

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
سياسة احتلال الوجه الثاني «إخلاء السودان»
المؤلف:
محمد فؤاد شكري
المصدر:
مصر والسودان تاريخ وحدة وادي النيل السياسية في القرن التاسع عشر (1820 ــ 1899)
الجزء والصفحة:
ص 264 ــ 278
2026-04-09
45
كشفت هزيمة «هيكس» عن موضع الضعف في سياسة حكومة المستر «غلادستون» نحو المسألة السودانية حتى هذا الوقت، الابتعاد عن التدخل في شئون السودان، والابتعاد عن تحمل أية مسئوليات تترتب على القرارات التي قد تتخذها الحكومة المصرية لإخماد الثورة المهدية واسترجاع نفوذها المفقود في السودان، والامتناع في كل الأحوال عن إرسال جنود بريطانيين لنجدة القوات المصرية في الحاميات المبعثرة هناك، والتي تكاد تكون جميعها منعزلة بعضها عن بعض. ولقد شاهدنا كيف أسفرت هذه السياسة المتنكرة لواقع الاحتلال (ذلك الاحتلال الذي يفرض سلطانه على حكومة الخديوي، والذي لا يمكن أن تتنصل الحكومة البريطانية من تحمل مسئولية أي نشاط يصدر عن الحكومة الخديوية في مصر والسودان)؛ نقول لقد شاهدنا كيف أسفرت هذه السياسة عن هزيمة «هيكس» وإبادة جيشه في غابة شيكان.
ولم يكن هناك مفر من أن يعترف «بمسئولية» الحكومة البريطانية عن هذه الكارثة كل الذين عاصروا هذه الحوادث من السياسيين الإنجليز أو كتبوا عنها؛ فيقول «جون مورلي (John Morley)» كاتب سيرة أو حياة غلادستون. ومن الذين تولوا منصب الوزارة في الحكومات التي أَلَّفها المستر «غلادستون»، فيما بعد (1885م الوزارة الثالثة، ثم الرابعة والأخيرة سنة 1892م)، تعليقًا على هزيمة هيكس: «إنه ليبدو واضحًا بالنظر لكل ما حدث بعد ذلك، وبسبب اتباع الحكومة البريطانية لسياسة التخلي عن السودان، أن الوزراء البريطانيين لو أنهم منعوا هذا الزحف «عن كردفان»، لكانوا أكثر حكمة وتعقلًا؛ لقد أظهرت الحوادث أن هذا الزحف كان ذلك الخطأ الجسيم في التقدير الذي نشأت منه كل الأحداث السيئة الأخرى، وبقدر ما كان الاقتناع كبيرًا بأن التخلي عن السودان سياسة سليمة «رشيدة»، بقدر ما كان ينبغي أن تتزايد قوة الأسباب التي تدعو للإصرار على الحكومة المصرية بأن الواجب يقتضيها عدم القيام بعمليات متناقضة مع هذه السياسة. ومع أن السودان لم يكن يدخل في دائرة مسئولياتنا إلَّا أن مصر كانت داخلة في دائرتها. ولقد كان من المنتظر لمجرد أن فصل مصر عن السودان شيء حكيم وضروري أن تعمد إنجلترا حتمًا إلى التداخل؛ لتمنع الخروج من طريق التمسك بهذا الفصل.»
وكان رأي اللورد «كرومر» (وهو السير «إفلن بارنج (Evelyn Baring)» حتى عام 1907م) الذي ذكره في كتابه عن (مصر الحديثة): «لو أن «جرانفيل» وزير الخارجية البريطانية استمع لآراء الثقات البريطانيين في مصر، وتدخل في الوقت المناسب ليمنع إرسال حملة «هيكس» إلى كردفان؛ لكان قد استحق ثناء المصريين، وحفظ على كثيرين حياتهم، وتسبب في توفير أموال طائلة للخزينة، ولكان استطاع إلى جانب هذا كله أن ينقذ بلاده (إنجلترا) من ذلك التدخل في شئون السودان، الذي كان هو نفسه يخشاه ويخافه خوفًا عظيمًا، والذي كان لا مناص من أن تندفع إليه بلاده اندفاعًا نتيجة لتلك السياسة السلبية التي اتبعتها الحكومة الإنجليزية في مرحلة أعمالها الأولى.»
وتساءل اللورد (Milner) في كتابه «إنجلترا في مصر»: «كيف حدث أن أجازت بريطانيا العظمى لمصر اتخاذ مثل هذا الإجراء، الذي كان إلى جانب أنه محفوف بالمخاطر عديم النفع ولا جدوى منه؟ إنما هذا قد حدث بسبب نوع عجيب من السيكولوجية السياسية، جعل الحكومة البريطانية تقف من أول الأمر موقف الذي لا يعتبر نفسه مسئولًا عن شئون السودان. لقد كان شعور البريطانيين أنهم ملزمون بإنقاذ مصر من المتاعب، وذلك في الشئون الرئيسية والهامة. وأمَّا في غير هذا فالواجب على مصر أن ترعى هي مصالحها بنفسها، إن هذا الوهم (أو التلفيق) هو الذي حطم «هيكس» وأهلك رجاله العشرة آلاف.»
