إن مسألة الأقليات لا تُعدّ مشكلةً في حقيقة الأمر، فهذه الأقليات ومنها المسيحية التي كان يُقدَّر عددها عند دخول القوات البريطانية بـ(80000) حسب إحصاء نيسان 1920م، وينفرد المسيحيون من بين الأقليات الدينية بالاحتفاظ بمدارسهم الخاصة، فهم إجمالًا أفضل تعليما من العرب والكرد (1)، ففي ظل هذا التنوّع القومي والديني لولايات العراق الثلاث لم يكن هدف بريطانيا فقط البحث عن الطرق التجارية وإقامة مراكز تجارية فحسب، بل بدأت تُوظف قضايا جوهرية لتتدخل بشكل ممنهج في شؤون الدولة العثمانية، لتجد لها منفذا آخر من دعمها للأقليات القومية والدينية، وهم أصحاب الديانة المسيحية الذين يُشكّلون جزءًا من المجتمع العراقي، الذي سَعَت بريطانيا في إيجاد قواعد لها بداخله لتتمحور من خلالها إلى الدولة العثمانية بحجة حماية الأقليات المضطهدة.
عملت بريطانيا من جانبها أن تجد لها موطئ قدم بين الأقليات الدينية ومنهم المسيحيون، لاسيّما من خلال البعثات التبشيرية، ففي تقرير للموظفين البريطانيين بعد أن قررت الجمعية الإرسالية لكنيسة إنكلترا الطبية في الموصل أن تُنهي أعمالها بسبب الضائقة المالية، كتب لويد جورج (Lloyd George) عضو مجلس العموم البريطاني في مذكرة بتاريخ 3/ أيلول/ 1907م: «يجب أن نُدرك بوضوح من وجهة النظر السياسية أن وجود الإرسالية وعملها لهما أهمية عظيمة وبعيدة المدى، ومن المتعيَّن على المصالح البريطانية كذلك إمَّا أنْ تتطور سريعًا، أو أن تتدهور على مدى العقد القادم من السنين، نظرًا للتطور الذي يُبشِّر بفتح هذه البلاد للاستثمار والمنافسة الأجنبيتين». وقد أمكن لهذه الإرسالية أن تستمر في الموصل (2).
ومع بوادر الحرب العالمية الأولى انضم المسيحيون الآشوريون من مناطق حكاري (المنطقة الواقعة بين سهل نينوى وبحيرة وان (3)) إلى جانب بريطانيا بهدف التخلّص من سيطرة الدولة العثمانية من جانب، والتخلص من مضايقات بعض العشائر الكردية ، فاضطروا إلى ترك مدنهم والدخول تحت حماية القوات البريطانية في العراق، حيث دخلت أول المجاميع من وان والقفقاس في شهر آب 1918م بلغ تعدادهم (50) ألف، فقد استغلت بريطانيا من جانبها الوضع السيء للآشوريين، وقررت أن تؤلّف قوات من هؤلاء تستخدمهم في الحملات التأديبية في المناطق المحتلة، وليعرفوا فيما بعد بقوات (الليفي)(4).
والمسيحيون هم الآخرون أظهروا تقربهم من الإدارة البريطانية؛ لأنّهم كانوا بالأمس قد ذاقوا الأمرين من بلايا التجنيد والنوط والمصادرة وغيرها، ثمَّ وجدوا تلك البلايا تزول عنهم بين عشية وضحاها، وشعروا بإزاحة كابوس ثقيل كان جاثمًا على صدورهم (5).
وقد تقلد البعض منهم وظائف إدارية والعمل كمترجمين مع القوات البريطانية، أو في دوائر الدولة الأخرى، لكن الآثوريين الذين استقروا بعد الحرب العالمية الأولى في العراق كان لهم نصيب أوفر من الرعاية البريطانية، ومن الواضح أن أسباب ذلك تعود إلى ما قدمه هؤلاء من مساعدات للسلطات البريطانية في حالة حدوث اضطرابات عن طريق وجودهم في أفواج قوات الليفي (6)، أي أصبحوا قوةً يمكن أن تقف بوجه أي قوة محلية تحاول تقويض مركز بريطانيا في العراق.
ويُشير باحث معاصر بأنه «لم يكن إقدام البريطانيين للآثوريين حدثًا عاديًا، وإنما أرادوا بوساطتهم تنفيذ برامجهم في العراق، فجعلوهم يتصورون أنَّ قيام بريطانيا بإسكانهم في العراق هو مكافأة لهم مقابل مساندتهم إياهم في الحرب، وأفهموهم بأنهم لن يستخدموهم للدفاع عن العراق، بل وعدوهم بالعودة إلى أوطانهم، فكانوا يأملون من حلفائهم البريطانيين المساعدة بعد عودتهم إلى مواطنهم السابقة، إلى (تأسيس حكم ذاتي) تحت الحماية البريطانية» (7).
