يبدأ الشيخ محمود أبو ريّة هنا ببيان مثالب تأخير التدوين وتفصيلها. أجل، إنّ ما نهدفه من عرض كلام أبي رَيَّة المفصَّل هو أن نجيب عن المزاعم الواهية التي طرحها محمّد عجّاج، علماً أنّ جوابنا ورد في سياق كلام أبي ريّة المتقدّم. وعرفنا في هذا الكلام بداية التدوين، ومجرى الحديث حتى طوره الرابع حيث كان تصحيح الحديث بعد إفراده وفرزه عن أقوال الصحابة، والآثار الاخرى، والعلوم المباينة للحديث نفسه كالشِّعر واللغة. وعلمنا أنّ تدوين السُّنّة تحقّق في بداية القرن الثالث ونهاية القرن الثاني. ولم يؤدّ اهتمام عمر بن عبد العزيز بهذا الأمر دوره العمليّ المهمّ لوجوه: أوّلًا: قصر مدّة حكومته، إذ لم يحكم غير سنتين وبضعة أشهر. ولا ندري هل كان أمره بالتدوين في أوّل حكومته، أو وسطها، أو آخرها، إذ لو كان في آخرها أو في وسطها القريب من آخرها، فإنّه سوف لن يتّخذ طابعاً عمليّاً بسبب الحواجز والموانع الخارجيّة. وهذا هو مفاد ومغزى كلام السيّد الصدر في غموض تأريخ أمره.
ثانياً: لقد سُمّ الحاكم المذكور لعدله النسبيّ، ومودّته أهل البيت، وعدم إفراطه في بذل الأموال كأسلافه الأمويّين؛ كما أنّ خلفه في الحكومة يزيد بن عبد الملك لم يفعل شيئاً بعده، ولم يصدر عنه أمر بالتدوين، إلى أن مات بعد مضى أربع سنين على حكمه، فتولّى هشام بن عبد الملك.
ثالثاً: كان أمر عمر بن عبد العزيز موجّهاً إلى أبي بكر بن حزم أساساً لا إلى ابن شهاب الزهريّ. فقد كتب إليه كتاباً دعاه فيه إلى تدوين السُّنّة النبويّة. بَيدَ أنّه امتنع ولم يستجب لدعوته لحظر الحكّام السابقين- بخاصّة أبي بكر وعمر- ذلك. وكان يرى أنّ التدوين خلاف المشروع ومباين لسيرة الصحابة. وما فتئ يتعلّل إلى أن مات ابن عبد العزيز. وعند ما تسلّط يزيد بعده، ولم يصدر عنه أمر بالتدوين، اغتنم ابن حزم الفرصة فانصرف عن التدوين. وكان يحسب أنّ وفاة عمر، وتولّى يزيد معونة إلهيّة ومنزلة دينيّة روحانيّة له.
رابعاً: استجاب ابن شهاب لدعوة هشام بن عبد الملك إلى التدوين لقربه من البلاط الأمويّ وهشام، وإمضائه زهاء عشرين سنة في إمارته وولايته وسفره وحضره. فقام بالتدوين. (علماً أنّ التدوين هنا بمعنى مجموعة من التدوينات المعروفة يومئذٍ للسُّنّة والحديث وآراء الصحابة والحكّام الاوَل أبي بكر وعمر وعثمان، وشعر العرب وآدابها، وأمثال ذلك).
من هنا نعرف أنّ ابن شهاب لمّا كان من وعّاظ السلاطين البارزين، وكان بنو اميّة يأخذون منه آراءهم وأحكامهم، وكان مرجع قضائهم حتى اشتهر به، فقد نُسب إليه التدوين، لا في عصر عمر بن عبد العزيز، بل في عصر من تلاه من الحكّام بعد سنين مضت على حكمهم.
ولم يعدّوا خالد بن مَعْدان الحِمْصيّ أوّل مدوِّن مع أنّه كان قد أدرك سبعين صحابيّاً، وتوفّي قبل الزهريّ بعشرين سنة (إذ كانت وفاته سنة 104 هـ، ووفاة الزهريّ سنة 124 هـ). وكان له كتاب وتدوين. ويعود ذلك إلى أنّه لم يكن من وعّاظ السلاطين القابعين في بلاطهم، في حين ينبغي عدّه أوّل مدوِّن وفقاً لنهج العامّة لو كانوا منصفين.
