إنَّ معنى نزول الآية في يوم عرفة، يتمثّل في إلفات نظر الناس إلى ما شاهدوه من عظمة الإسلام في موسم الحجّ بمكّة، وأنَّ تفسير إكمال الدين وإتمام النعمة يتجسّد في صفاء الجوّ وخلوصه للمسلمين حينئذٍ فيها، فلا دين يتعبّد به إلّا الإسلام، بحيث أدّى المسلمون فريضة الحجّ باطمئنان تامّ غير مبالين بالكفّار. وبعبارة اخرى، المراد بكمال الدين وتمام النعمة: هو كمال هذا الأسلوب والأعمال التي كان المسلمون يمارسونها دون أن يختلط بهم الأعداء من الكفار، أو يكونوا مرغمين على الحذر منهم، وليس المراد به الشريعة المجعولة من عند الله المشتملة على الأحكام والمعارف. وكذلك المراد بالإسلام هو ظاهر الإسلام الموجود بأيديهم في مقام العمل.
وملخّص الكلام: أنَّ المراد بالدين هو الدين الملحوظ عبر الأعمال والممارسات التي كان يزاولها المسلمون، والمراد بالإسلام هو الشكل الظاهر منه، من حيث الشوكة والقوّة. فهذا المعنى هو الذي يقبل الزيادة والنقصان. وأمّا المبادئ العامّة للأحكام والمعارف المشرّعة والنازلة من عند الله، فلا تقبل الزيادة والنقصان، لأنَّ تلك الزيادة والنقصان اللذين جاءا على لسانه إنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيءٌ قَطٌّ إلَّا نَقَصَ، فهما سنّة طبيعيّة وكونيّة تجري في التأريخ والمجتمع تبعاً للكون والطبيعة نفسيهما. وأمّا الدين فإنَّه لا يخضع لمثل هذه السنن والنواميس أبداً، وتلك الحقيقة المُشَرَّعة لا تتغيّر ولا تتبدّل إلّا عند من يقول أنّ الدين سنّة اجتماعيّة متغيّرة ومتطوّرة كسائر السنن الاجتماعيّة. وإذا عرفنا ذلك، علمنا أنه ترد إشكالات على هذا اللون من التفكير:
أوّلًا: أنَّ المعنى الذي زعموه أنه معنى الدين لا يمثّل الدين، وأنَّ قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} لا يصدق عليه.
وثانياً: كيف يمكن أن يطلق الله صفة الكمال على الدين بصورته التي كان يتراءى عليها، وينسبه إليه، ويمنّ به على الامّة؟ بمجرّد خلوّ الأرض من ظاهر المشركين، وأنَّ المسلمين يستطيعون ممارسة أعمالهم مطمئنّين من غير أن ينالهم مكر المشركين وكيدهم، وفيهم من هو أشدّ من المشركين إضراراً وإفساداً، وهم المنافقون الذين كانوا يكيدون للمسلمين باستمرار من خلال تكتّلاتهم الدقيقة واجتماعاتهم السرّيّة وتغلغلهم في صفوف المسلمين، وإفساد الحال، وتقليب الامور، والإرجاف والدسّ في الدين، وإلقاء الشبهات بين المسلمين.
وللمنافقين أنبأ عجيبة وعظيمة تعرّضت لها آيات جمّة من القرآن الكريم كسورة «المنافقون»، وما في سور البقرة، والنساء، والمائدة، والأنفال، وبراءة، والأحزاب، وغيرها.
ولا ندري كيف بادت زمرتهم بمجرّد نزول آية الإكمال؟ وكيف خمدت أنفاسهم في صدورهم؟ وعلى أيّ طريق بطل كيدهم ومكرهم؟ وكيف زهق باطلهم؟ وأنى يكون المنّ على المسلمين بإكمال ظاهر الدين، وإتمام ظاهر النعمة وهم متغلغلون في صفوفهم؟ وكيف يرضي الله الإسلام ديناً بمجرّد طرد أعداء المسلمين من مكّة؟ ونحن نعلم بشهادة القرآن والتأريخ أنَّ المنافقين كانوا أعدي منهم، وأعظم خطراً، وأمرّ أثراً. وتصديق ذلك قوله تعالى مخاطباً نبيّه فيهم: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ}[1]
وكيف نتصوّر أنَّ الله سبحانه يمنّ على المسلمين، ويصف بالكمال ظاهرَ دينٍ هذا باطنه؟ وكيف يصف نعمته بالتمام وهي مشوبة بالنقمة؟ أو يخبر برضاه صورة إسلام هذا معناه؟ وهو القائل جلّ من قائل: {وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً}.[2] والقائل في المنافقين ودينهم ونهجهم: {فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ}.[3] والقائل أيضاً: {سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ}.[4] والقائل كذلك: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.[5]
يضاف إلى ذلك أنَّ في الآية إطلاقاً، وأنها لا تقيّد إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الله عن الإسلام بجهة دون اخرى، مثلًا بالظاهر دون الباطن، أو بالشكل دون المعنى.
وكما قلنا، فإنَّ آية الإكمال هي من مصاديق قوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} (آية الاستخلاف)، والوعد في تلك الآية ليس لجميع المسلمين بما فيهم المسلمون ظاهريّاً، بل المراد طائفة خاصّة من المسلمين الذين ينسجم ظاهرهم مع باطنهم، وتنطبق ممارساتهم العمليّة على الدين المشرّع من الله. وعلى هذا فإنَّ المراد من إكمال دينهم المرضيّ للّه سبحانه هو تكميل الحقائق الدينيّة المشرّعة عند الله سبحانه وتعالى وقد أفرغها في قالب التشريع وأنزلها حتّى تتمكّن في قلوبهم ليعبدوه بعد يأس الذين كفروا من دينهم.
وهذا المعنى هو الذي ذكرناه: إنَّ معنى إكمال الدين إكماله من حيث تشريع الفرائض- فلا فريضة مشرّعة بعد نزول الآية- لا تخليص أعمالهم وخاصّة حجّهم من أعمال المشركين بحيث لا تختلط أعمال حجّهم معاً. وبعبارة بسيطة: يكون معنى إكمال الدين رفعه إلى أعلى مدارج الترقّي من جهة تشريع الأحكام وكشف المعارف الحقّة الحقيقيّة، وفي هذه الحالة فلا معنى للنقص بعد الزيادة.[6]
[1] الآية 4، من السورة 63: المنافقون.
[2] الآية 51، من السورة 18: الكهف.
[3] الآية 96، من السورة 9: براءة.
[4] الآية 6، من السورة 63: المنافقون.
[5] الآية 80، من السورة 9: براءة.
[6] قال في «تفسير المنار» ج 6، ص 167: إنَّ قول ابن عبّاس إنَّ الله أكمل الدين فلا ينقصه أبداً، أثبت وأظهر من قول عمر رضي الله عنه: ما بعد الكمال إلّا النقص.