ويُشير إلى ذلك آرنولد ولسن القائد العسكري للإدارة البريطانية في العراق عن المسيحيين ومنهم الآثوريون، بقوله: «لقد جاء معهم مطارنتهم وقسسهم من النساطرة والكلدان والأرمن والكاثوليك والأرثوذوكس، وكان هؤلاء بالنسبة للإشراف الروحي في عهدة رأس القساوسة العسكريين» (8).
وبدأت الإدارة البريطانية تجد لها في الأقليات وسيلة من وسائل التأثير على الواقع الاجتماعي في العراق، عندما بدأت تُثير القلاقل بين السكان المحليين بحجة حماية المسيحيين، كما حدث في واقعة الكويان في قضاء زاخو أحد أقضية لواء الموصل في كانون الأول من عام 1918م، عندما طرح أحد الرهبان واقع المسيحيين في القضاء، والتعصب الديني ضدّهم مع حاكم القضاء (بهسن) ليُثير في نفسه العصبية الدينيّة، وبدأ (بهسن) بإثارة قبائل الكويان فيما بينهم، والتي أدّت في النهاية لمقتله وإثارة الفوضى في القضاء، لتجرد القوات البريطانية بمعية الآثوريين في الخامس من آيار عام 1919م حملةً عسكرية لتحرق القرى، وإخضاع العشائر المتمردة ضدهم (9) .
وفي محاولة من قبل الإدارة العسكرية البريطانية إشراك المسيحيين في عددٍ من الوظائف الحكومية، ذكر تقرير بريطاني مؤرخ في 27/ نیسان/ 1920م بصدد ذلك: «لا يمكن أن يذكر بين المسيحيين البارزين في بغداد أي شخص يستطيع الكلام أو الكتابة بلغة أوروبية» (10).
ولعل ما يؤشر تقرب الإدارة البريطانية إلى مسيحيي العراق هو مشاركة وفد مؤلف من (40) شخصية عراقية أغلبهم من اليهود والمسيحيين، المؤيدين للسياسة البريطانية الذين قابلوا آرنولد ويلسون لعرض مطالبهم الوطنية (11)، وأضاف التقرير البريطاني حول ذلك اللقاء أنَّ أوضاع المسيحيين في ظلّ تشكيل كيان سياسي في العراق قلق، وصرحوا أنَّ موقف المسلمين منهم أصبح قاسيًا» (12)؛. وهذه الإشكالية التي خلقتها ظروف السياسة الاستعمارية في المنطقة العربية والعراق على نحو خاص موظفة التنوع العِرقي والديني، لتصبح إشكاليةً مستديمة تواجه الحكومة العراقية، لا سيّما بعد تشكيل الحكومة العراقية في 23/ آب/ 1921م، وقد عبّر الملك فيصل الأول عن شكواه من ذلك بمرارة عندما أشار بمذكرته الشهيرة عن العراق: «إنَّ البلاد العراقية من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية المللية والدينية، فهي والحالة هذهِ مبعثرة القوى منقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادةً ومعنى، غير مجلوبين لحساسيات أو أغراض شخصية أو طائفية أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوة معا» (13) .
................................................
1. اللورد لويد دولبران، العراق من الانتداب إلى الاستقلال (1914 - 1932م)، ص 209.
2. العطية غسان نشأة الدولة (العراق)، ص 106.
3. :(Lake Van (Van Gölü أكبر بحيرة في تركيا، وتقع في منطقة شرق الأناضول، وتبلغ مساحتها الإجمالية حوالي (12،500) كيلو متر مربع بعمق (174) متر في المتوسط. والبحيرة مالحة، كما يتواجد في البحيرة عدة جزر صغيرة، وتطل على البحيرة عدة مدن، منها مدينة (وان) ومدينة (خلاط)، وقد عُرفت البحيرة قديما باسم (بحيرة أرجيش). للمزيد، يُنظر الموقع الإلكتروني:
https://en.wikipedia.org/wiki/Lake-Van
4. وليم خمو وردا، الحماية الدولية للأقليات.. دراسة حالة الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين، رسالة ماجستير، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2013م، ص222-223.
5. الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، 396/4.
6. السلمان، أنعام مهدي علي بريطانيا وتكوين الدولة في العراق، أثر السير هنري دوبس في السياسة العراقية (1923 - 1929م)، ص 148.
7. الحيدري، رياض رشيد ناجي الآثوريون في العراق (1918-1936م)، ص 95.
8. سیر آرنولد تي ويلسون، بلاد ما بين النهرين بين ولائين، 2/114.
9. الحسني، عبد الرزاق، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، 1/41-42.
10. العراق في سجلات الوثائق البريطانية، مرجع سابق، م2، ص 240.
11. طارق مجيد تقي، مقدمة في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ص 64.
12. العراق في سجلات الوثائق البريطانية (1914 - 1966م)، المحرر: آلف دي. ل. رش، محرر البحوث: جين بریشود، م2، ص 275.
13. الأزري، عبد الكريم، مشكلة الحكم في العراق.. تحليل للعوامل الطائفية والعنصرية في تعطيل الحكم الديمقراطي في العراق والحلول الضرورية للتغلب عليها، ص2.