

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
تجريدة دنقلة
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 398 ــ 406
2026-04-16
45
لقد ذكرنا أن تفكير الحكومة البريطانية اتجه إلى استرجاع دنقلة عندما تزايد خطر الزحف الإيطالي في السودان الشرقي عقب معاهدة «أتشيالي»، التي أبرمها الطليان مع الأحباش (في 2مايو 1889م). ولكن لم يلبث أن اطمأن الإنجليز من هذه الناحية عندما عقدوا مع الطليان اتفاقًا في 15 أبري 1891م، ذكرنا أنه تسبب في التخلي مؤقتًا عن مشروع استرجاع دنقلة، بينما احتل الطليان كسلا في يوليو 1894م.
ولكن احتلال الطليان كسلا، وعلى غير ما كانت ترجوه إنجلترا من هذا الاحتلال، لم يضع حدًّا للأخطار التي كانت تخشاها هذه من ناحية المهديين في السودان الشرقي، بل على العكس من ذلك، فقد استفحل خطر الدراويش الذين سرعان ما صاروا يهددون بطرد الطليان من كسلا ذاتها. وهذا الخطر كان السبب المباشر الذي جعل الحكومة البريطانية تقرر إرسال الحملة لاسترجاع واحتلال دنقلة.
ومنذ يناير 1896م ظهر الخطر من جانب المهديين ملموسًا في صورة احتمال عقد محالفة بين الخليفة عبد الله ومنليك الثاني للقيام بعمل مشترك بين السودان والحبشة ضد الطليان، يكون دور الأحباش فيه الهجوم على كسلا. ومنذ 11 يناير 1896م؛ بسبب ما كان يروج من شائعات عن هذا العمل المشترك بين الخليفة ومنليك، سأل لورد سولسبري المعتمد البريطاني في مصر كرومر إذا كان القيام بمظاهرة عسكرية في الجهة المجاورة لوادي حلفا يفيد في تحويل النشاط عن كسلا. ولم يوافق كرومر على القيام بمجرد مظاهرة؛ لأن الزحف الذي يأتي على أثره انسحاب يزيد في سمعة الدراويش، وخصوصًا إذا جاء الانسحاب بعد أن يكون قد وقع اصطدام معهم، وأضاف كرومر أن من الصعب إقناع الحكومة المصرية بتحمل نفقات عملية يُراد بها مساعدة الطليان فقط، ومن غير أن يعود على مصر أي نفع منها. وكان من رأي كرومر — وهذا كله في جوابه على سؤال سولسبري في 13 يناير — أن أية عمليات من هذه الناحية يجب أن تكون إما بالزحف من وادي حلفا إلى سواردة أو دنقلة، وإما بالزحف من سواكن إلى فلك (Filek) «في طريق كسلا إلى سواكن — وهي الطريق التي تمر كذلك بخور بركة وطوكر وطولها 274 ميلًا» أو إلى العطبرة. وهذا الزحف يتيح الفرصة للطليان لأن يشتركوا من قاعدتهم في كسلا مع الجيش الزاحف في قتال الدراويش، ولا يتكلف العمل بهذه الخطة نفقات كبيرة. ولكن «سولسبري» لم يلبث أن رأى «في اليوم التالي؛ 14 يناير» التريث حتى يظهر ما يدل على أن الدراويش بدءوا فعلًا يزحفون على كسلا.
ومع ذلك فقد أخطر الطليان الحكومة البريطانية في فبراير 1896م بأن هناك مظاهر تمرد بين القوات الوطنية في مستعمرة إرتريا، قضت الحكومة عليها، ولكن من المحتمل أن تتكرر، وعندئذٍ سوف تضطر الحكومة الإيطالية إلى إخلاء كسلا. ومن المعروف أن احتلال الطليان لكسلا عندما وافقت عليه إنجلترا في الظروف التي مرَّت بنا، كان احتلالًا مؤقتًا. وعلى ذلك فقد سأل «سولسبري» كرومر في 24 فبراير 1896م إذا كان المسئولون العسكريون بريطانيين ومصريين قد فكروا في نوع العمل الذي يجب القيام به إذا اضطر الطليان في آخر الأمر إلى إخلاء كسلا، أو أنهم أُرغموا إرغامًا في الانسحاب منها. وفي 29 فبراير 1896م أوضح «سولسبري» رأي حكومته إلى كرومر في قوله: «ليست لنا مصلحة كبيرة في احتلال إيطاليا لكسلا؛ لقد ذهب الطليان إليها بدون استشارتنا بل وضد رغبتنا؛ وليس لنا نحن ما نجنيه في الوقت الحاضر من احتلالنا لها أنفسنا، فقوة الخليفة آخذة في النقص المطرد. ومن الجلي أن السياسة التي يجب اتباعها هي الانتظار؛ ففي أي وقت نصبح فيه أصحاب السيطرة في وادي النيل يمكن تناول مسألة كسلا بسهولة. وإلى أن يحدث هذا تبقى كسلا قليلة الأهمية.»
