تتميز هذه المرحلة من الحروب الإيطالية بارتباطها بالحركة اللوثرية في ألمانيا، كما أن النزاع على إيطاليا كان من أهم أسباب استئنافها.
وكانت قد جدّت عوامل جديدة فى تلك المرحلة مرتبطة بصراعات أخرى في ألمانيا وإنجلترا واسكتلندا، جعلت لهذه المرحلة أهمية تاريخية خاصة.
فقد ارتبط هنري الثانى بعد توليه العرش بأسرة جيز Guise الفرنسية، التي تنتسب إلى بيت أنجو صاحب الأملاك القديمة في إيطاليا وفى بيت المقدس. وكانت سياسة أسرة جيز استئناف الحرب مع الإمبراطور شارل الخامس صاحب النفوذ الواسع في إيطاليا. ولما كانت ماري لورین Mary of Guise، شقيقة دوق جيز والكارد ينال شارل، قد تزوجت من جيمس الخامس ملك اسكتلندا، واستأثرت بكل سلطة بعد وفاة زوجها نظرا لصغر سن ابنتها ماري ستیوارت، فقد اعتمدت على الروابط العائلية لتقوية المحالفة بين فرنسا واسكتلنده في أثناء الصراع.
وفي الوقت نفسه كانت حركة الإصلاح الديني في ألمانيا قد أوقعت ما بين الإمبراطور شارل الخامس والبابا بول الثالث. ففي سنة 1548م أصدر الإمبراطور شارل الخامس «النظام المؤقت» - In terim لإنهاء النزاع الديني في ألمانيا، وقد تضمن بعض التساهل لإرضاء البروتستنت، فأغضب ذلك البابا.
وقد حدث ذلك في الوقت الذي كان النفوذ الأسباني يتوطد في لمباردي، إذ ضمت اسبانيا كلا من بارما وبياكانزا Piacanza إلى دوقية ميلان، بعد أن اغتيل حاكمهما الذي كان ابنا غير شرعي للبابا نفسه في سنة 1547م. ومن أجل ذلك أخذ البابا يتفاوض مع هنري الثاني ملك فرنسا لاستئناف القتال في إيطاليا.
على أن هنري الثاني كان في ذلك الحين مشغولا بالحرب مع إنجلترا بسبب النزاع حول اسكتلندا. وقد بدأت هذه الحروب عندما امتنع البلاط الأسكتلندي الكاثوليكي الخاضع لماري لورين الفرنسية الكاثوليكية عن تنفيذ خطوبة ماري ستيوارت إلى إدوارد السادس ملك إنجلترا الدولة البروتستنتية، فأرسل الإنجليز حملة على أسكتلندا هزمت الأسكتلنديين في «موقعة بيانكي Piankie» في 10 سبتمبر 1547م.
وهنا احتمت واسكتلنده في فرنسا، وعقدت ماري لورين خطوبة ابنتها التي انتقلت إلى فرنسا على ولي عهد فرنسا وابن الملك هنري الثاني في أغسطس 1548م، فأنذرت هذه الخطبة بانضمام التاج الأسكتلندي إلى التاج الفرنسي، ونشبت الحرب بين إنجلترا وفرنسا واستمرت حتى مارس 1550م، وفيها خسر الإنجليز ثغر بولوني في فرنسا الشمالية في نظير حصولهم على تعويض من فرنسا.
وقد شجع هذا النصر هنري الثاني على القيام بعمل حاسم ضد شارل الخامس، ولكن فى ميدان جديد غير إيطاليا، وذلك في جهة نهر الموزيل Moselle أحد فروع الراين وفي حدود الإمبراطورية الألمانية.
وكانت خطة هنري الثاني الاستفادة من ثورات اللوثريين ضد الإمبراطور، وضم الأمراء الألمان الذين كانوا يخشون من ازدياد نفوذ أسرة هابسبرج بعد انتصار الإمبراطور على البروتستنت في معركة موهلبرج Mahlberg في أبريل 1547م، فتم عقد محالفة بين هنري الثاني والأمراء الألمان فى شامبورد Chombord في يناير 1552م، ثم وقع موريس ناخب سكسونيا المعاهدة مع فرنسا في فرايادوالد Friadwald في 14 فبراير 1552م.
وقد كان لهذا الاتفاق أهمية تارخية كبرى للسببين الآتيين:
أولا: أنه كان أول اختيار حقيقي لسياسة توازن القوى في أوروبا، التي كان من نتيجتها في المائة سنة التالية إنقاذ فرنسا من خطر أسرة هابسبرج، وتحطيم قوة هذه الأسرة.
ثانيا: أن الاتفاق أباح لملك فرنسا الاستيلاء على المدن التي كانت من أملاك الإمبراطور الدائمة على الرغم من أنها لم تكن تتكلم الألمانية، وهي کمبرای وتول Toul، وميتز Metz وفردان Verdun، فكانت هذه المادة بمثابة العهد الذي أعلن حق فرنسا الطبيعي فى امتلاك كل إقليم اللورين الفرنسي الذي تقع في أرضه هذه المدن.
في ذلك الحين كان الصراع بين هنري الثاني والإمبراطور في إيطاليا قد تجدد في عام 1551م حول مسألة بارما Parma» عندما ساند هنري أحد الأمراء على تولى الحكم فيها، وساند الإمبراطور أميراً آخر. ولكن الصراع انتهى بعقد هدنة بين الطرفين في العام التالي لقيام الصراع، أي في عام 1552م.
فلما وقع الاتفاق التاريخي بين هنري الثاني والأمراء البروتستنت في «شامبورد» فى يناير 1551م ووقع موريس ناخب سكسونيا المعاهدة نهائياً في «فرايد والد» في 14 فبراير 1552م، سارع هنري الثاني إلى تنفيذ هذا الاتفاق فاستولى على تول وميتز وفردان، واستولى موريس ناخب سكسونيا على أوجز بيرج، وأخذ يطارد الإمبراطور في التيرول، فالتجأ شارل الخامس إلى أخيه فرديناند الذي كان يحكم ألمانيا، وتمكن فرديناند من التوسط بين شارل والأمراء الألمان في عقد صلح باساو Passau.. وفي الوقت نفسه عمد شارل الخامس إلى توطيد علاقته بإنجلترا عن طريق تزويج ابنه فيليب من ملكة انجلترا ماري تيودور Mary Tudor.