روى الكَراجكيّ في «كنز الفوائد» بسنده المتّصل عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ قال: لمّا فتح عليّ عليه السلام خيبراً، وقدم عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال له النبيّ: لَوْ لا أنْ تَقُولَ فِيكَ طَائِفَةٌ مِنْ امَّتِي مَا قَالَتِ النَّصَارَى في المَسِيح ابْنِ مَرْيَمَ، لَقُلْتُ فِيكَ اليَوْمَ مَقَالًا لَا تَمُرُّ بِمَلأٍ إلَّا أخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ ومِنْ فَضْلِ طَهُورِكَ فَاسْتَشْفَوا بِهِ؛ ولَكِنْ حَسْبُكَ أنْ تَكُونَ مِنِّي وأنَا مِنْكَ! تَرِثُنِي وأرِثُكَ! وَأنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي! وإنَّكَ تُبْرِيءُ ذِمَّتِي، وتُقَاتِلُ على سُنَّتِي! وإنَّكَ غَدَاً في الآخِرَةِ أقْرَبُ النَّاسِ مِنِّي! وإنَّكَ أوَّلُ مَنْ يَرِدُ عَلَيّ الحَوْضَ وإنَّكَ على الحَوْضِ خَليفَتِي! وإنَّكَ أوَّلُ مَنْ يُكْسَى مَعِي! وإنَّكَ أوَّلُ دَاخِلِ الجَنَّةِ مِنْ امَّتِي! وإنَّ شِيعَتَكَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ مُبْيَضَّةً وُجُوهُهُمْ حَوْلي؛ أشْفَعُ لَهُمْ ويَكُونُونَ غَدَاً في الجَنَّةِ جِيِرَانِي! وإنَّ حَرْبَكَ حَرْبِي! وإنَّ سِلْمَكَ سِلْمِي! وإنَّ سَرِيرَتَكَ سَرِيرَتِي! وعَلَانِيَتَكَ عَلَانِيَتِي! وإنَّ وُلْدَكَ وُلْدِي! وَإنَّكَ مُنْجِزٌ عِدَاتِي! وإنَّكَ عَلِيّ! ولَيسَ أحَدٌ مِنَ الامَّةِ يَعْدِلُكَ عِنْدِي!
وَإنَّ الحَقَّ على لِسَانِكَ، وفي قَلْبِكَ، وبَيْنَ عَيْنَيْكَ! وإنَّ الإيمَانَ خَالَطَ لَحْمَكَ ودَمَكَ، كَمَا خَالَطَ لَحْمِي ودَمِي! وإنَّهُ لَا يَرِدُ الحَوْضَ مُبْغِضٌ لَكَ! ولَا يَغِيبُ مُحِبٌّ لَكَ غَدَاً عَنِّي حتّى يَرِدَ عَلَيّ الحَوْضَ مَعَكَ يَا عَلِيّ!
فَخَرَّ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ سَاجِدَاً؛ ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي مَنَّ عَلَيّ بِالإسْلَام؛ وعَلَّمَنِي القُرْآنَ؛ وحَبَّبَنِي إلى خَيْرِ البَرِيَّة: خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، وسَيِّدِ المُرْسَلِينَ، إحْسَانَاً مِنْهُ إلَيّ وفَضْلًا مِنْهُ عَلَيّ.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلِيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يَا عَلِيّ! لَوْ لا أنْتَ لَمْ يُعْرَفِ المُؤْمِنُونَ بَعْدِي[1].
إنّ الحديث النبويّ الشريف: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي المشهور بين علماء الشيعة والعامّة بحديث المنزلة هو من الأحاديث المسلّم صدورها عن رسول الله، وذهب الفريقان إلى تواتره. ويمكن أن نعتبره في مصافّ عدّة معدودة من الأحاديث المتواترة اللفظيّة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم. ولا يلاحظ كتاب من الكتب، سواء في حقل التفسير، أو الحديث، أو التأريخ، أو السيرة، أو السنن، إلّا وقد روى صاحبه هذا الحديث عن رسول الله في مواطن عديدة من كتابه.
ونقل السيّد هاشم البَحْرانيّ في الباب الثالث والثمانين من كتاب «غاية المرام» أحد عشر حديثاً من طريق العامّة، وفي الباب الرابع والثمانين واحداً وعشرين حديثاً من طريق الخاصّة إنَّ عَلِيَّاً عَلَيهِ السَّلَامُ وَزِيرُ رَسُولِ اللهِ ووَارِثُهُ. كما نقل في الباب العشرين مائة حديث من العامّة، وفي الباب الحادي والعشرين سبعين حديثاً مع ذكر السند والمصدر واتّصال الرواة على أنّ رسول الله قال لعليّ: أنْتَ منِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي!
[1] «بحار الأنوار» ج 9، ص 241 و 242، طبعة الكمبانيّ؛ و روى البحرانيّ نصّ هذا الحديث المبارك في «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 115 و 116، تحت الرقم 60 عن الخوارزميّ في «الفضائل» بسنده المتّصل عن إبراهيم بن عبد الله بن العلا، عن أبيه، عن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ عليه السلام. وعباراته هي هذه العبارات نفسها. و فيها إضافة أيضاً: وَ إنَّ أعْدَاءَكَ غَدَاً ظَمَأ مُظْمَئين مُسْوَدَّة وُجُوهُهُمْ يَتَقَحَّمُونَ مُقْمَحُونَ! يُضْرَبُونَ بِالمَقَامِعِ وَ هِيَ سِيَاطٌ مِن نَارٍ مُقْتَحَمِينَ! وَ أنْتَ بَابُ عِلْمِي!
و كذلك روى البحرانيّ مختصر هذا الحديث في «غاية المرام» عن الخوارزميّ في مناقبه، عن ناصر الحقّ ضمن حديث طويل؛ و رواه أيضاً بطوله عن كتاب «المناقب الفاخرة» بسنده المتّصل عن جابر بن عبد الله، و أضاف الجمل الآتية في نهاية الحديث: يَا عَلِيّ! لَقَدْ جَعَلَ اللهَ نَسْلَ كُلِّ نَبِيّ مِنْ صُلْبِهِ، وَ نَسْلِي مِنْ صُلْبِكَ! فَأنْتَ أعَزُّ الخَلْقِ لَدَيّ، وَ أكْرَمُهُمْ لَدَيّ! وَ مُحِبُّوكَ أكْرَمُ عَلَيّ مِنْ امَّتِي. و نقله في «غاية المرام» أيضاً بهذه العبارات المذكورة عن طريق الخاصّة، عن الشيخ الصدوق بأسناده المتّصلة عن جابر بن عبد الله، و ذلك في القسم الأوّل، ص 127، الحديث رقم 4.