ذلك إذن كان موقف الحكومة البريطانية. حتى حدث في أول مارس 1896م أن أوقع الأحباش بالطليان هزيمة ساحقة في عدوة. وقد وصلت في اليوم التالي الأخبار إلى القاهرة بأن المهديين صاروا أمام كسلا، وأنهم تبادلوا إطلاق النار مع الطليان الذين في قلعتها، وأن الخليفة عبد الله أمر بوقف التجارة بين بربر وسواكن، وبين بربر والحدود المصرية. وفي 10 مارس أبرق من روما السفير البريطاني بها السير كلير فورد (Clare Ford) إلى حكومته: أن المعتقد أن الدراويش يطوقون الآن كسلا تمامًا، وأن كل المواصلات مقطوعة مع أسمرا. وفي 12 مارس طلبت الحكومة الإيطالية من حكومة لندن أن يقوم الجيش المصري بعمليات ضد الدراويش الذين يحاصرون كسلا؛ لتخفيف الضغط على حامية كسلا. وفي نفس اليوم أبرقت الحكومة البريطانية إلى كرومر بقرارها أن يبدأ الزحف على دنقلة.
وجاء في برقية «سولسبري» إلى كرومر في 12 مارس أن الحكومة البريطانية بعد التشاور مع الثقات العسكريين ترى أن احتلال دنقلة أعظم مظاهرة بالغة الأثر لتخفيف الضغط وتحويل الدراويش عن كسلا، وأن من صالح مصر اتخاذ هذا الإجراء، ومن العدل حينئذٍ مطالبتها بتحمل نفقات هذه الأعمال العسكرية؛ وأن من شأن احتلال دنقلة كذلك أن يقضي على كل فكرة في مهاجمة مصر قد يشجع على وجودها لدى الدراويش انتصار الأحباش الأخير وهم أمة أفريقية، على الطليان وهم أمة أوروبية، وأنهى «سولسبري» برقيته هذه المتضمنة لتعليمات الحكومة البريطانية بقوله: ومن المؤكد أن في العزم الاحتفاظ بدنقلة، وليس هناك ما يدعو للسرية في هذه المسألة.
وقد وجد «سولسبري» من الضروري أن يبين الأسباب التي جعلت الحكومة تتخذ هذا القرار العاجل — وبالزحف على دنقلة بدلًا من الموافقة على اقتراح كرومر بخصوص القيام بمظاهرة من جهة سواكن؛ لتخفيف الضغط عن الطليان، فكتب «سولسبري» إلى كرومر في 13 مارس 1896م:
إن القرار الذي وصلت إليه الوزارة أمس كان مبعثه خصوصًا الرغبة في مساعدة الطليان في كسلا، ومنع الدراويش من إحراز انتصار باهر قد تكون له آثار بعيدة المدى. وإلى جانب هذا أردنا أن نقتل عصفورين بحجر واحد، وأن نستخدم الجهد الحربي نفسه لتأسيس سلطان الحكومة المصرية مسافة أبعد على النيل. ولهذا السبب فنحن فضلنا هذا العمل على أي تحرك من سواكن أو في اتجاه كسلا؛ لأنه ما كان يمكن حينئذٍ جني فوائد أخرى من هذه التحركات.
أما قرار الزحف على دنقلة فقد قُوبل بعاصفة من الاحتجاج والاستنكار من فرنسا، ثم من الباب العالي، ومن مصر.
