إنّ ابن حجر الهَيتميّ صاحب «الصَّوَاعِق المُحْرَقِة» احتجّ على ابن قُتَيبَة الدينوريّ صاحب كتاب «الإمامة والسِّيَاسة» لذكره أخباراً توجب القدح في الصحابة، وتؤدّي إلى المشاجرة بين العوامّ، وتلفت نظر الناس إلى امور لا ينبغي أن يطّلعوا عليها، وهو معروف بمنزلته وجلالته العلميّة وعظمته الثقافيّة الإسلاميّة. ويجب على العلماء أن لا يقولوا الحقائق كما هي، لأنها تكون مستمسكاً بِيَدِ العوامّ، والأفضل في هذه الحالة عرض مواضيع لا تبعث على تشويش ذهن الامّة.[1]
إنّ هؤلاء وأمثالهم لمّا لم يجدوا سبيلًا إلى الشكيك في جلالة ابن قُتَيبَة، أو في كتابه «الإمامة والسِّياسة»، بثّوا وجدهم حرصاً على مصلحة الامّة شاكين من ابن قتيبة ومعاتبين أيّاه. ولو وجدوا سبيلًا إلى الطعن فيه لأمكنهم ذلك بسهولة، فإمّا ينكرون جلالته وعظمته في التأريخ، أو ينكرون نسبة هذا الكتاب إليه بصراحة!
إنّ كتاب «الإمامة والسِّياسة» كتاب من العامّة لا مثيل له بين كتب العامّة من حيث صحّته وقدمه. مؤلّفه هو أبو محمّد عبد الله بن مُسْلم الدينوريّ المتوفّى في سنة 270 هـ.
يقول محمّد فريد وجديّ بعد عرضه شيئاً من قضيّة السقيفة: هذا موجز لما ذكره العلّامة الدينوريّ في كتابه: «الإمامة والسياسة» مفصّلًا.[2]
وبعد نقله خطبة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وقوله في الهامش، نقلنا هذه الخطبة عن كتاب «الإمامة والسياسة» لأبي محمّد عبد الله بن مسلم الدينوريّ المتوفّى سنة 270 هـ يقول: إنّ الكتاب الذي ننقل منه هذه الخطبة هو من أقدم الكتب وأوثقها في مسائل الخلافة الإسلاميّة.[3]
ولمّا لم يسعهم إنكار ما جاء في هذا الكتاب من موضوعات، أعلنوا أنه من الكتب المحظورة. وهذا الكتاب، وكتاب «ينابيع المَودَّة» للقُندوزيّ الحَنَفي اللذان طبعا قبل قرن من الزمان بعد انتشار الطباعة كانا محظورين في الدولة العثمانيّة (تركيا المعاصرة) والعراق. ولكن عند ما كثرت نسخهما عند الناس وفي المكتبات شيئاً فشيئاً. لم يستطع أحد أن يمنع تداولهما بيعاً وشراءً في السنين الأخيرة.
جاء في كتاب «الإمامة والسياسة» امتناع أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة، واعتصام الزُّبَير، والمقداد، وسَلمان، وغيرهم في دار فاطمة عليها السلام، وسوق أمير المؤمنين إلى المسجد، وذهاب فاطمة خلفه، ولجوؤه إلى قبر رسول الله، واستنصاره المهاجرين والأنصار بواسطة فاطمة سلام الله عليها.
عجباً لمخالفي الولاية إذ ظلموا أنفسهم، مع جميع ضروب الظلم والأذى التي ألحقوها بمقام الولاية، وكافّة جهودهم لإخفاء الولاية. عجباً لهم إذ حرموا أنفسهم الارتشاف من منهل الحقيقة، ولم يهتدوا بضياء الشمس المتألّقة كالخُفّاش الذي ظلّ محروماً من شعاع الشمس وإلّا فهل يمكن حجب الشمس وإسدال الستار عليها؟
لقد أنشد محبّو أهل البيت وولايتهم مدائحهم في أمير المؤمنين عليه السلام جيلًا بعد جيل وقرناً بعد قرن مع تجرّعهم الغصص ومعاناتهم صنوف العذاب، ودأبوا على ذلك منذ عصر إمامهم صلوات الله عليه إلى يومنا هذا. وإن كان بينهم مَن مَدَح ومَجَّدَ وهو على خشبة الصلب ينازع الموت كرُشَيد الهَجريّ، ومَيثَم التمّار، غير أنّ الشعراء أنشدوا قصائدهم، والخطباء ألقوا خطبهم، وكلّ جيل يرى نفسه مديناً للجيل السابق، ومسؤولًا عن إيصال ذلك إلى الجيل اللاحق، فَلِلَّهِ الحَمْدُ وَلَهُ الشُّكْرُ إذ نرى أنّ اسم عليّ في طليعة أسماء أحرار العالم، وأنّ جميع المبادئ والمدارس- بما فيها المبادئ والمدارس غير الإسلاميّة- تنظر إليه نظرة احترام وتبجيل من حيث عظمته، ورفعة شأنه، وعلوّ منزلته، وكونه قدوة الأحرار في العالم. وأنّ الشيعة حيثما كانوا يتباهون بأنهم أتباع مدرسته. والمخالفون بحاجة إلى إخفاء مطاعن وقبائح أئمّتهم حيال الجرائم التي يكشف عنها التأريخ باستمرار، ويحاولون دائماً التكتّم على مثالب رجالهم لئلّا يفتضحوا أكثر فأكثر. ولكن ليعلموا أنه قد مضى ما مضى، والحادث يتعذّر تجنّبه، وأنّ التكتّم على تلك الفضائح يزيد الطين بلّة، خاصّة مع النقد والتحليل والتدقيق والتنقيب والبحث والمناقشة الحرّة حيال الأحداث التي شاعت في عالم اليوم.
[1] جاء ذلك في كتاب «تطهير اللسان» المطبوع في حاشية كتاب «الصواعق المُحرقة» ص 94.
[2] «دائرة المعارف»، وجدي، ج 3، ص 745.
[3] نفس المصدر السابق، ص 749.