ولكن لماذا لجأت الحكومة البريطانية لهذا الوهم أو التلفيق — على حد تعبير اللورد ملنر — لتحدد موقفها من المسألة السودانية بالصورة التي جعلت حكومة الخديوي تنفرد في تقرير إرسال «هيكس»، وتنفرد حسب ما يريد أن يتوهم المسئولون الإنجليز وقتئذٍ في تحمل مسئولية الكارثة، التي لحقت به وبجيشه في غابة شيكان في 5 نوفمبر 1883م؟
إن مبعث هذا الوهم أو التلفيق كان السياسة البريطانية نفسها نحو مصر في السنوات الأولى من الاحتلال؛ ذلك أنه بالرغم من تبدل هدف البريطانيين نحو هذه البلاد في مراحل الاحتلال التالية، فالثابت أن سياسة حكومة المستر غلادستون قامت وقتئذٍ على الانسحاب من مصر في أول فرصة مواتية؛ أي بعد أن تتحقق الأغراض التي تأسس عليها التدخل من أيام «المذكرة المشتركة» في يناير 1881م، تأمين مسند الخديوية، والاطمئنان إلى الاستقرار الداخلي. ولذلك تعددت تصريحات رئيس الحكومة البريطانية وغيره من المسئولين بعد حادثي ضرب الإسكندرية (يوليو 1882م)، وواقعة التل الكبير (سبتمبر 1882م)؛ بأن ليس لبريطانيا العظمى مطامع في مصر، وأنها لم ترسل جنودها إلى هذه البلاد إلَّا لإعادة الأمن فيها، ولكي ترجع للخديوي سلطته التي فقدها، وأن رغبتها هي أن تترك المصريين وشأنهم بعد تحرير بلادهم من الطغيان العسكري، وأن الاحتلال ليس إلَّا وقتيًّا، وأن البريطانيين سيجلون عن مصر متى استتب النظام فيها. وهكذا.
وعندما حضر «هيكس» إلى مصر في «يناير 1883م» كان «الاحتلال المؤقت» لا يزال سياسة الحكومة البريطانية، فأكد هذه الحقيقة المستر «غلادستون» في تصريح أمام مجلس العموم البريطاني في 5 مارس 1883م قال فيه: إن حكومته لا تبغي أن يطول أمد الاحتلال إلى ما بعد الوقت الذي تقضي الضرورة فيه بوجود البريطانيين في مصر، وفي تصريح آخر أمام نفس المجلس في 6 أغسطس 1883م، أكد غلادستون مرة أخرى أن الجنود البريطانيين لن يبقوا في مصر يومًا واحدًا أكثر مما تقتضيه الضرورة. وفي 9 أغسطس صرح بأن الحكومة البريطانية لم تفكر في ضم مصر؛ لأن هذا العمل يمس شرف إنجلترا.
صدرت هذه التصريحات الأخيرة في الوقت الذي وافقت فيه أخيرًا الحكومة البريطانية على استخدام نفوذها مع الحكومة المصرة كي تجيب الجنرال «هيكس» إلى مطالبه؛ من حيث إعطائه كل السلطة التي يريدها كقائد أعلى للحملة المرسلة على كردفان، وكي تحول بهذا الإجراء دون استقالة «هيكس»، بعد أن هدد هذا بها في الظروف التي عرفناها (23 / 7 / 1883م)، ولم يكن يبدو إطلاقًا في نظر الحكومة البريطانية أن هناك أي تعارض بين اتخاذها هذه الخطوة في صالح «هيكس»، وبين سياسة «عدم التدخل» التي التزمتها نحو السودان، وعدم تحمل مسئولية أي إجراء قد تتخذه الحكومة المصرية بشأنه.
فكانت إذن سياسة الاحتلال المؤقت في مصر هذه، هي منشأ خطة عدم التدخل في شئون السودان، أو تحمل مسئولية أي إجراء يُتخذ فيه، أو حتى مجرد إسداء النصيحة في شأن من شئونه؛ حتى لا يكون هذا سببًا في إطالة مدة الاحتلال وتأجيل الانسحاب من مصر.
وعملًا بهذه السياسة إذن (سياسة الامتناع عن التدخل) رضيت الحكومة البريطانية ليس فقط بأن يذهب «هيكس» ليتولى قيادة جيش مصري في السودان، بل وامتنعت عن الاحتجاج بكل ما لديها من قوة لتَحُولَ دون إرسال الحملة التي زحف بها «هيكس» على كردفان لمهاجمة المهدي في قواعده الحصينة، بدلًا من الاكتفاء بتدبير الدفاع عن الخرطوم. ولقد وصف «كرومر» فيما بعد عناد «جرانفيل» وزير الخارجية البريطانية الذي رفض التدخل حتى في صورة إسداء النصيحة لحكومة الخديوي «بأنه بدلًا من أن يعترف بواقع الموقف آثر الاحتماء وراء ذلك الإنكار الوهمي لتحمل المسئولية، الذي ما كان يعدو أنه خيالات عقلية دبلوماسية برلمانية، والنتيجة أن الحقائق لم تلبث أن أكدت وجودها متحدية الطرائق (أو الأساليب) الدبلوماسية والبرلمانية.»
أمَّا الحقيقة التي أكدت وجودها، فكانت أن الحكومة بعد هزيمة هيكس لم يعد في وسعها أن تتخذ موقفًا سلبيًّا من شئون السودان. بل لقد طرأ تعديل كبير الأثر على موقف بريطانيا ليس من السودان وحده، بل ومن مصر كذلك؛ ففيما يتعلق بمصر تأجل وقتئذٍ التفكير في الانسحاب السريع منها، ثم لم تلبث بعد ذلك أن توافرت عوامل عديدة لإطالة أمد الاحتلال إلى أجلٍ غير مسمى، كان استمرار ثورة المهدي وسيطرة الدراويش في السودان، وتهديد الدراويش لحدود مصر الجنوبية؛ من الأسباب التي تذرع بها الإنجليز لبقاء الاحتلال. أمَّا فيما يتعلق بالسودان فقد وجدت حكومة المستر غلادستون ألَّا مناص من التدخل في شئونه.
واتخذ «التدخل» — وهي المرحلة الثانية من مراحل السياسة البريطانية في السودان — صورة إسداء النصيحة للحكومة المصرية بوجوب التخلي عن السودان؛ فقد أبرق اللورد جرانفيل إلى القنصل البريطاني الجديد السير «إفلن بارنج»، الذي خلف «مالت» منذ 11 سبتمبر 1883م؛ أبرق إليه في 20 نوفمبر 1883م:
أن يوصي — إذا سألت الحكومة المصرية المشورة — بالتخلي عن السودان في حدود معينة.» وكان المطلوب من مصر أن تتخلى عن البلاد الواقعة إلى الجنوب من وادي حلفا.