لقد توقع «سولسبري» أن تعارض فرنسا هذا القرار. ولذلك فقد حرص على أن يبلغه للحكومة الفرنسية — في اليوم نفسه (12 مارس) — بشكل يحاول فيه انتزاع معارضتها، أو على الأقل التخفيف من حدة معارضتها له. فقال في إخطاره الذي قام بتبليغه إلى الحكومة الفرنسية، السفير الإنجليزي في باريس اللورد دفرين: أن الحكومة المصرية هي التي طلبت من الحكومة البريطانية اتخاذ القرار بقيام عمليات عسكرية في كسلا ضد الدراويش، وأن الحكومة البريطانية لذلك وافقت على زحف العسكر المصريين إلى دنقلة. فأخفى «سولسبري» حقيقة الواقع: وهو أن المقصود من العملية العسكرية أن يخف الضغط على الطليان المحاصرين في كسلا لمنع سقوط هذه في يد الدراويش. وكان «سولسبري» إلى جانب هذا لا يقول الحقيقة عندما ادعى أن الحكومة المصرية هي التي طلبت هذا الإجراء.
وظهرت معارضة فرنسا عندما بدأت الترتيبات المتعلقة بتمويل الحملة. وكان «سولسبري» قد أعد خطابًا دوريًّا في 15 مارس 1896م أرسله إلى سُفراء فرنسا والنمسا وألمانيا وروسيا وإيطاليا في لندن، يبلغهم الأسباب التي دعت لتقرير حملة دنقلة، وفيما لا يخرج عما ذكره في إخطاره للحكومة الفرنسية في 12 مارس، ويطلب من مندوبي الدول الستة في «صندوق الدين» — الذي أنشئ في 2 مايو 1876م وكان أعضاؤه أصلًا ثلاثة: واحد فرنسي وآخر نمسوي وثالث إيطالي، ثم أُضِيف إليهم عضو إنجليزي في 1877م وعضوان ألماني وروسي في 1885م — الإذن بإنفاق 500000 جنيه على هذه الحملة من الاحتياطي العام البالغ 2000000 جنيه، وهو المخصص لمواجهة مثل هذه الحملات الاستثنائية. فكان موقف فرنسا أن الاستئذان في إنفاق هذا المبلغ يجب أن يصحبه دعوة للدخول في مباحثات في المسألة المصرية ترضى بها فرنسا.
واستثارت فرنسا الباب العالي للمعارضة، على أساس أن الباب العالي لا يجب أن يسمح لمصر بالدخول في حرب دون موافقته المبدئية؛ وعلى كل حال فالواجب على السلطان أن يدرك أن هذه الحملة (أي حملة دنقلة) إنما هي برهان آخر على ضرورة أن يعمل للوصول إلى حل لمسألة مصر مع بريطانيا، وذلك بموافقة فرنسا وروسيا (24 مارس 1896م). واستجاب الباب العالي لهذه الإثارة، فطلب بيانًا من السفير الإنجليزي في الآستانة عن أغراض هذه الحملة، وأبرق إلى الخديوي في مصر (في 25 مارس) يستفسر عن السبب في اتخاذ قرار بإرسال حملة إلى دنقلة من غير التشاور سلفًا مع السلطان.
وأما في مصر، فلم يكن أحد يعتقد، كما ذكر أحمد شفيق باشا في كتابه «مذكراتي في نصف قرن الجزء الثاني – القسم الأول ص281-282»:
أنه سيبت في أمر إرسال حملة للسودان، حتى يؤخذ رأي الجناب العالي الخديوي وحكومته في هذا الشأن.
ثم استطرد يقول: «غير أننا فوجئنا بالأمر يوم 13 مارس 1896م، حينما حضر رئيس النظار — والمقصود هنا مصطفى باشا فهمي في وزارته الثالثة — وأخبر الخديوي بأن اللورد كرومر أفضى إليه بأن الحكومة الإنجليزية قررت إرسال حملة للسودان، وأنه لم يبقَ إلا إرسال الأوامر للمديريات والمراكز لجمع الجنود. وكان لذلك الخبر وقع سيئ لدى عباس، وكان مثار دهشة وإنكار من الجميع، حتى إن سموه رفض أن يصدر أمرًا عاليًا بإرسال الحملة؛ ولذا فقد حضر اللورد كرومر، واعتذر لسموه باسم اللورد سالسبوري عن الخطأ الذي وقع في الإجراءات الشكلية بعدم إخبار سموه رسميًّا بالأمر.»