وعند ما اعتبره السيّد محمّد رشيد رضا أوّل مدوِّن في منطق الحقيقة، وقال: ولكنّ المشهور أنّ أوّل من كتب الحديث ابن شهاب الزهريّ، ولعلّ سبب ذلك أخذ امراء بني اميّة عنه.[1] هاجمه الخطيب، وسجّل عليه مؤاخذتين لا وزن لهما.[2]
وكان الذهبيّ عديم المثيل أو نادر المثال بين العامّة في حقل التأريخ، وعلوم الحديث، والاطّلاع الواسع على مثل هذه الامور. فَرَفْضُ شهادته في مقابل كلام السيوطيّ بلا دليل بعيدٌ عن الإنصاف.
وأمّا عدّه عبدَ اللهِ بن عمرو صاحب «الصحيفة الصادقة»، واعتبار صحيفته من المدوّنات الخالصة في السُّنّة النبويّة في عصر النبيّ، وحسبانها أقدم وأسبق من جميع الصُّحف بما فيها صحيفة أبي رافع، فذلك زعم لو كشفنا عنه، لزكمت رائحته الانوف.
وعبد الله هذا هو ابن عمرو بن العاص المعروف المشهور الذي ملأ جانباً كبيراً من التأريخ في محادّة النبيّ صلى الله عليه وآله، وإنشاد الشعر في هجائه.
وكان عبد الله يزور النبيّ صلى الله عليه وآله، ويكتب عنه أشياء. وكان من المؤيّدين لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، إذ كان خبيراً بصيراً بمقامه الشامخ وولايته لما سمعه من رسول الله بشأنه.
ولهذا عند ما كتب معاوية إلى أبيه عمرو بن العاص يدعوه إلى قتال الإمام عليه السلام، استشار عمرو ولديه: محمّد وعبد الله المذكور. أمّا محمّد فقد حرّضه على الحرب. وأمّا عبد الله فقد أنّبه، ونوّه له بفضائل الإمام. وذكّره بأنّ مخاصمته من أجل حكومة مصر ودعم معاوية بيعٌ لآخرته بدنياه، وذهاب إلى جهنّم.
بَيدَ أنّ عمرو لم يسمع كلامه، وسمع كلام محمّد، فتوجّه إلى الشام. لكنّا لم نجد في التأريخ أنّ عبد الله خالف أباه عمليّاً، أو التحق بأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين ليؤازرهم، بل وجدنا أنّه كان مع أبيه في أصحاب معاوية عليه الهاوية.[3]
ونلحظ معلومات متضاربة كثيرة في كتب علماء العامّة حول الأحاديث المرويّة عن عبد الله بن عمرو، وكتابه الذي سمّاه «الصحيفة الصادقة».
ونقرأ في الأحاديث الكثيرة المرويّة عن أبي هريرة الذي تفرّد بين أهل السُّنّة في وضع الحديث دعماً لمعاوية وبلاطه، ومشاقّةً لأمير المؤمنين عليه السلام، وملأت أحاديثه كتب العامّة، إنّه كان يقول: ما من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله وسلّم أحد أكثر حديثاً عنه منّي إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنّه كان يكتب ولا أكتب.
وقد ألّف المرحوم أبو ريّة كتاباً عن أبي هريرة بعنوان: «شيخ المضيرة: أبو هريرة» اقتداءً بالمرحوم السيّد عبد الحسين شرف الدين في كتاب «أبو هريرة». ثمّ ألّف كتابه «أضواء على السنّة المحمّديّة»، وأماط اللثام فيهما عن موضوعات مهمّة لم يكشف عنها أحد من العامّة إلى الآن.
[1] مجلّة «المنار» ج 10، ص 754. وكان المومأ إليه من تلاميذ الشيخ محمّد عبده البارزين. وكان تفسير «المنار» بإملاء الشيخ وقلمه. ولد سنة 1282 هـ، وتوفّي سنة 1354 هـ.
[2] «السُّنّة قبل التدوين» ص 362 إلى 364، تحت عنوان: آراء في التدوين.
[3] أشرنا إلى عمرو بن العاص وذكره فضائل أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ رجوعه عن ذلك لوعد معاوية إيّاه بحكومة مصر، وذلك في الجزء الثاني من كتابنا هذا، الدرس 25 إلى الدرس 30.