ولكن سياسة التخلي عن السودان هذه كانت تتعارض تعارضًا تامًّا مع سياسة الحكومة المصرية، التي لم تكن تفكر بحال من الأحوال في التخلي عن هذه الأقاليم أو إخلائها.
فقد استبد قلق المسئولين بالقاهرة حين لم تصل إليهم أية أخبار قاطعة من الجنرال «هيكس» نفسه منذ 27 سبتمبر 1883م، وحتى 19 نوفمبر لم تكن القاهرة عرفت بهزيمة شيكان «أو وادي كشجيل (Kashghil)» ولكن كان رأي الخبراء بشئون السودان (مثل جيكلر باشا (Giegler) الذي خدم قبلًا في السودان مع غوردون) أن من المحتمل سقوط الخرطوم في يد الدراويش إذا حدث مثلًا أن انهزم جيش هيكس. وفي 19 نوفمبر أبرق «إفلن بارنج» من القاهرة إلى اللورد جرانفيل: «أن الحكومة المصرية ليس لديها المال الذي يمكنها به مواجهة الطوارئ، وأنها أرسلت كل ما أمكنها إرساله من القوات إلى السودان، ما عدا تلك التي تحت قيادة السير إفلن وود والجنرال فالنتين بيكر، وأن من المؤكد تقريبًا أن تفقد الحكومة المصرية السودان بأسره إذا انهزم هيكس وجيشه، وذلك إذا لم تنل هذه الحكومة بعض المساعدة الخارجية، ومن المحتمل أن تطلب الحكومة المصرية من الحكومة البريطانية إرسال جنود بريطانيين أو هنود، ثم إنها قد تسأل الحكومة البريطانية كذلك إرسال جزء من الجيش الذي يتولى قيادته في مصر السير إفلن وود، ويقول «بارنج» إن رئيس الوزارة المصرية «شريف» باشا قد تحدث إليه بشأن إرسال أحد الضباط الإنجليز الذين يعملون تحت قيادة «وود Wood» إلى سواكن. وفي نفس البرقية (19 نوفمبر) أشار «بارنج» إذا اتضح أن جيش هيكس حلت به الهزيمة فعلى الحكومة المصرية أن تنزل عند حكم الواقع، وأن تنسحب من السودان إلى أي مكان على النيل يتأكد لديها أنها تستطيع الدفاع منه عن الحدود المصرية.
وكان جوابًا على هذه الرسالة من «بارنج» أن أبرق إليه «جرانفيل» في 20 نوفمبر 1883م يوصي بالتخلي عن السودان.
ولقد أضاف «جرانفيل» إلى ذلك أن الحكومة البريطانية لا تستطيع إعارة مصر جنودًا إنجليزًا أو من الهنود.
وعندما تأكد في القاهرة نبأ هزيمة «هيكس» قررت الحكومة المصرية، أن تجلو الحاميات من دارفور، وبحر الغزال، وخط الاستواء، فتنسحب جميعها إلى الخرطوم لتقوية حامية هذه الأخيرة، وأن تبقى في سنار مؤقتًا الحامية الموجودة بها حتى يمكن إمداد الخرطوم بالمؤن من سنار، وأن يعاد فتح الطريق بين سواكن وبربر.
وكان معنى هذا أن الحكومة المصرية وإنْ وافقت على التخلي عن الأقاليم التي خرجت فعلًا أو المهددة بالخروج من حوزتها، فهي من ناحيةٍ أخرى متمسكة بالأقاليم التي بقيت في حوزتها.
واقترحت الحكومة المصرية استخدام جنود عثمانيين (أتراك) ما دام متعذرًا استخدام جنود بريطانيين أو هنود لا تريد هي استخدامهم؛ حتى لا يزيد استخدام «الجنود المسيحيين»، أو تدخل المسيحيين في السودان من حدة الثورة المشتعلة هناك، كما اقترحت إرسال الزبير رحمت إلى السودان.
ولكن الحكومة البريطانية رفضت استخدام الزبير «لأسباب سياسية — كما قالت — وأخرى متعلقة بتجارة الرقيق»، واشترطت أن تدفع الحكومة العثمانية نفقات الجيش التركي الذي يُستخدم في السودان؛ حتى لا تزيد أعباء مصر المالية.
وفي أول ديسمبر 1883م أبرق «جرانفيل» يسأل «بارنج»: إذا رغب الجنرال «غوردون» في الذهاب إلى مصر، هل يفيد «غوردون» أو الحكومة المصرية من ذلك، ثم بأي صفة يكون ذهابه إليها إذا كان الأمر كذلك.
ومع ذلك، فقد ظلت الحكومة البريطانية تعتقد لغاية 25 نوفمبر على الأقل أنها لا تتحمل أية مسئولية عن العمليات التي تجري في السودان، وأن واجب الحكومة المصرية أن تعتمد على نفسها فقط، وأن تتحمل وحدها كل المسئولية، حتى 7 ديسمبر كانت الحكومة البريطانية لا تزال تصر على اتباع سياسة «عدم التدخل» المزعومة، وذلك بالرغم من أنها أوصت — كما رأينا — منذ 20 نوفمبر بالتخلي عن السودان، وأبدت ملاحظات على المقترحات المصرية، وعرضت في أول ديسمبر خدمات «غوردون» على الحكومة المصرية.