ومع أن الخديوي قبِل بعد إلحاح من كرومر أن يودع أورطتين متهيئتين للسفر يوم 8 مارس، وخطب في ضباطهما، فقد أبرق كرومر إلى سولسبري في 18 مارس «إن سياسة الزحف لا جدال في أن أحدًا لا يرضى عنها من بين ذلك القسم من الأهالي الذي يرتفع ضجيجه كثيرًا، والذي يعلن أن الذي أملى هذه السياسة لم يكن النظر في مصلحة مصر.» وفي اليوم التالي (19 مارس) قال كرومر: إن من المتوقع أن يخلق الخديوي المتاعب؛ فهو قد رفض أن يخطب في الجنود قبل رحيلهم بما يفيد أنه (أي الخديوي) راضٍ عن غرض الحملة، وهو استرجاع جزء فقط من السودان وليس استرجاع السودان كله. وفي هذه البرقية يقول كرومر إن «كلام» الخديوي مع كل إنسان لا يدع مجالًا للشك في أنه شديد العداء للحملة. وتتلخص شكواه الرئيسية في أن الزحف حصل لخدمة المصالح الإيطالية، وفي أن أحدًا لم يستشره سلفًا وقبل تقرير إرسال الحملة. والحقيقة أن الرأي العام المصري كان متضررًا ضررًا بليغًا من السياسة التي سارت عليها بريطانيا في مسألة السودان عمومًا، عندما بدأت بأن ضغطت على مصر لتقرير إخلائه. ثم استمرت تعارض مصر في استرجاعه، ثم تقرر الآن من غير استشارة الحكومة المصرية ولخدمة إيطاليا إرسال الحملة لاسترجاع جزء منه.
ولكن هذه المعارضة من جانب الباب العالي ثم من جانب الخديوي لم تلبث أن اختفت، فقد أجابت الحكومة البريطانية على «استفسار» الباب العالي في 25 مارس 1896م: بأن الغرض من الحملة الدفاع الداخلي عن مصر، الذي من واجب الجيش المصري نفسه القيام به حسب أحكام الفرمانات العثمانية. ولما كانت بعض القبائل الثائرة قد أغارت على قسم من الأراضي التي عهد بها الباب العالي إلى الخديوية، فغرض الحملة الدفاع عن الأراضي الباقية في حوزة هذه الخديوية. وجاء في جواب الحكومة البريطانية: أنها ترجو أن ينجم عن الحملة كذلك عودة سلطة الخديوي على تلك الأراضي التي خرجت من طاعتها له وللباب العالي؛ وهذا إلى أن شيئًا ما لم يحدث، ولا يجري التفكير في فعله مما يتجاوز الصلاحية المخولة للخديوي، أو يتطلب الحصول على إذن خاص من السلطان، ولم يكن الطلب الذي قُدم لصندوق الدين إلا للاستئذان في استخدام المبالغ المخصصة للإنفاق في أغراض معينة أو لمواجهة المصاريف الاستثنائية. ولا تعني هذه الإجراءات عقد قروض جديدة، أو زيادة عدد الجيش المصري على الرقم المنصوص عليه في الفرمانات. ولذلك فليس هناك إطلاقًا ما يدعو لقلق السلطان وانزعاجه، أو من المحتمل أنه يغير شيئًا من وضع أو مركز مصر السياسي.
