قد سكنوا إليهم، واغترّوا بهم، جعلوا أوّل همّهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسّوا إلى اصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترّهات، لتوهين وتضعيف هذه الاصول.
ولمّا عجزوا عن أن ينالوا من القرآن الكريم، لأنّه قد حُفظ بالتدوين، واستظهره آلاف من المسلمين، وأنّه قد أصبح بذلك في منعة من أن يزاد فيه كلمة أو يتدسّس إليه حرف، اتّجهوا إلى التحدّث عن النبيّ فافتروا- ما شاءوا أن يفتروا- عليه أحاديث لم تصدر عنه.[2]
وأعانهم على ذلك أنّ ما تحدّث به النبيّ في حياته لم يكن محدود المعالم، ولا محفوظ الاصول، لأنّه لم يُكتب في عهده صلوات الله عليه كما كتب القرآن، ولا كتبه صحابته من بعده، وأنّ في استطاعة كلّ ذي هوى أو دخلة سيّئة، أن يتدسّس إليه بالافتراء، ويسطو عليه بالكذب، ويسّر لهم كيدهم أن وجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من امور العالم الماضية. واليهود بما لهم من كتاب، وما فيهم من علماء، كانوا يعتبرون أساتذة العرب فيما يجهلون من امور الأديان السابقة، إن كانوا مخلصين صادقين.
قال الحكيم ابن خلدون[3] عند ما تكلّم عن التفسير النقليّ، وأنّه كان يشتمل على الغثّ والسمين والمقبول والمردود: والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والامّيّة. وإذا تشوّفوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّف إليه النفوس البشريّة في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم.[4] وهم أهل التوراة من اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى، مثل كعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه، وعبد الله بن سلام، وأمثالهم. فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم. وتساهل المفسّرون في مثل ذلك، وملئوا كتب التفسير بهذه المنقولات وأصلها كلّها كما قلنا من التوراة، أو ممّا كانوا يفترون.
وقال في موضع آخر من مقدّمته: وكثيراً ممّا وقع للمؤرّخين والمفسّرين، وأئمّة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع، لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّاً أو سميناً، لم يعرضوها على اصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة، والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحقّ، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط.[5]
وقال الدكتور أحمد أمين: اتّصل بعض الصحابة بوهب بن منبّه، وكعب الأحبار، وعبد الله بن سلام. واتّصل التابعون بابن جريج؛[6] وهؤلاء كانت لهم معلومات يروونها عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها. فلم ير المسلمون بأساً من أن يقصّوها بجانب آيات القرآن، فكانت منبعاً من منابع التضخّم[7]- انتهى.
من أجل ذلك كلّه أخذ اولئكَ الأحبار يبثّون في الدين الإسلاميّ أكاذيب وترّهات، يزعمون مرّة أنّها في كتابهم أو من مكنون علمهم، ويدّعون اخرى أنّها ممّا سمعوه من النبيّ صلى الله عليه وآله، وهي في الحقيقة من مفترياتهم. وأنّى للصحابة أن يفطنوا لتمييز الصدق من الكذب من أقوالهم، وهم من ناحية لا يعرفون العبرانيّة[8] التي هي لغة كتبهم، ومن ناحية اخرى كانوا أقلّ منهم دهاءً وأضعف مكراً؟ وبذلك راجت بينهم سوق هذه الأكاذيب، وتلقّى الصحابة ومن تبعهم كلّ ما يُلقيه هؤلاء الدهاة بغير نقد أو تمحيص، معتبرين أنّه صحيح لا ريب فيه.[9]
وقال أبو ريّة أيضاً تحت عنوان، هَلْ يَجُوزُ رِوايَةُ الإسْرَائِيلِيَّاتِ؟: جاءت الشريعة الإسلاميّة فنسخت ما قبلها من الشرائع- وإن كانت قد أبقت على اصول العقائد وما لا يتعارض معها من الامور التي أرسل الله بها جميع الرسل إلى خلقه- وقد بيّن القرآن الكريم أنّ أهل الكتاب (اليهود والنصارى) قد كتبوا من عند أنفسهم كتباً ليشتروا بها ثمناً قليلًا.
[1] أجلي عمر يهود خيبر إلى «أذرعات» وغيرها سنة 20 هـ، وأجلي يهود نجران إلى الكوفة، وقسّم وادي القري ونجران بين المسلمين («البداية والنهاية» لابن كثير، ج 8، ص 108)، وذلك لمن لم يكن معه عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم.
[2] قال ابن الجوزيّ: لمّا لم يستطع أحد أن يُدخل في القرآن ما ليس منه، أخذ أقوام يزيدون في الحديث ويضعون ما لم يقل. («تاريخ ابن عساكر» ج 2، ص 14.
[3] «مقدّمة ابن خلدون» ص 439 و440.
[4] كان ابن إسحاق يحمل عن اليهود والنصاري ويسمّيهم في كتبه أهل العلم الأوّل («معجم الادباء» ج 18، ص 8).
[5] «مقدّمة ابن خلدون» ص 9.
[6] قال المحدّث القمّيّ في «الكني والألقاب» ج 1، ص 280، في ترجمة ابن الروميّ: أبو الحسن عليّ بن العبّاس بن جريج (سريج- خ ل).
[7] «ضُحي الإسلام» ج 2، ص 139.
[8] روي البخاريّ عن أبي هريرة أنّ أهل الكتاب كانوا يقرأون التوراة بالعبرانيّة، ويفسّرونها بالعربيّة لأهل الإسلام. (ج 2، ص 285).
[9] «أضواء على السُّنّة المحمّديّة» ص 145 إلى 147، الطبعة الثالثة.