ولكن في 10 ديسمبر كان «بارنج» قد غير موقفه تغييرًا كليًّا، فتحول من سياسة عدم التدخل إلى نقيضها؛ وذلك بسبب الأنباء التي أُذيعت وقتئذٍ في القاهرة عن هزائم القوات المصرية، على يد عثمان دقنة وقواده في السودان الشرقي، حتى باتت سواكن نفسها محاصرة ومهددة بالسقوط في أيدي الدراويش. ففي 10 ديسمبر 1883م أبرق «بارنج» إلى «جرانفيل»: «إنه ليبدو جليًّا لي أن تعليمات أكثر تحديدًا يجب إرسالها بعد قليل عن موقف حكومة جلالة الملكة، وعن النصيحة التي يجب إسداؤها إلى الحكومة المصرية؛ ففي الوقت الحاضر هذه الحكومة إنما هي تترك نفسها تسير منساقة، ودون أن يكون لديها أي خطة معينة أو عملية للعمل. وسوف تظل تفعل ذلك حتى يُطلب منها أن تسير في الطريق الذي يُرسم لها.»
فكان في 13 ديسمبر 1883م أن أبرقت الحكومة البريطانية بجوابها إلى «إفلن بارنج»، فتطلب إليه أن يوصي الحكومة المصرية بضرورة الوصول في أقرب وقت إلى قرار بشأن التخلي عن البلاد الواقعة جنوب وادي حلفا، وأكدت هذه البرقية رغبة بريطانيا في أن يستتب الأمن والنظام في مصر، والدفاع عن مصر ضد أية اعتداءات خارجية عليها، ثم حماية موانئها على البحر الأحمر. وإلى جانب هذا عارضت في استخدام الزبير إطلاقًا، وكان صدر أمر بتعيينه لقيادة الجنود في السودان الشرقي تحت إمرة بيكر باشا.
واعتقد «بارنج» أن هذه «السياسة» هي خير ما يمكن اتباعه في الظروف القائمة، ولو أنه كان يتوقع أن تنشأ صعوبات من التدخل في مسألة تعيين الزبير باشا. ومن النصح بالتخلي عن السودان؛ الأمر الذي سوف يترتب عليه استقالة شريف باشا، وطلب من حكومته تخويله حرية العمل حسبما يراه مناسبًا للموقف، مع إبلاغها عزمه على اختيار نوبار للوزارة إذا استقال شريف باشا، فأجابته حكومته إلى رغبته (في 15 ديسمبر 1883م).
وفي 16 ديسمبر 1883م أبلغ «بارنج» شريف باشا شفويًّا فحوى برقية 13 ديسمبر، فاعترض شريف كما قال «بارنج» وهو ينقل لحكومته خبر اجتماعه بالوزير المصري باعتراضات كثيرة على سياسته التخلي عن السودان وإخلائه، ولكنه وعد بأن يبحث الموضوع مرة أخرى، ويبلغ آراء الحكومة المصرية في مذكرة مكتوبة إلى السير إفلن بارنج، وكان ظاهرًا على نحو ما ذكر «بارنج» أيضًا أن شريف يكره «كراهة عنيفة» سياسة التخلي عن السودان، ويشك «بارنج» كثيرًا إذا كان ممكنًا مهما كانت الجهود التي تُبذل إقناع شريف باشا بقبول هذه السياسة.
فقد قرَّر شريف الاحتفاظ بحوض النيل حتى الخرطوم والتخلي عن الموانئ الواقعة على البحر الأحمر، باعتبار أن هذه إنما يهم أمرها بريطانيا أكثر مما يهم مصر. واعتقد شريف أن سياسة الإخلاء (أو التخلي عن السودان) إنما تنطوي على أخطار كثيرة على استقلال بلاده؛ لأن التخلي عن السودان يعرض الحدود المصرية لهجوم الدراويش عليها. وسوف يتطلب الدفاع عن هذه الحدود أن يزيد البريطانيون عدد جنود الاحتلال في مصر، وطالما بقيت حدود مصر معرَّضة لهذا الهجوم ولا أمل بعد التخلي عن السودان في القضاء على قوة المهدية؛ فإن الاحتلال البريطاني سوف يبقى، ويتأجل حينئذٍ جلاء البريطانيين من مصر إلى موعد لا سبيل إلى تعيينه، وحاول «بارنج» عبثًا إقناع شريف باشا بأن التخلي عن السودان وسيلة مجدية للمحافظة على استقلال مصر! ولقد كان واضحًا أن شريف باشا وسواد المصريين يرون في التخلي عن السودان فخًّا ينصبه البريطانيون؛ ليجعلوا احتلالهم لمصر ذاتها أبديًّا.
وفي 17 ديسمبر 1883م عاد «بارنج» يؤكد مرة أخرى للورد جرانفيل أن الحكومة المصرية لا تستسيغ إطلاقًا سياسة التخلي عن السودان لدرجة تجعله يعتقد أن: «اللغة الشديدة مع احتمال تغيير الوزارة» إذا دعا الأمر كفيلان وحدهما بتطويع الحكومة المصرية. وعندئذٍ استشار «جرانفيل» رئيس حكومته، فوافق المستر غلادستون على أن تبرق وزارة الخارجية إلى «بارنج» بالتعليمات التي يطلبها، فأبرق إليه «جرانفيل» في 20 ديسمبر؛ أولًا فيما يتعلق بمصر: أن الحكومة البريطانية لا تزال متمسكة تمسكًا كليًّا بسياستها نحو هذه البلاد، وهي السياسة التي عطلها أو أوقف تنفيذها تحطيم جيش «هيكس». وكان الغرض من هذا التصريح انتزاع شكوك المصريين وشكوك شريف باشا في نوايا الإنجليز، أنهم يريدون إطالة أمد الاحتلال في مصر، وثانيًا فيما يتعلق بالسودان: أن الحكومة البريطانية متمسكة بنصيحتها السابقة بشأن التخلي عنه، وترى أن المحاولات غير المجدية التي تبذلها الحكومة المصرية لتأمين مراكزها في السودان لن تنجح إلَّا في تعريض سياسة الإخلاء نفسها للفشل.