وأما الخديوي، فقد أذعن تحت ضغط «كرومر»، وأجاب في 25 مارس على «استفسار» الباب العالي، بأن إرسال الحملة كان من تقرير الحكومتين المصرية والبريطانية معًا، وهما اللتان وجدتا الظرف مناسبًا لاسترجاع دنقلة تحت الإدارة المصرية. ولم يعتبر الخديوي أن هناك ما يدعوه بموجب الفرمانات إلى التشاور مع الباب العالي قبل تقرير إرسال الحملة. ولم يُرضِ هذا الجواب الباب العالي الذي اعتبر إرسال جنود مصريين وخصوصًا للعمل ضد أمة إسلامية أمرًا يرتهن قطعًا بمشيئة السلطان الذي له وحده أن يأذن به. ومن المستحيل لو أن الباب العالي استشير في إرسال الحملة أن يوافق عليها. وقد جاء هذا «الإنذار» في 28 مارس، وخشي الخديوي مغبَّة الاصطدام مع الباب العالي، وأراد أن يجيب على هذا الإنذار بالتنصل من مسئولية إرسال الحملة باعتبار أنه لم يكن موافقًا عليها، ولكن لم يكن في وسعه المعارضة تحت الضغط الإنجليزي. ولكن أمام اعتراض مصطفى باشا فهمي رئيس مجلس النظار من جهة، وضمان اللورد كرومر بمؤازرة الحكومة البريطانية له ضد أي عمل من جانب السلطان من جهة أخرى؛ أجاب الخديوي على «إنذار» الباب العالي الجواب الذي وافقت عليه الحكومة البريطانية في 30 مارس؛ وهو «أن دنقلة هي التي يُراد استرجاعها الآن، وهي جزء من السودان التابع لمصر بمقتضى الفرمانات الشاهانية، وأن الحكومة الخديوية لم تتخلَّ عن السودان إلا حين دعت الظروف لذلك، ولكن على نية أنه متى سنحت لها الفرصة وخلت طريق دنقلة من الدراويش لانشغال هؤلاء بأمر كسلا عادت لاسترجاعه، وأن الحكومة الإنجليزية مع ذلك كله هي التي أشارت بإيفاد هذه الحملة، وتقرر سيرها بناء على ذلك.» وهكذا نفى الخديوي أن في محاولة استرجاع دنقلة افتئاتًا على أحكام الفرمانات، كما نفى تحمل أية مسئولية في تقرير إرسال الحملة، وهو القرار الذي يتحمل مسئوليته الإنجليز وحدهم الذين يحتلون البلاد «مصر» الآن احتلالًا عسكريًّا.
ولما لم يكن الباب العالي يريد أن يمضي في طريق المعارضة في هذه المسألة بالشوط الذي يفقده صداقة إنجلترا، وبتحريض من فرنسا وروسيا كما كان واضحًا، فقد انتهى الأمر بأن أبرق السلطان في أول أبريل يشكر الخديوي على رسالته، وجاء في رسالة الباب العالي: أن السلطان راضٍ تمام الرضى عن احتياط سموه، وأنه لم يخالجه أي شك في إخلاصه لذاته الشاهانية وحسن ولائه لمتبوعيته.
وانصرف الاهتمام الآن إلى مسألة تمويل الحملة، حيث كنا ذكرنا أن «سولسبري» منذ 15 مارس 1896م كان قد طلب من «صندوق الدين» مبلغ 500000 جنيه للإنفاق منها على الحملة؛ وعارض في ذلك مندوبا فرنسا وروسيا، فقد وافق صندوق الدين بأكثرية أربعة ضد صوتين «هما صوتا فرنسا وروسيا» على إعطاء هذا المبلغ إلى الخزينة المصرية. وعندئذٍ أقام المندوبان الفرنسي والروسي دعوى على الحكومة المصرية في المحكمة المختلطة، التي أصدرت حكمها ضد الحكومة المصرية في 2 ديسمبر 1896م، فلم تمضِ أربعة أيام حتى دفعت الحكومة المبلغ (515000) إلى صندوق الدين. ذلك أن كرومر الذي توقع أن يأتي الحكم في غير صالح الحكومة كان متهيئًا لأن يبلغ الحكومة المصرية فور صدوره بأن الحكومة البريطانية تعد بمساعدتها ماليًّا، ولأن الخزينة المصرية — كما قال كرومر — كانت وقتئذٍ مفعمة بالمال. وأما تمويل بقية أعمال الحملة، فقد اقترضت الحكومة في 1897م من الحكومة البريطانية التي نالت موافقة البرلمان الإنجليزي على هذا القرض، مبلغ 800000 جنيه بفائدة ٪. وبلغ ما أقرضته الحكومة البريطانية فعلًا 798802 جنيهًا. قال «أوكلاند كولفن»: إن الحكومة البريطانية لم تلبث أن نزلت في يونيو 1898م عن حقها تمامًا في هذا المبلغ للحكومة المصرية «لتقيم الدليل على نيتها في المساهمة مع حكومة الخديوي في النفقات. ومن المحتمل في الأرباح المنتظرة من المقامرة التي أقدما عليها سويًّا.»
