لما دخلت تركيا الحرب، بدأت الرغبات الاستعمارية الحبيسة تتحسّس طريقها نحو التجسد، فأرادت روسيا أخذ القسطنطينية والمضايق، وطالبت فرنسا بسوريا، وبدأت إنكلترا تحس بحاجتها إلى طريق برية إلى الشرق، وتودّ أي شيء آخر ضروري يمكن أن يشل أثر المطامح الفرنسية والروسية، كما أنَّ حكومة الهند كانت تصوب أطماعها بقوة نحو العراق، فافتتح باب المفاوضات في أوائل العام 1915م وأُبرمت بين تلك الدول سلسلة من المعاهدات السرية لاستقطاع أراضي الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب، فيما كانت بريطانيا في الوقت نفسه تعقد عهودًا جديدة تُناقض عهودها التي أعطتها للعرب بوساطة السير (مكماهون) في سنة 1916م، وكانت أولى تلك المعاهدات هي اتفاقية سايكس بيكو (The Skes - Picot Agreement)، وقد عقدت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية في ربيع 1916م، فلم يكد السير مكماهون يُنجز صفقته . الشريف حسين، حتّى بدأت وزارة الخارجية البريطانية مباحثات في لندن مع الحكومة الفرنسية، هدفها الوصول إلى تدبير ما، بحيث يمكن التوفيق بين ما تدعيه فرنسا من حقٌّ في بلاد الشام وما تعهدت به بريطانيا للعرب. ولأسباب مختلفة آثرت وزارة الخارجية البريطانية أنْ تُخفي عن فرنسا شروط الاتفاق الذي عقدته مع الشريف حسين (1). وكان المندوب الفرنسي هو المسيو جورج بيكو (François Marie Denis Georges-Picot) (1870-1951م)، أما زميله الإنكليزي فهو السير مارك سايكس (Sir Tatton Benvenuto Mark Skes) (1879 - 1919م)، ورسم المندوبان مشروعًا لاحتياز تلك الأجزاء التي ترغب كل من بريطانيا وفرنسا أخذها من الإمبراطورية العثمانية، ثم توجها بعد ذلك إلى بطرسبرغ لبحث مقترحاتهما مع الحكومة الروسيّة، وابتدأت المفاوضات في آذار 1916م ونتج عنها تفاهم ثلاثي، تبلورت عنه مسودات التفاهم رسميًّا في نیسان وأيار من تلك السنة (2).
وفيما يخص دراستنا فقد احتفظت فرنسا لنفسها بالقسم الأعظم من سوريا، وبحصة غير صغيرة من جنوب الأناضول ومنطقة الموصل، أمَّا حصّة بريطانيا فكانت تتألف من شريط يمتد من أقصى جنوب سوريا عبر العراق ليشمل بغداد والبصرة وكل المنطقة الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة المخصصة لفرنسا، وأيضًا مينائي حيفا وعكًا في فلسطين. مع قطعة صغيرة من المنطقة الداخلية، وهناك مناطق أخرى تضم منطقةً من فلسطين لتكون تحت حكم دولي خاص (3). إلا أنَّ انتصار الثورة البلشفية في روسيا نهاية العام 1917م، وقيام السلطة الجديدة فيها بنشر بعض الوثائق السرية الموضوعة في محفوظات وزارة الخارجية القيصرية، ومن بينها نصوص اتفاقية سنة 1916م، أدّى إلى فضح اتفاقية سايكس بيكو وانسحاب روسيا منها (4).
وفي كانون الأول 1918م حاول كليمنصو (5)؛ رئيس وزراء فرنسا أنْ يُقنع لويد كليمنصو على نقل ولاية الموصل إلى منطقة النفوذ البريطاني على شروط، منها أن تنال فرنسا حصَّةً من نفط الموصل (6). بيد أنَّ الحلفاء اتفقوا في أثناء مؤتمر الصُّلح في باريس، على توزيع الانتدابات، وقد أعطيت بريطانيا الانتداب على العراق وفلسطين، وأعلنت هذه القرارات في 26 / شباط / 1920 م، إذ كان المفروض أ الانتداب قد وجد كحل وسط بين سياسة الاستعمار القديمة ووعود الحلفاء في أثناء الحرب، وذلك وفقًا للمادة الثانية والعشرين من ميثاق عصبة الأمم (7).
لقد كانت الحرب العالمية الأولى نهاية قصَّة طال أمدها وتشعبت فصولها، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد التي أصبحت تُعرف بالمملكة العراقية، ثمّ استمرت العلاقات البريطانية العراقية تجري بوساطة أجهزة وأساليب جديدة وفي ظروف تختلف جوهريا عن كل ما سبق، غير أنَّ الإستراتيجية بقيت على حالها من حيث الباعث والهدف وغموض المصير، وفي ظلّ آمال ووعود وشكوك غدا العراق تحت الانتداب البريطاني، وبقيام ثورة العشرين انقلبت كل الخطط وعصفت بها الثورة إلى حيث لا رجعة، فقد انتهت وإلى الأبد مشاريع ربط العراق بالهند وتقسيمه، فكان تشكيل أوّل حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب(8) (25/ تشرين أول/ 1920م) ، وتتويج فيصل ملكا على العراق (23/ آب/ 1921م)(9)، واستعاضت بريطانيا عن صكٍّ الانتداب بمعاهدة تحالف مع العراق (1922م)(10).