ولكن شريف باشا الذي أصرَّ على موقفه لم يلبث أن وضع في 21 ديسمبر 1883م المذكرة التي وعد بتقديمها إلى «بارنج»؛ فتضمَّنت آراء حكومته في مسألة التخلي عن السودان. وفي 22 ديسمبر سلم شريف هذه المذكرة الشفوية إلى «بارنج» ونصها:
يتبادر إلى الذهن عند التفكير في احتمال التخلي عن السودان اعتراض أول منشأه فرمان 7 أغسطس 1879م، الذي يمنع الخديوي رسميًّا من أن يتنازل عن أي إقليم.
وحتى إذا افترضنا أن لمصر حقًّا مطلقًا في التنازل عن أملاكها في السودان، فالصواب معرفة ماذا تكون النتائج المترتبة على ذلك.
وكما هو واقع الأمر القائم فعلًا تحتفظ الحكومة بسلطانها على السودان كله، باستثناء مديرية كردفان والجهات المجاورة لسواكن، فتلك إذن مسألة معناها التخلي للثوار عن كل السودان الشرقي، ومديريتي بربر ودنقلة، وكذلك مجرى النيل بطوله من منبعه إلى نقطة تُعين بأنها الحدود الجنوبية لمصر. وسوف يرى المتمهدي نفسه حينئذٍ صاحب السلطان المفرد على كل هذه الأقاليم الشاسعة. وسوف تضطر اضطرارًا القبائل التي بقيت موالية لمصر، والتي لا تزال مترددة مثل الكبابيش إلى الانضمام إلى هذا الثائر الذي سوف يزيد عدد قواته بهم.
وهكذا بعد أن تكون مصر ساعدت على زيادة سمعة المتمهدي، تصبح هي منكمشة إلى أضيق حدودها. ومن الواجب عليها أن تقاوم هجوم جماعات المتعصبين.
وسوف يكون واجبًا عليها كذلك أن تكافح قبائل البدو العديدة التي تحيط بها من كل جانب، والذين بسبب غريزة النهب والسلب المنطبعة في نفوسهم، والأسلاب الباهرة التي يتوقعون الحصول عليها من مصر؛ سوف يعجزون عن البقاء غير متأثرين بالدعوة، (أو النداء) الذي لن يتوانى المتمهدي في توجيهه لهم.
وبعض هؤلاء مثل العبابدة وقسم كبير من البشارية، الذين بقوا حتى الآن متمسكين بولائهم، والذين يمتدون من بربر إلى إسنا، وإلى قنا كذلك؛ سوف يصبحون مصدر قلق دائم للحكومة.
وسوف تضطر مصر بسبب حرمانها من حدودها الطبيعية، ولأنها تصبح معرَّضة تبعًا لذلك لاقتحام العدو لها من كل جانب؛ إلى الاحتفاظ وعلى أهبة الاستعداد دائمًا بقوات عظيمة وجيش لا قِبل لها بتحمل نفقاته؛ وذلك لتأمين سلامتها.
ومن جهة أخرى فإن احتلال السودان وإنشاء الإدارة الطبية به، هما لا يمكِّنانها فقط من تجنيد الرجال بسهولة، وبنفقات قليلة في هذه البلاد، بل من شأن ذلك أن تتحمل هذه الأقطار قسمًا من النفقات التي يتطلبها وجود جيش يعمل لتأييد النظام في السودان، ولحماية مصر ذاتها في الوقت نفسه.
وزيادة على ذلك كانت مصر من أقدم الأزمنة إلى وقت محمد علي مضطرة دائمًا للقيام بعمل هجومي صوب الجنوب؛ وذلك حتى تتجنب غزوات القبائل في النيل الأعلى.
وكانت خطة الدفاع التي اتخذتها مصر في العادة هي العمل على وقف هؤلاء الناس عند مسافة بعيدة من حدود مصر.
ولذلك ليس في وسع حكومة سمو الخديوي أن تتخذ قرارًا بالتخلي عن أرض (إقليم) يعتبرونها ضرورية لسلامة مصر، بل ولكيانها (أو حياتها) ذاتها.
أضف إلى هذا من وجهة النظر الحضارية، فإنه مهما كانت صحيحة الانتقادات الموجهة للحكم المصري في السودان فلا مراء في أنه صحيح كذلك أن بفضل مصر وجهودها صارت كل الأقاليم الممتدة بعيدًا إلى منطقة البحيرات جزءًا الآن من العالم المعروف، وكذلك بفضل مصر أمكن أن تتأسس البيوت التجارية الأوروبية في السودان، وأن تقوم حملات الكشف العلمية، وأن تستقر هناك الرسالات التبشيرية المسيحية.
وإنه ليصعب كذلك نكران أن مصر قد جعلت تجارة الرقيق تنكمش إلى أضيق الحدود الممكنة، وأن المتمهدي وجد أكبر مؤيديه من بين أولئك الذين عطلت الحكومة المصرية تجارتهم الشائنة.
وحتى يتسنَّى لحكومة سمو الخديوي أن تستمر في تأدية العمل الذي تقوم به في السودان، وأن تعيد تأسيس سلطانها؛ وبذلك تحمي مصر؛ فإنها بحاجة لمعونة مؤقتة من قوة مسلحة تبلغ حوالي 10000 رجل.
هذه القوة المسلحة تُستخدم أولًا في فتح الطريق بين سواكن وبربر، وتأليف حامية لفترة معينة من الزمن، تكون قد استطاعت في أثنائها حكومة سمو الخديوي تنظيم وحشد القوات التي في إمكانها أن تحل محل هذه الحامية.
ومن نافلة القول إضافة أن حكومة سمو الخديوي ليس لديها أن تفكر في إرسال حملة جديدة إلى كردفان، فالحكومة سوف تحصر نشاطها في اتخاذ ما يلزم من خطوات ضرورية للاحتفاظ والتمسك بالخرطوم؛ وذلك لتأمين «الحكومة» من ناحية السودان الشرقي، وحتى تسيطر «الحكومة» على مجرى نهر النيل.