ولقد كانت الدلائل كلها منبئة وقتئذٍ بأن في هذه المقامرة ربحًا محققًا، فقد بدأت أعمال الحملة التي تولى قيادتها العامة سردار الجيش المصري السير هربرت كتشنر، واستأثر بالإشراف الكامل عليها اللورد كرومر الذي كان تحت إمرته من أول الحملة إلى آخرها السردار كتشنر؛ بدأت أعمالها بتحرك جيش الحدود إلى عكاشة (أول مايو 1896م)، فوقع أول اشتباك كبير مع الدراويش في «فركة» (Firket) في 7 يونيو، وانهزم هؤلاء هزيمة كبيرة، ثم انتقل الجيش إلى «كوشة». وفي 19 سبتمبر انهزم الدراويش، وكان أميرهم «ود بشارة» في واقعة الحفير، وجرح في هذه الواقعة «ود بشارة» الذي استمر في تقهقره طيلة اليوم التالي حتى بلغ دنقلة في المساء، وأخذ يحصن المدينة تحت وابل من قنابل «وابورات» الحملة، وأخلى الدراويش دنقلة من غير قتال يُذكر، واحتلها الجيش الزاحف في 23 سبتمبر 1896م. وفي 26 سبتمبر احتلت الحملة «مروى». وبمجرد أن انتهى القتال أقيمت الحاميات في دنقلة، الخندق، دبة، كورتي، مروى. ثم نُظمت الإدارة في مديرية دنقلة بتقسيمها إلى إحدى عشرة ناحية، ثم عاد كتشنر إلى القاهرة، فوصلها في 13 أكتوبر 1896م، وفي 15 أكتوبر انحلت «تجريدة دنقلة».
وهكذا تكون الحملة قد حققت الغرض الذي خرجت من أجله؛ أي الاستيلاء على دنقلة، وباسترجاع دنقلة يكون كتشنر كذلك قد انتهى من تنفيذ التعليمات التي لديه، ولا يمكنه الزحف إلى أبعد من هذا المكان إلا إذا صدرت إليه تعليمات جديدة بذلك، ولكن كتشنر كان يدرك أن من المتعذر من الناحية الاستراتيجية استبقاء الجيش المصري عند طرف خط السكة الحديد الصغيرة، التي أُنشئت أثناء الحملة في منطقة معادية، ولا يربط هذا الجيش بقاعدته الرئيسية في مصر إلا خط طويل من المواصلات البسيطة والتي لا يمكن الاعتماد عليها. ولقد كان من الواضح كذلك ألَّا مفر من استئناف العمليات العسكرية واستمرار الزحف للوصول إلى الخرطوم لعدة أسباب: منها أن حملة دنقلة هذه قد أقامت الدليل بسبب النفقات القليلة التي تكلفتها، والانتصارات الباهرة التي أحرزتها بسهولة وفي زمن قصير، على أن من الممكن تحطيم قوة الدراويش نهائيًّا؛ وساد الاعتقاد بأن الجيش الزاحف لن يلقى مقاومة جدية من هؤلاء بالرغم من أن جزءًا بسيطًا من قواتهم هو الذي اشتبك مع الجيش الزاحف في المعارك التي انتهت بإخضاع دنقلة؛ ولأن الخوف من أن يصل الفرنسيون إلى بحر الغزال وأقاليم النيل العليا كان لا يزال شديدًا، بل وأخذ يتزايد منذ أن صار يُخشى من وصول الفرنسيين وبعثتهم برئاسة الكابتن «مارشان» إلى النيل الأعلى ورفع العلم الفرنسي على فاشودة.
وعلى ذلك فقد كان من المنتظر، وبالرغم من أن الحكومة البريطانية كانت تبغي فسحة من الوقت قليلة، أن تقرر هذه الحكومة استئناف العمليات العسكرية لاسترجاع السودان.
وكان في هذه الظروف إذن، وعندما صار واضحًا ألَّا بد من استمرار الزحف إلى ما وراء دنقلة أن قررت الحكومة البريطانية الاحتياط من ناحية الحبشة، بإنشاء الصلات الطيبة معها؛ لضمان وقوفها على الحياد، على الأقل، عند استئناف الحرب الفاصلة للقضاء على حكومة الخليفة عبد الله في السودان، فأوفدت لهذه الغاية بعثة إلى الحبشة برئاسة «جيمس رينل رود» (James Rennell Rodd) من رجال الوكالة البريطانية في القاهرة، وأحد مساعدي اللورد كرومر القديرين «الأكفاء» في مصر.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)