وبرز في تلك المرحلة دور النفط في سياسة السيطرة البريطانية على العراق واستخدمه في دائرة مساوماتها السياسية معه، وهو دور لا يقل عن الاعتبارات الإستراتيجية التي كانت تشغل أذهان المسؤولين البريطانيين تجاه العراق، وكان خبراء النفط البريطانيون قد درسوا إمكانيات العراق النفطية منذ السنوات الأولى من القرن العشرين، وبعد الحرب أتمّ أولئك الخبراء وضع تقارير شاملة لأغلب مناطق النفط في العراق (11). وغَدَت قضية النفط وامتيازاته في الحقب اللاحقة، أحد أبرز صور الوجود البريطاني في العراق ونفوذه واستغلاله.
......................................................
1. إنَّ من أهم الأسباب التي دعت وزارة الخارجية البريطانية إلى إخفاء شروط الاتفاق الذي عقدته مع الشريف حسين، يعود لخشيتها من تعارض الاتفاق مع ما تريده فرنسا، فضلا عن عدم رغبتها في الإيفاء بتعهداتها للشريف حسين وخوفها من تحالف الأخير مع فرنسا فيما لو كشفت الأخيرة سر ما تُضمره بريطانيا، ناهيك عن إحساس بريطانيا بحاجتها إلى طريق برية إلى الشرق ورغبتها في عمل أي شيء ضروري يمكن أن يشل أثر المكاسب الفرنسية والروسية من اتفاقية سايكس - بيكو، إضافةً إلى أنَّ حكومة بريطانيا وعدت الشريف حسين بتنصيب ولده فيصل ملكا على سوريا دون أن تعلم حليفتها فرنسا بذلك، وكانت مخاوف حكومة بريطانيا في محلها، إذ أخرج الفرنسيون فيصلا من سوريا بعد احتلالهم لها في معركة ميسلون آذار 1920م ؛ أنطونيوس، جورج، يقظة العرب تاريخ حركة العرب القومية، ص348-349.
2. وقعت الاتفاقية بين مندوب الحكومة البريطانية مارك سايكس Mark Sykes ومندوب الحكومة الفرنسية شارل فرانسو بيكو Charles Franceis Picot، سنة 1916 م، لذا عُرفت بهذا الاسم ووضعت ولايتي البصرة وبغداد تحت الوصاية البريطانية، أما ولاية الموصل فقد وضعت تحت الولاية الفرنسية.
يُنظر: البراوي، راشد، البترول في الشرق الأوسط، 4/121ــ122.
3. أنطونيوس، يقظة العرب، ص 348-349.
4. انطونيوس، يقظة العرب، ص 438.
5. جورج كليمنصو George Clemence (1929-1841م): من أبرز السياسيين الفرنسيين، رأس الوزارة مرتين (1906 - 1909م) و (1917 - 1919م)، انتخب عضوا في مجلس النواب عام (1876 - 1893م)، وفي مجلس الشيوخ عام 1902م، وفي عام 1906م أصبح رئيسًا للوزارة ووزيرا للداخلية، وفي تشرين الثاني 1917م أصبح رئيسًا للوزراء مرةً ثانية، وأقام حكومة ائتلافية (حكومة الاتحاد المقدس)، واصلت الحرب حتى إحراز النصر، عد كليمنصو معاهدة فرساي غير كافية لضمان سلامة فرنسا. للمزيد، يُنظر: بالمر، آلان موسوعة التاريخ الحديث (1789-1945م) 1/190.
6. حافظ، مرجع سابق، ص 60.
7. عصبة الأمم League of Nations هي إحدى المنظمات الدولية السابقة التي تأسست عقب مؤتمر باريس للسلام عام 1919م، الذي أنهى الحرب العالمية الأولى التي دمرت أنحاء كثيرة من العالم وأوربا خصوصا، وهي أول منظمة دولية هدفت إلى الحفاظ على السلام العالمي. للمزيد، يُنظر:
The New Encyclopedia Britannica, New York: Vol. VI, p.244.
8. عبد الرحمن النقيب (1854 - 1927م): من رجال السياسة والحكم في العراق، ولد في بغداد وتعلم فيها، وتولَّى نقابة الأشراف فيها، تولى أول وزارة عراقية بعد ثورة العشرين، ثم بعد تولي فيصل الأول عرش العراق تولى رئاسة الوزارة مرتين، عُقدت في عهده المعاهدة العراقية – البريطانية عام 1922م. توفي في بغداد عام 1927م ودفن فيها. للمزيد، يُنظر: كحالة، عمر، رضا، معجم المؤلفين، (بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1967م)، ج 5، ص 156.
9. الملك فيصل الأول (1883 - 1933م) (1921 - 1933م): ولد في مدينة الطائف في العشرين من أيار عام 1883م. ودرس في أسطنبول، شارك في الثورة العربية الكبرى التي اندلعت في العاشر من حزيران عام 1916 م، إلا أن الفرنسيين أزاحوا فيصلا عن عرش سوريا بعد موقعة ميسلون في الرابع والعشرين من تموز عام 1920 م، وفي آذار 1921م رشحت بريطانيا فيصلا ملكًا على العراق في مؤتمر القاهرة، وفي الثالث والعشرين من آب 1921م اعتلى عرش العراق. توفي في ليلة السابع على الثامن من أيلول عام 1933م. للتفاصيل، يُنظر: التكريتي، عبد المجيد كامل عبد اللطيف فيصل الأول ودوره في تأسيس الدولة العراقية الحديثة (1921 - 1933م)، (بغداد، 1991م)، ص ص 10-15.
10. حافظ، طالب حسين النفط والسياسة في العراق، ص 61.
11. م.ن، ص61.