وباعتبار أن للثورة طابعًا دينيًّا ترى حكومة سمو الخديوي أن تدخلًا من جانب تركيا أفضل ما يتناسب مع ظروف المسألة، وتعتقد «الحكومة» أن الباب العالي لا يستطيع أن يرفض إسداء مثل هذه المعاونة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مصر أمدت الباب العالي بفِرق (أو قوات) للعمل في القرم، وفي كريت، في السرب، وفي البلغار (بلغاريا) ولا يمكن زيادة على ذلك أن يفوت على الباب العالي إدراك أن الحاجة ملحة لهذه المعاونة لمنع امتداد الثورة إلى طرابلس الغرب وبلاد العرب.
وعلى كل حال فإنه مما يهم حكومة سمو الخديوي بنوع خاص أن يتأكد بتفاهم مع بريطانيا العظمى أي ترتيب يتم بشأن هذا الموضوع، وذلك سواء وافقت حكومة جلالة الملكة على أن تقوم هي بالمفاوضة عن مصر، أو كان على مصر أن تصل إلى تفاهم مباشر مع الباب العالي.
ويقول «كرومر»: إن الأثر الذي انطبع في ذهنه أثناء هذه المحادثات مع المسئولين المصريين؛ أن هؤلاء لم يكونوا يعنون تمامًا ما يقولونه عن طلب مساعدة تركيا، وإنما يقصدون أن يتخذوا من مقترحهم هذا أداة للضغط على يد الحكومة البريطانية، وجعلها تضطر لاستخدام جنود بريطانيين، وعلاوة على ذلك فإن اشتراط الحكومة البريطانية أن تدفع تركيا نفقات الجنود العثمانيين الذين ترسلهم إلى السودان؛ من شأنه أن يمنع عمليًّا من استخدام هؤلاء الجنود.
وإذا كان هذا اعتقاد كرومر (أو السير إفلن بارنج) ومعناه أن مصر لن ترضى بالتخلي عن السودان، وأنها تريد الاستعانة بجنود بريطانيين للاحتفاظ به، وذلك بالرغم من الاعتراض الذي أبداه شريف باشا على استخدامهم في مذكرة 21 ديسمبر 1883م، فقد توقع كرومر «إفلن بارنج» أن يرفض الوزراء المصريون إخلاء السودان. واقترح لذلك على حكومته الطريقة التي يمكن بها إرغام المسئولين المصريين على قبول سياسة الإخلاء.
فأبرق «بارنج» إلى «جرانفيل» وهو يبعث إليه بمذكرة شريف باشا: أن فشل المفاوضات مع تركيا يكاد يكون مؤكدًا إذا قامت على أساس أن تدفع تركيا نفقات جنودها، وأنه يعتقد أن السياسة التي أوصت بها حكومة جلالة الملكة هي إجمالًا أفضل سياسة يمكن اتباعها في الظروف الصعبة القائمة (أي سياسة الإخلاء) وأنه من المتعذر إقناع الوزارة المصرية الحاضرة بالموافقة على سياسة التخلي عن السودان، مهما كانت الحجج والدعاوى المقدمة لمحاولة إقناعها بذلك، «وأن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها تنفيذ هذه السياسة، هي أن يبلغ «بارنج» الخديوي أن حكومة جلالة الملكة مصرة على اتباع هذه السياسة، وأنه إذا كانت الوزارة الحالية لا تنفذ هذه السياسة، فعلى الخديوي أن يعين وزراء آخرين ينفذونها»، ثم أضاف: أنه ليس واثقًا من العثور على وزراء مصريين يرغبون في تنفيذ سياسة الإخلاء وأكِفَّاء (أي لهم القدرة) على تنفيذها. ولذلك فإذا أُرغمت الحكومة المصرية إرغامًا على قبول سياسة التخلي عن السودان، فالواجب أن تكون الحكومة البريطانية مستعدة لمواجهة الطوارئ المحتملة؛ وهي تعيين وزراء إنجليز بصورة مؤقتة.
ولكن مرَّت أيام دون أن يصل جواب الحكومة البريطانية على برقية «بارنج» الأخيرة ومذكرة (Note) شريف باشا، فانتهز شريف الفرصة وقدم إلى «بارنج» مذكرة (Note) أخرى في 2 يناير 1884م، تحدث فيها عن عزم الحكومة المصرية على أن تطلب من تركيا إرسال عشرة آلاف جندي، وعن رغبتها — إذا رفضت تركيا هذا الرجاء — أن تعيد إلى السلطان العثماني السودان الشرقي والموانئ الواقعة على البحر الأحمر، وأن تحاول هي (أي الحكومة المصرية) بمواردها الخاصة التمسك بوادي النيل في جزئه الممتد إلى الخرطوم.
وقد بعث «بارنج» بهذه المقترحات إلى حكومته، ولكنه أضاف أنه لا يعتقد مطلقًا أن في وسع أية قوات مصرية يمكن جمعها، الدفاع عن وادي النيل في جزئه هذا الممتد من الخرطوم إلى الشمال.
وفي 4 يناير 1884م أبرق اللورد جرانفيل بجوابه على رسالتي «بارنج»، السالفة الذكر في 22 ديسمبر 1883م، و2 يناير 1884م «وطَيَّهما مذكرة شريف باشا». وكان هذا الجواب يتألَّف من برقيتين:
• في الأولى: قالت الحكومة البريطانية إنها لا تعارض في أن تطلب الحكومة المصرية من السلطان إرسال جنود عثمانيين إلى سواكن، وإنما بشرط ألَّا تتحمل مصر بسبب هذا زيادة في النفقات، وكذلك بشرط ألَّا يتأخر قرار الحكومة المصرية بشأن ما تريد أن تفعله. وتوافق الحكومة البريطانية على اقتراح إرجاع إدارة شواطئ البحر الأحمر والسودان الشرقي إلى الباب العالي، إذا امتنع السلطان عن إرسال الجنود.
أمَّا فيما يتعلق باقتراح أن تتمسك الحكومة المصرية في حالة انكماش الحدود بوادي النيل جنوبًا إلى الخرطوم؛ فإن حكومة جلالة الملكة «لا تعتقد أن في قدرة مصر الدفاع عن الخرطوم. ولذلك فإنها (أي حكومة جلالة الملكة) بينما توصي بتركيز القوات المصرية، ترغب أن تنسحب هذه القوات من الخرطوم نفسها، وكذلك من داخل السودان.» وطلب «جرانفيل» من «بارنج» أن يبلغ شريف باشا هذه الرغبة.
• وفي البرقية الثانية: أرسل «جرانفيل» تعليمات حكومته بوجوب إلزام الحكومة المصرية باتباع مشورة أو نصيحة الحكومة البريطانية، وإلَّا وجب تغيير الوزارة التي ترفض هذه النصيحة، وتستبدل بها وزارة تقبل العمل بالنصيحة؛ وبذلك تجد الحكومة البريطانية الوزراء المصريين الذين يأخذون على أنفسهم مسئولية تنفيذ سياسة الانسحاب من الخرطوم ومن داخل السودان؛ أي تنفيذ سياسة الإخلاء، وفيما يلي نص هذه البرقية:
لقد ذكرتم في برقيتكم المؤرخة في 22 من الشهر الماضي أنه في حالة تشبث حكومة صاحبة الجلالة الملكة بطلب إخلاء السودان، لا تقبل حكومة الخديوي حسب رأيكم تنفيذ هذه السياسة.
وأكاد لا أرى حاجة إلى الإفضاء إليكم، بأن من الضروري في المسائل الخطيرة التي تستهدف فيها إدارة مصر وسلامتها للخطر أن تتأكد حكومة صاحبة الجلالة الملكة طول مدة احتلال الجنود الإنجليز للبلاد احتلالًا وقتيًّا، من وجوب اتباع نصائحها التي ترى من واجبها بعد مراعاة آراء الحكومة المصرية مراعاة تامَّة أن تتقدم بإسدائها إلى الخديوي.
ويتعيَّن أن يكون الوزراء المصريون والمديرون على بينة من أن التبعة الملقاة الآن على عاتق بريطانيا، تضطر حكومة صاحبة الجلالة الملكة أن تصرَّ على اتباع السياسة التي تراها، ومن الضروري أن يتخلى عن منصبه كل من لا يسير وفقًا لهذه السياسة من أولئك الوزراء والمديرين.
وإن حكومة جلالة الملكة لواثقة من أنه إذا اقتضت الضرورة استبدال أحد الوزراء، فهناك من المصريين سواء الذين شغلوا منهم منصب الوزير، والذين شغلوا مناصب أقل درجة من هم على استعداد لتنفيذ الأوامر التي يصدرها إليهم الخديوي بناءً على نصائح حكومة جلالة الملكة، ويمكنكم في كل ما تريدون توجيهه من التعليمات لتنفيذ ما سبق من الآراء أن تعتمدوا على مؤازرة حكومة جلالة الملكة لكم المؤازرة كلها.
أبلغ «بارنج» آراء حكومته إلى شريف باشا، ولكن شريف باشا رفض سياسة التخلي عن السودان. وعندئذٍ لجأ إلى تنفيذ التعليمات التي لديه؛ فقدم شريف باشا استقالة الوزارة في 7 يناير 1884م، وجاء في هذه الاستقالة:
إن الأسباب التي حملت النظار على الاستعفاء هي أن حكومة مصر ترى أنه من الممكن المحافظة على أملاكها السودانية التي بيدها الآن بواسطة 10 آلاف جندي، وأن التخلي عن السودان مضر بمصلحة مصر سياسيًّا وتجاريًّا، وفي حال تخلي مصر عن السودان تُقفل بيوت عديدة تجارية شهيرة بالقطر، ولا ترى الحكومة لزومًا لترك الخرطوم وسواها الخاضعة، والتي لم يحصل فيها هياج، وحاميتها قادرة على حفظها وصونها، وأن حكومة مصر لا تقبل مطلقًا تلغراف اللورد جرانفيل القائل بوجوب كل نصيحة إنجليزية بدون تردد ما دام جيش الاحتلال موجودًا في مصر، وأن كل ناظر لا يكون مشربه إنجليزيًّا لا يلزم وجوده في النظارة، فهذا مناقض لنص الدكريتو الخديوي الصادر في 28 أغسطس 1878م، القائل بأن النظارة مسئولة أمام الخديوي ليس إلَّا، وبناءً عليه لا تستطيع النظارة الحالية قبول ما تطلبه إنجلترا.
وفي صيغة أخرى لهذه الاستقالة جاء: «قد اقترحت علينا دولة ملكة إنجلترا المعظَّمة أن تُخلى السودان، وليس لنا حق في فعل ذلك؛ لأن هذه الولاية من مستملكات الدولة العلية التي نقلت وقايتها إلى عهدتنا، وقد طلبت دولة الملكة أيضًا أن تقتدي بنصائحها بدون مذاكرة فيها، ولا يخفى أن هذه الاقتراحات مخالفة لفحوى النظامات الشورية الصادرة في 28 من شهر أغسطس سنة 1878م، التي نُص فيها على أن الخديوي يجري أحكام البلاد باشتراكه مع النظار، فبناءً على ذلك نضطر هنا إلى أن نطلب من مقامكم العالي أن تقبلوا استعفاءنا؛ لأنه لا يمكن لنا والحالة هذه أن ندبر البلاد على أصول شورية.»
هذه الاستقالة يقول أحمد شفيق باشا (مذكراتي في نصف قرن): إن الخديوي «قبلها توًّا»، وكان الخديوي توفيق موافقًا على سياسة الإنجليز من حيث وجوب التخلي عن السودان، وفي ذلك يقول أحمد شفيق أيضًا: «وقد علمنا أن المحاورة بينه (أي بين شريف باشا الذي أبى أن يذعن لرأي الإنجليز وبين الخديوي) كانت شديدة، فهو لم يكن يريد التخلي. أمَّا الخديوي فقد رجح فكرة الجلاء بناءً على رغبة بدت من جانب الإنجليز وتخويفه بشبح الثورة الآتية من الجنوب.»
وعرض الخديوي في التوِّ على رياض باشا تأليف الوزارة على أساس إخلاء السودان، فاعتذر، وكان مما قاله للخديوي: «إنني أودُّ لو كنت ناظرًا في نظارة شريف باشا؛ حتى يكون لي شيء من فخر موقفه المشرِّف.»
وأُشيع أن أحدًا من المصريين لن يقبل تأليف الوزارة، وبلغت هذه الإشاعة السير إفلن بارنج. واعتقد هذا أن الغرض من الامتناع عن تأليف الوزارة الضغط على يد إنجلترا؛ حتى لا تجد مناصًا من إرجاع شريف باشا للوزارة، والعدول عن سياسة التخلي عن السودان، وكان «بارنج» بحكم التعليمات التي لديه لا يستطيع تعيين وزراء إنجليز، ومن واجبه أن يعمل لتأليف وزارة مصرية. ولذلك فقد صمم على أن يتسلَّم هو نفسه زمام الحكومة إذا تعذر تأليف الوزارة المصرية، وأن يبرق لحكومته في طلب تعليمات جديدة لمواجهة الأمر الواقع، وتعمد «بارنج» إذاعة الخبر عن الخطة التي يعتزم تنفيذها؛ مما جعل الخديوي يضطرب اضطرابًا شديدًا، ويقرر لذلك قبول استقالة شريف باشا في مساء 7 يناير نفسه، وقال الخديوي: «إنه يقبل بإخلاص سياسة التخلي عن السودان بأسره؛ الأمر الذي يعتقد بعد تفكير عميق أنه خير ما يكون لصالح البلاد، وأنه يثق تمامًا في أن أي نصيحة تسديها جلالة الملكة إنما هي لصالح مصر الخالص.»
في 8 يناير أبرق «بارنج» إلى «جرانفيل»: أن نوبار باشا وافق على تأليف الوزارة، وأنه يرتضي تمامًا سياسة التخلي عن السودان الحكيمة واستبقاء سواكن. وفي 10 يناير 1884م تشكلت وزارة نوبار باشا على أساس فكرة الجلاء عن السودان. ولقد انبرى بعض الكُتَّاب الإنجليز للدفاع عن قبول نوبار تأليف الوزارة؛ فقالوا إنه بعمله هذا أنقذ البلاد من الأزمة التي كان قد صح عزم كرومر على اجتيازها بتسلُّم زمام الحكومة بنفسه، وإقناع المسئولين في لندن بالموافقة على تعيين وزراء من الإنجليز؛ الأمر الذي لو حدث لكان أفضى قطعًا إلى إنهاء الوضع الشاذ الذي وجد فيه «الاحتلال» نفسه، وإبداله بضم البلاد ضمًّا صريحًا إلى أملاك بريطانيا. ولذلك فنوبار إنما أسدى خدمة جليلة للوطن بقبوله الوزارة.
•••
وبتشكيل وزارة نوبار على أساس فكرة الجلاء عن السودان، يكون قد انقضى في يناير 1884م دور السياسة السلبية التي اتبعتها بريطانيا في مسألة السودان منذ أن تأكد لديها أن هناك مشكلة حقيقية في هذه البلاد لا مفرَّ من مواجهتها، وذلك عقب هزيمة العرابيين في واقعة التل الكبير، وبداية الاحتلال البريطاني في مصر في سبتمبر 1882م، وبعد أن كانت مكتفية «باستطلاع» أحوال السودان، وتلك كانت المهمة التي أرسل من أجلها الكولونيل ستيوارت كما عرفنا (ديسمبر 1882-مارس 1883م) أرغمتها هزيمة هيكس في شيكان على أن تنبذ ظهريًّا سياستها السلبية، وأن تتدخل تدخلًا فعليًّا يترتب عليه اعترافها — وعلى خلاف أو غير ما فعلت قبل هزيمة هيكس — بتحمل المسئولية الكاملة عن كل إجراء تتخذه الحكومة المصرية بمشورتها في السودان. ولما كانت الحكومة البريطانية منذ أن بدأت مشكلة السودان قد ظلت ممتنعة عن استخدام جنود بريطانيين أو هنود لمعاونة المصريين على الاحتفاظ بالخرطوم والأقاليم التي لا تزال في حوزتهم. وكان من المقطوع به في نظرها أن الحكومة المصرية سوف تعجز تمامًا وبمواردها الخاصة بها عن الاحتفاظ بالخرطوم، وبطبيعة الحال عن استرجاع الأقاليم التي فقدتها في السودان. ثم إنه لما كانت الحكومة البريطانية لا تتوقع أن ترسل تركيا جيشًا عثمانيًّا بالشروط التي تراها هذه الحكومة ضرورية؛ لعدم تحمل مصر نفقات هذا الجيش من جهة، وبجعل نشاط هذا الجيش العثماني مقصورًا على العمليات العسكرية في السودان «سواكن» من جهة أخرى؛ فقد تمثل التدخل أو «الدور الإيجابي» الذي قررت الحكومة البريطانية القيام به الآن في إسداء النصيحة إلى الحكومة المصرية بإخلاء السودان.
وكانت سياسة التخلي عن السودان هذه تقتضي إخلاء الخرطوم من الحامية التي بها، ثم سحب الحاميات المصرية المبعثرة في أنحاء السودان، وتلك كانت مهمة شاقة عسيرة من حيث ترتيب عملية الإخلاء، بما في ذلك اختيار الطريق المناسب للانسحاب، واتخاذ الاستعدادات اللازمة لتأمين المواصلات، وتوفير المؤن وحراسة المنسحبين … إلخ. وأمَّا الذي عُهد إليه بهذه العملية فكان الجنرال غوردون.
الاكثر قراءة في الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)